التفكير ودوره في صناعة عقلية الخطيب الرسالي

الوسوم:
50 مشاهدة

تقوم الخطابة الحسينية على مرتكزات واسس كثيرة , فهناك مرتكزالمواهب مثل الصوت ومقبولية الخلقة وسلامة اللسان … , وهناك مرتكز المظهرالخارجي والتجمل والوقار… وهناك الاساس الديني والروحي وما يرتبط به من اخلاص وتقوى …  وهناك الاساس المعرفي من حفظ وتذكر وبحث وتراكمية علمية … . وما يهمنا في هذا البحث هو تسليط الضوء على الجانب الاخير وهو الاساس المعرفي .
     ويمكن ان نلاحظ بعديين رئيسيين يقوم عليهما الاساس المعرفي في الخطابة وهما : المحتوى العلمي  , والنشاط العقلي , والبحث ينصب بشكل رئيسي على البعد الثاني لكننا نمر سريعا على البعد الاول ثم ندخل في البعد الثاني .
 البعد الاول : المحتوى العلمي :
    ونعني به كل مجال علمي يشكل مقدمة للعمل الخطابي او اي مادة ثقافية و فكرية يروم الخطيب طرحها على المنبر من اية او حديث او قصة … , فالجهد العلمي هو حصيلة تراكمية تتفاعل مع الاعداد للمحاضرة وتنعكس افاقها عليه , والخطيب الذي يمتلك قاعدة واسعة ومطالعات معمقة ومتنوعة هو الذي يؤثر وهو الذي يستطيع ان يرسم الخطوط التي تلامس الواقع وترفع من مستواه , والسبب في ذلك ان التعلم – وفقا لأحدث النظريات المعرفية – لا يمثل زيادة كمية في المعلومات فقط  وانما يمثل تغييرا في البنية العقلية المعرفية بشكل عام , فالبناء المعرفي يقوم على اساس هرمي , وان عملية التعلم هي عملية دمج للخبرات والمعلومات السابقة مع الجديدة في ذلك البناء ,  وهذا الثراء وتوسع الهرم المعرفي يزيد من فاعلية توليد الافكار الخلاقة والابداعية  .
   وعلى هذا الاساس نفهم كيف ان التراكمية المعرفية لها دور في صياغة الطرح المنبري, فالخطيب في مرحلة تعلمه ودراسته ومطالعاته المنهجية هو في واقعه في دور اعداد للمحاضرة لكنه اعداد يتسم بالبعد الزمني والشمولية وايجاد المناخ العلمي في داخل بناءه المعرفي , اما في مرحلة التحضير للمحاضرة المخصوصة هو في دور دمج للتراكمية المعرفية مع المضمون المعد , ومن هنا نفهم سر نجاح وتأثير وبقاء الخطاب الواعي لدى بعض الشخصيات الخطابية , كما يظهر وهن مقولة اعتماد الخطاب المنبري على مرحلة الاعداد القريب والمباشر فقط وانه يكفيه لكي يكون خطيبا ان يجيد اعداد محاضرة مع دراسة مقدمات العلوم الاولية التي يحتاجها !!
 و هذا الطرح قد يكون له مبرراته الواقعية ويغطي جانبا من جوانب الفراغ المنبري , لكن حصر مجال المنبر في هذه الدائرة الضيقة هو تسطيح لمضمونه , كما ان الانظار ترنو الى خطيب يمثل الطموح ويعكس الصورة الاصيلة التي تنسجم مع صرح مدرسة اهل البيت عليهم السلام .
البعد الثاني : النشاط العقلي
   ان هذا البعد يمثل الجهد الفكري الذي يبذله الخطيب من اجل معالجة المعلومات وصياغتها بالنحو الذي ينسجم مع الاهداف التي يرمي الى تحقيقها , وبكلمة اكثر وضوحا ان النشاط العقلي يمثل التفكير والمعالجة الذهنية للمعلومات ,فأننا من خلال التفكير نستطيع  ان نستذكر ونحفظ ونستدل وننظم الافكار ونفهم ونقيم وهكذا . وحتى يكون البحث اكثر منهجية ينبغي لنا ان نحدد معنى التفكير ,وما هو المعنى الدقيق والعلمي للتفكير ؟  وقبل ان نجيب على هذا التساؤل لابد لنا ان نعرف ان بحث التفكير تكفلت به علوم متعددة وتناولته حقول مختلفة فقد تناولته الطروحات الفلسفية وبينت تعريفات له , كما انه ميدان لعلم النفس المعرفي وعلم النفس الفسلجي , واخيرا انفرد هو والابداع بفرع مستقل سمي بعلم نفس التفكير والابداع , كما ان البحوث التربوية افردت له مطالب خاصة .