ترامب.. الدبلوماسية والحوار، ام القوة لفرض “السلام”

الوسوم:
3 مشاهدة

التصريحات خطاب.. والخطاب جزء من السياسة، والسياسة أكثرها اخفاء نقيض ما تعلن.. يقول تشرشل: “في زمن الحرب تصبح الحقيقة عزيزة تماماً ويجب حمايتها بالاكاذيب”. ستكون تصريحات “ترامب” اكثر وضوحاً، اذا ما ازاح المرء القشرة من الخطاب والمناورات الميدانية. فهناك حقيقتان تتعلق باية دولة عظمى.. فهي ركيكة وهشة من جانب وقوية وجبارة من جانب اخر. هشة تاريخياً، وقوية مرحلياً. قال “ماوتسي تونغ”، الامبريالية “نمر من ورق”، وهذه رؤية تاريخية.. ورد السوفيات يومها “لكنه نمر من ورق بمخالب نووية”. وهذه رؤية مرحلية، اقلقتهم، فانسحبوا عن مشروع نصب الصواريخ في كوبا (1962) امام تهديد الرئيس “كندي” النووي.

سيرتبك من يقف عند التصريحات وتحولاتها المتكررة وسيكون له في كل يوم استنتاج.. اما من يلتصق بالوقائع فقد يقترب من التقديرات الصائبة. سيبدو “ترامب” واضحاً في مواقفه وسلوكياته، كما كان واضحاً في حملته الانتخابية. فالهدف الفوز بالانتخابات عبر حشد المخاوف والمتخوفين والمترددين. والهدف الان (بعد الفوز) إعادة الولايات المتحدة لقوتها كدولة عظمى تتفرد بقيادة العالم، تفرض ارادتها على اوروبا والصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية والشرق الاوسط.. وتقدم الاقتصاد الامريكي ليبقى الاول عالمياً واضعاف منافسيه.. والحد من الهجرة وتوفير فرص العمل للامريكان.. ومحاربة الارهاب و”داعش”، وتوفير الامن للولايات المتحدة واسرائيل. وهذه ملفات متناقضة بطبيعتها.. فمحاربة الارهاب لا يكون دون التعاون مع روسيا وايران والدول الاسلامية واوروبا، الخ.. وتحسين الاقتصاد الامريكي لا يكون بابطاء نمو معدلات نمو الاقتصاد العالمي، الخ. لذلك تتناقض المواقف وتختلف من يوم لآخر. فالود مع الروس تلاشى الى خصومة.. واولوية محاربة “داعش”، تحولت الى 59 صاروخ لتدمير الطيران السوري احد العناصر المهمة لمحاربة الارهاب. والغزل مع كوريا الشمالية في الانتخابات تحول لتسيير اضخم “ارمادا” لتأديب “بينغ يونغ”.. والمواقف العدائية من السعودية والخليج والعراق بعدم تحملها نفقات الحرب تحولت الى وعود ودعم ظهر من خلال زيارة كبار مسؤولي هذه البلدان لواشنطن.

فالنظرة الواقعية والموضوعية تشير لتراجع دور الولايات المتحدة من دولة عظمى الى دولة كبرى.. والسبب الرئيس ليس سياسة الرؤساء الامريكيين السابقين، بل بسبب الارهاق والتفكك من لعب دور الشرطي العالمي، كما حصل في “فيتنام” و”افغانستان” و”لبنان” و”العراق”، الخ، وبسبب نهوض الامم والدول الاخرى اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وهذه امور يصعب تغيير مسارات التاريخ فيها عبر التهديدات او عبر “الارمادا” الضخمة للسفن الامريكية المتوجهة لشبه الجزيرة الكورية.. و”الارمادا” هو اسم الحملة الاسبانية البحرية الكبرى باكثر من 130 سفينة عام 1588 لغزو انكلترا، والتي بفشلها تراجع دور اسبانيا كدولة عظمى انذاك. قد لا نصل لمرحلة الغزو وانطلاق الصواريخ.. لكن اذا ما انطلقت فسيخرج الجميع خاسرين. فكما دمرت الحرب العالمية الثانية بريطانيا وارجعتها للصف الثاني رغم انتصارها في الحرب، فان اي حرب جديدة ستعمق ازمة الزعامة الامريكية العالمية وترهقها وتكلفها وتدفع بها الى الوراء، وهذا ما يناقض الخطاب السياسي للرئيس “ترامب”.

فاز “ترامب” بالانتخابات بحشد الناقمين والمترددين والحالمين بالايام الخوالي.. وقد يسعى “ترامب” رئيساً لاعادة تطبيق نهجه الانتخابي. فقراره العجول لقصف مطار “الشعيرات”، ودون تحقيق وغطاء شرعي، هو استثمار سهل الثمن، مأمون الجانب لعدم توقع الرد. فوحد قوى داخلية وخارجية واسعة كانت مترددة او معارضة او حالمة، كل حسب هدفه. شعوره بالنجاح قد يدفعه للضغط من موقع القوة والفعل على اوروبا وروسيا وكوريا الشمالية والصين وايران ودول الشرق الاوسط وغيرهم. وهذ كله سلوك واضح، لن يربكه الا الانزلاق فعلاً باعمال اكبر من التصريحات والعمليات المحدودة والمحسوبة. فان تجاوزتها لخطأ في الحسابات او لاوهام فستكون المآلات واضحة وخطيرة. فلا حل سوى التفاوض والحوار.. سواء في الملف السوري، او الايراني، او الروسي، او الكوري، الخ.. اما فرض الزعامة العالمية وسلامها الاحادي بالقوة، فهو كفرض التهديدات ومظالم الأمر الواقع بالقوة.. كلاهما يقودان للكارثة على الجميع وعلى امريكا نفسها.. فيخسر العالم الولايات المتحدة كشعب حي وبلد كبير، وتخسر امريكا نفسها. هذا هو منطق التاريخ، وهو منطق جميع الامبراطوريات والدول العظمى.