ظاهرة خفاء القبور الجزء الأول . ..

الوسوم:
4 مشاهدة

إلى سيدتي فاطمة الزهراء سلام الله عليها بمناسبة شهادتها اهدي هذا البحث ، وهو من اربع اجزاء ومع ذلك اقول : هذا قليل بحقها .

(( ولأي الأمورِ تُدفن ليلاً ــ بضعة المصطفى ويُعفى ثراها)) .
.
مصطفى الهادي
ليس قبر الزهراء ( عليها السلام ) ، وحده الذي خفي عن الناس : فكثير من قبور الأنبياء والأولياء والصالحين ، قد أخفاها المخلصون من شيعتهم وأتباعهم خوفا عليها من أن تمتد إليها أيدي الظلمة بالهتك والنبش ، لما جبل عليه أولئك الأعداء من خسة وسفالة وضعة ، قد تدفعهم إلى الانتقام من صاحب القبر خوفا منه في حياته وبعد مماته ، وخوفهم الأعظم ، ناشئ من أن يصبح هذا القبر منارا يهتدي به الثائرون ونبراسا يضئ ليل المظلومين ،
فيعمد هؤلاء إلى نبشه للاطمئنان من وجوده في القبر والتأكد من موته ، ويستريح بالهم ، ومن ثم إضاعة معالمه لكي لا يبقى أثرا يذكّر الأجيال بهدى صاحب القبر وسيرته العاطرة المليئة بالجهاد والتضحية .
إن ظاهرة إخفاء القبور أو نبشها ، أو إخفاء الناس أحياء في قبور وأقبية أعدوها ، وخصوصا للذين يحملون فكرا يتهدد أصحاب الكراسي والمقامات ، تعكس مدى الحالة النفسية المتردية التي يعاني منها هؤلاء الحكام ، والخوف الذي يستشعرونه من ميت يرقد تحت أطنان من التراب .
فهؤلاء يعيشون حالة الوعي التامة عندما يقومون بذلك لأنهم يعلمون أن القبر وصاحبه لا يضران أو ينفعان ولكن الإشعاع الفكري الذي كان يحمله صاحب القبر، أو الانتماء الرفيع لنسب معين ، مع الشعور بالنقص والوضاعة من قبل هؤلاء الحكام هو الذي يشعرهم بالخوف ويقض مضاجعهم ، مما يدفعهم إلى ارتكاب كل ما من شأنه أن يهتك حرمات هؤلاء أحياء أو أمواتا .
علم الناس بوضاعة هؤلاء الحكام والخوف منهم على قبور قادتهم ، يدفع هؤلاء القادة إلى الوصية إلى أتباعهم بأن يقوموا بإخفاء قبورهم إلى حين ارتفاع الأسباب ، ومن ثم الإعلان عنها ، ليتخذ منها الناس رمزا يذكرهم بما كان عليه صاحب القبر .
والناس على قسمين في ذلك .
القسم الأول : وهم الطغاة.
قام هؤلاء بإخفاء قبور بعض قادتهم ورموزهم – ولربما بوصية من الطاغية – خوفا من أن يقوم المظلومون فيما بعد وفي ثورة غضب عارمة بنبش قبر هذا الطاغية ، لينالوا منه ويشفون غليلهم منه بعد أن عجزوا عنه في حياته ،
ومن ذلك ما حدث من إخفاء قبر الشيخين تحت ظل قبر صاحب الرسالة والتستر به ، لئلا تهتك الأجيال قبورهما وتمثل بهما أمواتا ، لما أحدثوه في الإسلام من عظائم ،ولما أسسوه من مظالم ، وما أحدثوه بعد النبي (ص) من أحكام جائرة بقي المسلمون يعانون من آثارها إلى يوم الناس هذا .
والدليل على ذلك ، هو صاحبهم الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، فقد قتله المسلمون ، وألقوه في مقبرة لليهود ، تنهش جيفته الكلاب والوحوش الضارية ، وقد عمد أصحابه إلى جثته ليلا فدفنوها سرا وأخفوا القبر بعناية بالغة فبقى هذا القبر مجهولا لا يعرف له مكان . ولولا وجود قبور صاحبيه بجوار قبر صاحب الرسالة ، لأندفع الناس إليهما ونبشوهما وفعلوا بهما ما فعلوه بعثمان .
جاء الأمويون وانتقاما من الذين أدخلوهم الإسلام عنوة ، عمدوا إلى نبش قبور شهداء بدر وأحد ، وذلك بأمر زعيمهم معاوية بن أبي سفيان ثم حوّل معاوية مجاري الماء على مقابر الشهداء ليمحوا بذلك آثارهم ، ثم أختلق الأمويون أسطورة مفادها أن أحد الناس رأى أخيه الشهيد في المنام وهو يشكوا الماء الذي ملأ قبره فأمر معاوية بنقل قبور الشهداء إلى أماكن أخرى ، فتم توزيع القبور على القبائل والبيوتات وإضاعة معالمها .
واليوم أكمل الوهابيون ما بدأ به الأمويون فقاموا بمد الطرق والساحات العامة فوق أكثر الآثار الإسلامية لإضاعة معالمها ، وخصوصا شهداء بدر واحد … الخ
ثم جاء من بعدهم العباسيون ، فقاموا بنبش قبور بني أمية وأخرجوا من وجدوه منهم فجلدوه ثم أحرقوه وذروا رمادهم في الهواء ومسحوا قبورهم من على وجه الأرض ، وجعلوها طرقا عامة تطأها العامة وتسير فوقها السابلة وذلك استرضاء لعامة الناس الموتورين من بني أمية الذين قتلوا آل بيت رسول الله (ص) وزرعوا الفتنة والفرقة بين المسلمين .
ولما كان العباسيون يعلمون بهذه الظاهرة وأنهم هم أنفسهم قد مارسوها ضد قبور أعدائهم ، وانهم بدءوا يسيرون بنفس سيرة بني أمية في ظلم الناس وغمطهم لحقوقهم وعلى رأس هؤلاء آل بيت رسول الله (ص) . أمر العباسيون بإخفاء قبورهم والتمويه عليها ، ومن هنا فأن الغالبية العظمى من قبور ملوك بني العباس لا يعرف أحد مكانها ، وكل ما تنقله كتب التاريخ لنا من أن فلان دفن بظاهر الكوفة أو دفن فلان في مقابر المسلمين أو مقابر قريش … الخ
ولعل أشهر من بقي من قبور ملوكهم هو قبر هارون الرشيد في خراسان الذي يلوذ مختفيا تحت ظل قبر حفيد صاحب الرسالة الأمام الهمام علي بن موسى الرضا (ع) ، وقد قام بوضع خطة إخفاءه بهذه الصورة الذكية ولده المأمون ، حيث أمر أن يدفن الإمام الرضا بعد أن قتله مسموما بجوار أبيه هارون الرشيد حفاظا عليه من الهتك والنبش .
والدليل على ذلك أن السب والشتم لاحق الرشيد وهو في قبره كما جاء قي قصيدة دعبل الخزاعي ، عندما أمره المأمون أن يقرأها بعد أن أعطاه الأمان فقرأ إلى أن وصل إلى قوله :
قبران بطوس خير الناس كلهم ــــ وقــبر شرهــم هــذا من العـبر
لاينفع الرجس من قرب الزكي ـــــ وما على الزكي بقرب الرجس من ضرر
انتهى الجزء الأول. ويليه الجزء الثاني .

مصطفى الهادي