دروس مستنبطة من الحرب الطائفية فـي العراق (2006 – 2007) وكيفية استخدامها فـي…

الوسوم:
675 مشاهدة

دروس مستنبطة من الحرب الطائفية فـي العراق (2006 – 2007) وكيفية استخدامها فـي منع حدوث الفتنة الطائفية فـي المستقبل

ان أسباب الحرب الطائفية في العراق في 2006 – 2007 متميزة، وكذلك الحلول التي استخدمت في اطفائها. وهذه الأسباب والحلول (الدروس) لا يمكن أن تستنسخ وتستخدم في مناطق ساخنة أخرى من العالم.

ولكن الدروس المستفادة تظهر من النجاحات وكذلك الاخفاقات التي واجهتنا في سنوات المحنة. وهذه الدروس يمكن الافادة منها في مناطق النزاعات الأخرى من العالم مع الحفاظ على خصوصية كل بلد وكل نزاع ديني أو طائفي أو عرقي أو سياسي أو قبلي.

هذه الورقة تطرح الدروس التي تعلمتها أنا، شخصيا، وليس بالضرورة تلك التي تعلمها اخواني الذين شاركوني في المسؤولية في تلك الحقبة الزمنية الصعبة.

الدرس الأول

لا يوجد حل أمني – عسكري مطلقا منفردا ولوحده لأي تمرد أو نزاع طائفي.

وكما قال لي أحد القادة العسكريين: “سيدي إن هذا ليس عمل الجيش ولا الشرطة لوحدهم”.

في نهاية المطاف فان جذر النزاع أو التمرد كان جذرا سياسيا (مصالح) أي أن مجموعة أو شريحة أو مكونا بشريا فقد السلطة والثروة والجاه وبدأ يقاتل لاستعادتها، فاذا كان جذر المشكلة سياسيا فلابد أن يكون الحل سياسيا.

إن هذا لا يعني أن الاجراءات الأمنية لا مكان لها في تحسين فرص الحل السياسي، ولكن لوحدها تفقد المشكلة وتجذرها وتعمقها. إن للاجراءات الأمنية دور أساسي ولكن ليس محوريا، لأنه من دون اجراءات أمنية ضد التمرد سوف يجد المتمردون مناخات سهلة لعملهم ويسهل عليهم التحرك والتنفيذ، وكذلك لا يكون لديهم النية للاتجاه نحو الحل السياسي، ويتشجعون، لا بل يندفعون، لاتخاذ قرارات صعبة ويتنازلون عن مواقف مسبقة لصالح العمل والحل السياسي. ولكن الاجراءات الأمنية لوحدها تجعل المقاتلين والمتمردين وتدفعهم الى القتال حتى آخر رجل لديهم. فينبغي اعطاؤهم طريق الخروج السياسي الى السلام.

لقد كان لدى قواتنا المسلحة القدرة العسكرية والأمنية لاحتواء المتمردين والمقاتلين في مناطقهم، ولكن لا توجد قوة مهما بلغت تتمكن من استئصالهم عن بكرة أبيهم. الحقيقة ان الذي دفع المقاتلين الى انهاء القتال هو اننا وفرنا لهم فرصة العودة الى العمل السياسي وفتحنا الباب أمام عشرات الآلاف منهم للتطوع في قواتنا الأمنية والعودة بالآخرين الى وظائفهم في الدولة والمجتمع المدني والعشائر.

ويعتقد البعض أننا كان ينبغي أن نجهز عليهم تماما ونخلص البلاد والعباد من شرورهم، ولكن هؤلاء ينسون أن مكونا أساسيا من مكونات شعبنا كان يوفر لهم الغطاء ويمدهم بالدعم اللوجستي والفتاوى الدينية والمال والمقاتلين. وهؤلاء “البعض” أسميهم بالمصابين بمرض “وهم الحل الأمني”.

إن أصحاب الحل الأمني يأتون بمثل ما حدث في سريلانكا عندما هزم الجيش ثوار نمور التاميل واختفت حركتهم “الى الأبد” ولكنهم أغفلوا حقيقتين:

الأولى؛ إن رئيس النمور ارتكب خطأ جسيما وهو أنه واجه الجيش بطريقة الحرب النظامية وهذا خطأ قاتل كلفه أن يخسر كل الحرب.

والثانية؛ إن الحكومة السريلانكية ومباشرة بعد هزيمة النمور أقدمت على حلول سياسية واجراءات وخدمات، وأعطت حقوقا للأقلية التي كانت تحارب الحكومة ورفعت جميع المظالم التي كانت تمارس ضد ثوار نمور التاميل.

الدرس الثاني

إن الحوار السياسي مع المقاتلين ينبغي أن يتزامن مع الاجراءات الأمنية ضدهم.

أي لا ينبغي أن نطالب المقاتلين بايقاف القتال ثم نبدأ الحوار السياسي. بمعنى آخر ان السياسة والأمن يسيران بجدول زمني واحد. فكان انفتاحا سياسيا مع جبهة التوافق في حينها، وفي الوقت نفسه استخدام الاجراءات الأمنية، ومن أهمها اختراق المجاميع المسلحة. ولكن مع الأسف تأخرنا بالحديث والانفتاح على المجاميع المسلحة حتى أواخر 2007 وبدايات 2008. إن من المشاكل التي كانت تدور في حينها داخل نقاشاتنا؛ هي ؛ هل نشترط توقف عمليات العنف التي كانت تمارسها المجاميع المسلحة أولا ثم ندخل في حوار سياسي أم ندخل في حوار سياسي وجزء من أجندة الحوار السياسي هو وقف النار وتسليم السلاح؟ وهذه مشكلة عويصة لأن الحكومة لا يمكن أن ترى من قبل شعبها أنها تحاور “الارهابيين” وهم في الوقت نفسه يقتلون أبناء الشعب. والتحدي الأكبر هو كيف يمكن اقناع المكون العربي السني الذي يوفر المناخ السياسي والدعم اللوجستي لهم؟ ان هذا المكون يمكن أن يحقق أهدافه التي يريدها من خلال صناديق الاقتراع، وهي أقل تكلفة له من استخدام العنف والسلاح. وهذا ما تم عبر اجراءات عديدة منها المؤتمرات الدينية والسياسية والعشائرية والمهنية ومؤسسات المجتمع المدني، وكذلك مؤتمرات اقليمية ودولية في مكة والقاهرة وهلسنكي وغيرها.

كيف يمكن أن نقنع المقاتلين في طرح سلاحهم؟

من خلال طريقتين:

1 – أن نجفف منابع الدعم المالي واللوجستي والسياسي والديني والبشري من خلال الحل السياسي للمكون العربي السني.

2 – أن يقتنع المقاتل بأن الاستمرار في طريق العنف يكلفه الكثير ولديه اختيار صناديق الاقتراع الذي يحقق له نفس أهدافه ولكن بكلفة بشرية ومادية أقل.

وقد جرى التواصل مع المجاميع المسلحة، في تلك الفترة، بسرية تامة. ولو افترضنا أن هذه المفاوضات تسربت الى الرأي العام لحدث هياج شعبي كبير جدا، لأن الحكومة تتفاوض مع مقاتلين يواصلون قتل الشعب، ولأعاق هذا الهياج الشعبي كلا العملين الأمني والسياسي، وأخر عملية الوصول الى السلام لأشهر عديدة، لا بل لسنوات، ولذهبت أرواح بريئة من جراء التأخير.

وكان التواصل مع هذه المجاميع ليس بشكل مباشر، وانما كان عبر وسطاء غير مباشرين، إذ لو انكشف فان ضرره سيكون محدودا.

وهنا يتهم بعضهم الحكومة بأنها استخدمت بعض الأساليب للترضية من خلال الحديث مع المقاتلين والمتمردين. ان ذلك خطأ كبير تصوره بعضهم.

ان الحكومة لم تعط المتمردين أي شيء للترضية، وكانت تتحدث مهم عبر وسطاء ولكننا لم نصدق أي شيء من وعودهم ولم نتنازل عن أي مصلحة لهم. لم نوافق على أي مطلب من مطالبهم. صحيح لو أن الحكومة أعطتهم أيا من مطالبهم تحت التهديد يكون ذلك ترضية، ولكن الحديث مع المتمردين لا يعني الموافقة على أعمالهم الاجرامية وقبولها، ولا يعني أننا أعطيناهم الشرعية كما يدعي بعضهم.

تحدثنا مع المتمردين ولكن لم نعطهم حكم العراق كما كانوا يطمحون للعودة الى حكمه، ولكننا “أجبرناهم” أو “أقنعناهم” بقبول صناديق الانتخابات فيصلا بين مكونات الشعب العراقي، والدخول في العملية السياسية، والاعتماد على الأساليب السلمية في تحقيق الأهداف التي كانوا يتبنونها والقبول بحكم الأغلبية.

صحيح ان الحديث مع المتمردين في بعض الأحيان يعطيهم الشرعية أمام ناخبيهم أو يعطيهم انطباعا خاطئا أن الحكومة ضعيفة وتتودد لهم، وبذلك يرفعون سقف مطالبهم، ولكن ذلك لم يحدث إلا في مقتبل 2013 في الفلوجة عندما رفع بعضهم الغاء العملية السياسية والدستور والقوانين الصادرة من مجلس النواب مثل المساءلة والعدالة وقانون مكافحة الارهاب أو المادة الرابعة فيه وهذه لها أسبابها الخاصة بها.

الدرس الثالث

المتمردون لايستسلمون

في البداية كنا نطالبهم بالاستسلام، ولكن بعدها قلنا انه يمكن للمتمردين أن يعودوا الى صفوف القوات المسلحة ويحمون مناطقهم من الارهاب، وبعضهم الآخر يعود الى الدولة كموظفين مدنيين، ولم نلح على الاستسلام وتسليم السلاح، لأن ذلك يعد اهانة وسوف يرفض نفسيا، فكانت الصحوة، ثم أبناء العراق، ثم جنود وضباط في الجيش العراقي.

كان المتمردون بحاجة الى ذريعة وسبب وجيه يعطونه الى قواعدهم التي كانت تدعمهم، وهذا السبب ينبغي أن يكون مقنعا، وكان ذلك انهم أصبحوا مسؤولين عن حماية مناطقهم من الارهاب. وعلى هذا لا ينبغي على المفاوض مع المتمردين أن يضع شروطا مسبقة قبل بدء الحوار.

الدرس الرابع

هناك كثير من الظروف التي ينبغي توافرها قبل بدء النقاش أو الحوار أو حتى التفاوض مع المتمردين، وذلك من أجل أن تنجح المفاوضات.

وأهم هذه الظروف هي: ان الطرفين ينبغي أن يتوصلا الى قناعة راسخة أنه لا يمكن لأي منهما أن ينتصر في هذه المواجهة عن طريق الحل الأمني. واذا لم يعتقد أحد الطرفين اعتقادا جازما ولديه شك في هذه الحقيقة فسوف يتفاوض مع الطرف الآخر من أجل أن يكسب جولات تعبوية (تكتيكية) ويحصل على منافع على الأرض أو سياسية، وسوف تفشل المفاوضات لا محال.

عندما حاول المتمردون في 2003 – 2006 بكل الطرق اسقاط التجربة الفتية في العراق، ولم يكن في العراق جيشا بالمعنى الذي نراه الآن ولا مكافحة ارهاب أو أجهزة أمنية واستخباراتية، فشل المتمردون، ووصلوا الى قناعة في أواخر 2007 أن طريق العنف مسدود فلابد من سلوك طرق أخرى لتحقيق مآربهم.

الدرس الخامس

لابد من وجود قيادات سياسية فاعلة ومؤثرة لدى المتمردين تمثلهم وتتحدث باسمهم.

وهنا كانت جبهة التوافق هي الجناح السياسي للتمرد العسكري في المناطق الغربية، وهذه القيادة للمتمردين ينبغي أن يكون لديها الاستعداد لأخذ المخاطرة في التفاوض نيابة عن المتمردين. ولابد من القول انه من دون وجود قيادات سياسية قوية وممثلة حقيقية للمتمردين فلا يمكن أن يتحقق سلام و”نزع سلاح”.

وأكثر من ذلك لابد أن يتوافر زخم سياسي يدفع الممثلين السياسيين للمتمردين الى أن يخاطروا في مستقبلهم السياسي ويحصلوا على مصالح سياسية لناخبيهم. ولكن في حزيران 2007 عندما شعر التوافق أنه يخسر شارعه انسحب من الحكومة والبرلمان وتوقف الزخم السياسي وأصيبت العملية بنكسة مؤقتة بعدها عاد التوافق الى ما كان عليه سابقا.

وبشكل عام لابد من وجود شخص أو أشخاص يؤمنون حقا وصدقا بالمصالحة الوطنية، وهم مستعدون للتضحية بمستقبلهم السياسي من أجل الوصول الى نتائج ايجابية لصالح العملية السياسية.

الدرس السادس

تحقيق السلام هو عملية صيرورة مستمرة وتطويرية وتراكمية وسياق مستمر وليس حدثا واحدا يسجله التاريخ وينتهي فيه.

وهذه العملية المستمرة يجب أن يتزامن معها أمل في الوصول الى حل، وكذلك أن تستمر الأطراف في التباحث ولا تغلق الأبواب أمام المتمردين، ويتم وضعهم أمام خيار القتال أو الموت أو الاستسلام.

إن ابقاء عملية التفاوض مستمرة تبقي الأطراف مشغولة وتبقي شعلة الأمل مضاءة لوجود حل في المستقبل، ولا يحدث الفراغ الذي يضاعف العنف، أو يتدهور الوضع الأمني بسبب الفراغ السياسي. وابقاء عملية الحوار مفتوحة يساعد على ادارة الأزمة حتى لو لم يتم التوصل الى حلها. أي ابقاء الضوء مشتعلا ووقادا بالتوصل الى حل حتى لو لم يكن هناك نفق مشخص ومحدد المعالم.

ان التحدي الذي كان يواجه ابقاء العملية مستمرة هو الاستقطاب الطائفي الذي كان يخدم الطائفيين من الجهتين، حيث يرفع منسوب دعمهم الشعبي في داخل المكونات التي يتحدثون باسمها.

الدرس السابع

هناك دور أساسي لطرف ثالث يمكن أن يلعبه سواء في التنظير أو التنفيذ أو في المفاوضات.

لقد رفضت الحكومة العراقية تدخل أي طرف أجنبي بينها وبين المتمردين، ولكنها أخيرا وافقت على أن تقبل، ولو على مضض، بدور قوات الاحتلال الاميركي التي كانت لها حرية أكبر في التحرك السياسي والميداني للدخول في مفاوضات مع المتمردين، وكانت قوات الاحتلال عاملا “مساعدا” وبعض الاحيان “ضاغطا” لقبول بعض الحلول الوسطية. وكذلك لعب الاحتلال دور “الحكم” في بعض أطوار لعبة “جر الحبل” الأمني والسياسي. وقد وجدت بعض المجاميع المسلحة والمتمردين أسهل عليهم أن يسلموا أسلحتهم للجانب الأميركي بدل الجانب العراقي. وكذلك أعطى الجانب الأميركي بعض التطمينات الى المتمردين، وعلى هذا الأساس نرى بعض أبناء الصحوات وقد أصابهم قلق وشعور بعدم الأمان عند مغادرة قوات الاحتلال نهاية 2011.

الدرس الثامن

إن الاعلان عن الاتفاقات بين الحكومة والمتمردين هي بداية وليس نهاية عملية السلام.

إن الوصول الى اتفاق لا يعني تطبيقه. ويمكن أن يتم التوصل الى اتفاق ونحتاج الى أسابيع أو أشهر لتطبيقه. فاذا صرفنا جهدا كبيرا من أجل الوصول الى اتفاق فان الحكمة تقتضي أن نضاعف الجهد أضعافا مضاعفة من أجل تطبيق الاتفاق، وإلا فسوف تسقط مصداقية الطرفين. فينبغي ألا نصاب بوهم أن العملية انتهت بالتوصل الى اتفاق نظري، ولكن ينبغي أن نبدأ من هناك ونقنع الأطراف الأخرى بالتنفيذ وخاصة القوى الأمنية.

الدرس التاسع

من أجل التوصل الى اتفاق ناجح وفاعل ومستدام لابد لكلا الطرفين أن يتنازل عن مبدأ أنا الرابح وهو الخاسر، وينبغي أن نبحث عن حل أنا الرابح وهو الرابح والمهم هو كيف يرى المكون الذي يمثله كل طرف هذا العمل.

ومن أصعب المهام وأكثرها تعقيدا هي عملية تسويق الصحوات الى المكون الشيعي بعد المجازر الفظيعة التي نالت منه ومئات الارواح البريئة التي أزهقت. ولكن ساعد على ذلك ان الحكومة أبعدت نفسها اعلاميا عن المصالحة “مع من تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي”. بعدها بدأنا بتسويق مبدأ العدالة الانتقالية ومبدأ “تزاحم المصالح” وغيرها.

الدرس العاشر

لا يوجد نزاع في الدنيا مهما طال أمده أو تعمقت أسبابه وجذوره ومهما كان دمويا لا يمكن حله والوصول الى توافق بين أطرافه من خلال تفكيك المشكلة الكبيرة الى مشاكل صغيرة وتوفير الحل لهذه المشاكل الصغيرة واحدة تلو الأخرى.

وهذا يصدق على الخلاف بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان وكذلك بين الحكومة الاتحادية والمنطقة الغربية.

هذه بعض الدروس المستقاة من أقصر حرب أهلية في التأريخ المعاصر والتي دامت 18 شهرا، بعكس الحروب الأهلية الأخرى في المناطق المختلفة من العالم التي تتراوح مددها بين 8 أعوام و11 عاما.

وقد كتبت هذه الدروس على عجالة، وكنت أرغب أن أدرسها بشكل أعمق وأوسع من أجل أن نستخدمها في المناعة والحصانة من الوقوع في حرب أهلية أخرى.

* مستشار الامن القومي السابق