هل بدأ الربيع العربي في العراق؟


4 مشاهدة
عندما نعود بالتاريخ قليلاً في مطلع العقد الثاني من الألفية الثانية وعلى وجه التحديد في اليمن عام 2011م، وفي سوريا وبعض الدول العربية الإسلامية في الشرق الأوسط التي بُليت بالربيع العربي قبل التاريخ اعلاه، نجد أنّ الأحداث الربيعة لم تحقق منعطفاً ايجابياً على الصعيد الحضاري لتلك البلدان، بل جرت الويلات والفوضى وقُدمت القرابين الثائرة على مذبح الخراب والفتن، ليصل الأمر ببعض الأمم أن شعوبها تتحارب لهذه الساعة تحت مسمى الثورة، والحق، والإسلام، والعروبة، والشهادة، والإنسانية، والقيم، والوطن، كل ذلك ليزهر ربيعها دماً، وحقداً، وفساداً، وخراباً مضيّعة الحدود لتلك القيم والاوطان وتُخلط الأوراق جميعها وتُضبب رؤية المشهد السياسي لدرجة أن المتقاتلين جميعهم يهتفون بهتاف واحد وأهداف وشعارات واحدة من دون معرفة من يستحق أن يحمل تلك الشعارات ويدافع عن أهدافها.
كان وراء مواسم الربيع تلك، حركات ومكونات حزبية تدفعها تلك المقولات والمفاهيم آنفة الذكر كما كان وراؤها أيضاً شباباً صادقين مشّبعين بحب الخير فضلاً عما يكتنزونه من معارف وأفكار تدفع بهم للتغير والإصلاح، لكنهم نسوا أن حدودنا الوطنية والمعرفية مهتوكة لقوى الشر ومفتوحة أبوابها إليهم لدرجة بإمكانهم أن يديرون الساحة متى يشاؤون ويشعلون فتيل الحرب في الوقت الذي يختارون من دون أن يلتفت الشارع نفسه فضلاً عن بعض قياداته التي تدرك بعض منها حقيقة اللعبة في حين يجهلها آخرون.
الكل استقرأ أن هناك ضريبة سيدفعها الشارع العراقي ما بعد داعش أو قل بعد غلقه ملف داعش في العراق خاصة، بلحاظ أن غلق هذا الملف كان خارج إرادة القوى المتآمرة على العراق التي اجهض مخططاتها رجل مسن يمكث في زقاق بسيط في النجف هناك، كان من ورائه رجال صدقوا مع انفسهم وصدقوا مع الآخرين في تلبية نداء القيم، بيد أن الأمر يستحق ـ من وجهة نظر المتآمرين ـ أن لا أحد قادر على قلب الطاولة على جالسيها، وإن حدثت فلابد أن تقام مرة أخرى.
من هنا نلفت عناية الصادقين من الساسة والمخلصين منهم وشارعنا الأبي الذي لم يبخل بشيء إلا وقدمه قرباناً للقيم أن يلتفتوا إلى ما هو قادم من مشاهد وأحداث، فالخشية كل الخشية أن تكون الاحداث الأخيرة في ساحة التحرير والدماء الزكية التي سيلت في بغداد وجرح عدد ليس بالقليل الزيت الذي يشعل به فتيل الربيع العراقي الجديد، أو أن تكون تلك الدماء تسقي ربيعاً يزهر دماراً، وحرماناً، ووطناً، ممزقاً، واشلاءً من مفاهيم مبعثرة هنا وهناك.

د . طلال فائق الكمالي