التعليم الأهلي.. بنايات حديثة ولافتات تملأ الشوارع

الوسوم:,
184 مشاهدة

بغداد/ سها الشيخلي – المدى

ظاهرة ازدياد أعداد المدارس الأهلية قد تكون دليل عافية من جهة لكنها من جهة أخرى مؤشر على فشل التعليم الحكومي المجاني كما يقول المتخصصون في هذا المجال. فهناك من يعتقد أن التعليم الأهلي صار الظهير والرديف للتعليم الحكومي ، وآخرون يرون أنه منافس يستحق الثناء، فيما يرجع فريق آخر أسباب انتشار المدارس الأهلية الى قصور المدارس الحكومية، والعائلة الميسورة تفضله لنتائجه المضمونة في امتحانات البكالوريا. نشاط التعليم الأهلي في العراق مؤخراً تقف وراءه أسباب عديدة، مع الإشارة إلى أن بعض الأوائل في الدراسات المنتهية (البكالوريا) كانوا من طلاب تلك المدارس.

يبقى التعليم الأهلي بكل أنواعه وصنوفه ضروريا للتقليل من الزخم الحاصل على التعليم الحكومي من قبل الأسرة العراقية ذلك لأنه (التعليم الحكومي) مجاني ولان المستوى المعيشي لأغلب الأسر قد شهد ارتفاعاً بعد الانتعاش الاقتصادي، ومع ازدياد أعداد المدارس الأهلية (الابتدائية والإعدادية) إلى أكثر من 350 مدرسة يقابلها أكثر من 4 آلاف مدرسة حكومية ما عدا إقليم كردستان، وأكثر من 248 روضة أهلية، تبقى الحاجة ملحة للاهتمام وزيادة عدد “الأهلية” لتسير جنبا إلى جنب مع “الحكومية”، لخدمة المسيرة التربوية والتعليمية في هذه المرحلة وإعداد جيل متعلم ومتحضر والقضاء على الأمية التي باتت تنخر جسد المجتمع، (وهناك إحصائية تشير إلى أن عدد الأميين في عراق المعرفة قد بلغ أكثر من 9 ملايين شخص).

 

فشل التعليم الحكومي

تشير افتخار عبد الرحمن (50) عاماً وأم لأربعة أبناء الى أن المستوى المتدني للمدارس الحكومية قد أرغم البعض على زج أبنائهم في المدارس الأهلية لأسباب عديدة، تقول افتخار لـ”المدى” عن أول أسبابها، هو عدم كفاءة المعلم في المدارس الحكومية وإهماله المتعمد وعدم جديته، وهذا الأمر يبدو متوارثا من النظام السابق عندما كان راتب المعلم لا يتجاوز الثلاثة آلاف دينار، ولكنه الآن قد ازداد ووصل إلى حد يسمح له بأن يقوم بواجبه على أتم وجه، ولكن ما نرى أن الإهمال والتقاعس ما زالا هما السائدين في أداء المعلمين والمدرسين.

وتؤكد افتخار أن الإهمال زحف حتى إلى رياض الأطفال، وتشير إلى أنها قد جرّبت التعليم الحكومي فوجدته غير مجد ولا يعلّم الصغار بصورة صحيحة بل يعتمد الطالب في دراسته على ما يشرحه الأهل، ما جعلها تدخل ابنها بعد إكماله الدراسة الابتدائية في المدارس الحكومية إلى المدارس الأهلية ، والابن الآخر ذهبت به إلى كلية صيدلة أهلية هي الأخرى مع العلم أن أجور الدراسة الأهلية مرتفعة، أما ابنها الثالث فقد أدخلته كلية بغداد، والصغيرة أودعتها روضة أهلية، وتقول افتخار إنها تقتصد في مصروف العائلة لكي توفر أجور الدراسة الأهلية للأولاد، من اجل أن تضمن مستوى جيداً عندما يتخرجون، مشددة على أن اغلب خريجي الدراسة الإعدادية أو الابتدائية مستواهم الدراسي ضعيف جدا.

وعن طفلتها الصغيرة ولماذا أودعتها روضة أهلية مع وجود رياض أطفال حكومية، تبين افتخار أن مستوى الأطفال في الرياض الحكومية غير جيد، وان المعلمة لا تشرح للصغار أهم الأمور وهي احترام الكبير في العائلة وعدم التلفظ بكلمات نابية، وعدم الاعتداء على أقرانهم .

 

حرصاً على أولادنا

بالقابل، يوضح أبو إياد أن العائلة الحريصة على مستوى أبنائها التعليمي تضطر للجوء إلى تعليم الأولاد في المدارس الأهلية لعدة أسباب منها وجود المختبرات والأجهزة العلمية الحديثة، إضافة الى وجود مختبر خاص بالحاسوب وان المدرسين قد تم اختيارهم بشكل دقيق وهم من الذين مشهود لهم بالكفاءة والخبرة ، بخلاف المدرسين في التعليم الحكومي الذين تم تخرجهم أو تعيينهم بالواسطة والمحسوبية ، وان مستوى المعلم والمدرس غير مقبول أحيانا، وإذا ما تحدثنا عن متابعة الإدارات لكل من الطلبة والمدرسين نجد أن مدير المدرسة الأهلية أكثر حرصا من مدير المدرسة الحكومية ، لأنه يخضع للمحاسبة والمتابعة من قبل الوزارة وذوي الطالب، هذا إذا وضعنا جانبا الفساد المالي والإداري.

فيما تؤكد المعلمة أم حسام أن التعليم يتراجع إلى الوراء عاما بعد آخر، من جميع النواحي حتى على مستوى المباني، فغالبية المدارس وخاصة الابتدائية تفتقر إلى دورات المياه الصحية ، وان وجدت فهي عبارة عن صنبور للمياه في الحديقة يتجمع حولها الطلبة ، زجاج النوافذ مكسورة ، لا ستائر تقي الطلبة من شمس الحر ولا رياح الشتاء الباردة وزخات المطر ، ولا توجد مراوح سقفية وان وجدت فهي عاطلة في الغالب ،الحانوت المدرسي أسعاره مرتفعة رغم كونه تعاونيا ، بينما نجد الكافتريا في المدارس الأهلية منظمة ، ومباني المدارس على الأكثر قديمة ومتهالكة حتى أن إحدى المدارس قد وجد الصغار في احد صفوفها رأس أفعى يطل من بين شقوق الجدار، ما أفزعهم كثيرا.

المستوى الدراسي

أما عن المستوى الدراسي فتؤكد أم حسام أنها معلمة وتعلم جيدا ما يجري في المدارس الحكومية من تزوير في الدرجات الامتحانية ولا تخلو مدرسة من الفساد الإداري والمالي، ويكثر ذلك إذا كان للمديرة أو المدير أقارب في السلطة او متنفذون في وزارة التربية ، أما إذا تحدثنا عن الرحلات المكسرة والسبورات القديمة فالأمر يطول ، مع العلم أن ميزانية الوزارة كبيرة لكن أوجه الصرف تختلف من مديرية إلى أخرى، وعندما سألنا المعلمة أم حسام عن مستوى التدريس وهل تبذل المعلمة جهودها لتعليم الطلاب ، أكدت أن الحرص وتأدية الواجب يختلف من معلمة الى أخرى ، ولكن قد يكون سبب عدم استيعاب التلميذ هو كثرة عدد الطلاب في الصف الواحد، فهناك صفوف تضم أكثر من 50 طالبا فماذا يفعل المعلم ، كيف يستطيع إيصال المعلومة إلى كل هذا العدد الكبير من الطلبة، فالعدد النموذجي المعروف عالميا أن لا يقل عدد الطلاب عن 25 طالبا في الصف الواحد ، وهذه اكبر عيوب التعليم الحكومي لذا يشكو ذوو الطلبة ان ابنهم لا يفهم شرح المعلم ويحملون المعلم التقصير في إيصال المعلومة إلى التلميذ .

أما المواطنة أم ندى فتشير الى أن الاهتمام بالطالب يكون اكبر في المدارس الأهلية بحيث يشعر بأنه موضع ثقة معلمه أو مدرسه خاصة إذا ما علمنا أن الطلبة في هذه المرحلة العمرية يكونون حساسين إلى درجة كبيرة فهم يمرون بفترة المراهقة ، وعلى المعلم أو المدرس أن يعاملهم باحترام وهذا الاحترام غير موجود في المدارس الحكومية بل نجد التمايز بين طالب وآخر، إضافة الى ان المدارس الأهلية تهتم بإضافة درس آخر للغة غير اللغة الانكليزية المقررة مثل اللغة الفرنسية، أما عن الأجور التي ربما ترهق كاهل ذوي الطلبة أشارت أم ندى الى ان بعض المدارس لا تطلب الأقساط لمرة واحدة بل تكون الأقساط شهرية وهي أحيانا لا تزيد على 150- 200 ألف دينار، وان الطالب في كل الظروف يكلف أهله مثل هذا المبلغ حتى لو لم يكن دارسا في المدارس الأهلية، فأغلب العوائل تصرف أكثر من هذا المبلغ في المدارس الحكومية حيث تذهب إلى المدرسين الخصوصيين قبل الامتحانات النهائية أو بعدها .

وتخالفها الرأي أم أمل التي تقول “إن بعض العوائل يريدون المباهاة في إدخال أبنائهم في المدارس الأهلية ومن اجل الوجاهة، والبعض الآخر يريد ضمان الدرجات العليا في الامتحانات النهائية.

 

رئيس لجنة التربية

في البرلمان

رئيس لجنة التربية والتعليم في البرلمان عادل فهد أكد لـ”المدى” أن التعليم الحكومي له إنجازات لا يمكن نكرانها.

وعلى الرغم من إشارة فهد إلى وجود نواقص عديدة ترافق المسيرة التعليمية في العراق الناتجة عن تراكمات الماضي من حروب وحصار، الا أن هذه النواقص نجدها في مجالات عدة ليس في المجال التربوي فقط، ويشدد فهد على انه هناك مناقشات عدة تناولت المسيرة التربوية في العراق من اجل الارتقاء بها، موضحا أن التعليم الأهلي ليس هو البديل عن التعليم الحكومي، فقد ألزمت الحكومة نفسها من خلال الدستور بالعناية والاهتمام بالتعليم الحكومي كونه حقاً من حقوق المواطن على الدولة، أما إذا رغبت العائلة في زج أبنائها بالمدارس الحكومية فهذا هو خيارها.

وعن ظاهرة انتشار المدارس الأهلية أشار فهد الى ان التعليم الأهلي ليس وليد هذه السنوات القليلة بل له تاريخ قديم فمنذ 1952، كان التعليم الأهلي موجود مثل جامعة الحكمة وكلية بغداد، بل حتى في البداية كانت الجامعة المستنصرية جامعة أهلية، فالتعليم الأهلي عريق كما نعلم، لكنه ضاق وانحسر في أعوام السبعينيات، وعن تفضيل العوائل تدريس أبنائهم في المدارس الأهلية، أوضح فهد أن السبب ربما كان وراءه الزحام الذي تشهده المدارس الحكومية، وذلك الاكتظاظ في المدارس فنحن نعاني من نقص شديد في المباني المدرسية، وسبق أن تم في الموازنة السابقة تخصيص مبلغ 600 مليار دينار لبناء مدارس أخرى لكن هذا المبلغ لا يسد الحاجة الفعلية لبناء العدد الكافي للمدارس، وعن عدم حرص الكوادر التدريسية وغياب المتابعة والرقابة من قبل وزارة التربية، أشار الفهد إلى أننا لا نستطيع أن نعمم ذلك وان نلقي باللوم على المعلم وحده، فهناك التدريب والإعداد للمعلم، حيث أننا كنّا قد ناقشنا الجودة ووحدة قياس الجودة في مؤتمر سابق، ووجوب دخول المعلم في دورات تدريبية من اجل ضبط هذه العملية على أن تكون تلك الدورات ذات جدوى.

محدودية التعليم الأهلي

فيما أشار مدير التعليم العام في وزارة التربية عادل عبد الرحيم إلى أن نظام التعليم قديم فقد بدأ بالانتشار منذ عام 1960 ، لكن النظام السابق قام بتأميم التعليم الأهلي ما جعله ينحسر، لذا نجده قد انتشر بشكل واسع اثر سقوط النظام البعثي ، وهناك عوائل ميسورة تريد أن تعلم أبناءها بالتعليم الأهلي لعدة أسباب منها جودة التعليم الأهلي وتأتي بنتائج في الامتحانات العامة جيدة، صحيح هناك مدارس أهلية جيدة لكن بالمقابل هناك إخفاقات فبعضها يتوخى الربح.

وأكد عبد الرحيم لـ”المدى” أن في التعليم الحكومي هناك 8 ملايين طالب و500 ألف معلم ومدرس، اما في التعليم الأهلي فلا يتجاوز عدد الطلبة 50 ألف طالب، وعدد المعلمين والمدرسين هو 5 آلاف مدرس ، واختتم حديثه بالقول إن التعليم الأهلي ما زال محدودا.

ثانوية المسّرة الأهلية

من جانبها، تقول أحلام مديرة ثانوية المسرة الأهلية للبنات، بأن المدرسة تضم أكثر من 250 طالبة من الصف الأول المتوسط إلى السادس الإعدادي للفرعين العلمي والأدبي ، أما الأقساط فهي مليون دينار عراقي سنوياً تدفعه الطالبة على قسطين في السنة، وتؤكد المديرة لـ”المدى” لا نقبل الدرجات المتدنية بل نطالب بأن يكون معدل الطالبة 80% للحفاظ على المستوى الجيد للمدرسة، ولدينا مختبرات علمية مزودة بكل الأجهزة الحديثة، كما لدينا مختبر للحاسوب ومكتبة للكتب، وتعمل في المدرسة 27 مدرسة من أكفأ المدرسات في العراق من المتقاعدات اللواتي يمتلكن الخبرة الجيدة إضافة الى الكوادر الأخرى، وقد عرفت مدرستنا بالانضباط ونهتم بالطالبة ونعاملها بكل محبة واحترام، ونعمل جاهدين على تحقيق التوازن بين العلم والتربية والدراسة الممتازة فقد حققنا نسبة نجاح للدراسة المتوسطة (البكالوريا ) بلغت 100%، وكانت الطالبة الأولى على بغداد في بكالوريا الدراسة المتوسطة ، من مدرستنا ذلك لأننا نهتم كثيرا بسير الدراسة وفق آخر المستجدات في عالم التربية والتعليم ووفق النظريات الحديثة بحيث لا نضغط على الطالبة كما لا نسمح لها بالتقاعس، وعن ظاهرة ازدياد المدارس الحكومية رغم أسعارها المرتفعة أشارت الست أحلام إلى أن الدافع الحقيقي وراء انتشار المدارس الأهلية هو انضباط المدارس الأهلية وحرص المدرسات والمعلمات فيها ، كما أن العائلة العراقية صارت تجد في التدريس الأهلي ضالتها في الحفاظ على مستوى جيد للأبناء.