رئيس مجلس الوزراء.. الانتخابات.. تشكيل الحكومات.. الاختناقات

الوسوم:
19 مشاهدة

د . عادل عبد المهدي

كانت مسألة رئيس مجلس الوزراء محوراً مستمراً في السياسة العراقية منذ 2004.. وهي قضية اساسية في التوترات والمشاكسات والتسقيطات الجارية. فرئيس الوزراء سيُشاكَس باستمرار وتعطل قراراته عن حق او باطل، وسيسعى بالمقابل للدفاع بطرق مبررة وغير مبررة، مما سيعني خسارة في الحالتين.. لهذا تنامى الصراع والتعطيل واللامؤسساتية. ولا علاقة للطرح ادناه بشخصية بذاتها، بل هو طرح نقدي/نظري عام، للعودة الى الاصول لاصلاح النظام السياسي، الذي ادخل نفسه في مسارات معقدة ومغلقة غير دستورية.
سبب المشكلة، كما نرى، هو التفسير والتطبيق المتناقض لمواد دستورية اساسية وواضحة في محورين رئيسيين، جسدتهما نقاشات الدستور وتم اقرارهما فيه بوعي ومسؤولية. الاول: فتح “قانون ادارة الدولة” المجال لتفسيرات شتى لهوية النظام، بنص المادة (4): “نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي (فيدرالي) ديمقراطي تعددي..”.. اما الدستور فاوضح، بوعي، هوية النظام النيابية وليس الرئاسية بنص المادة (1): “جمورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي..”. والثاني، ودون التقليل من حساسية واهمية موقع رئيس مجلس الوزراء، لكن الدستور منح السلطة التنفيذية اساساً لمجلس الوزراء، ومنه يستل رئيس المجلس صلاحياته، عدا ما نص عليه الدستور من استثناءات. وهو ما يظهر بنصوص صريحة في عشرات المواد. وان المادة (78) والتي تنص: “رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بادارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق باقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب” لا يمكن ان تخالف بمفردها كل البناءات التي سار عليها الدستور لتفسر تفسيراً مستقلاً خاصاً بها. فرئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عبر مجلس الوزراء وبمصادقة مجلس النواب وليس خارجهما او باستقلال عنهما، الا في حالات حددها الدستور نصاً. كدعوة مجلس النواب لجلسة استثنائية، او تمديد الفصل التشريعي (المادة 58).. وكتخويل رئيس مجلس الوزراء صلاحيات استثنائية خلال اعلان حالة الحرب او الطوارىء (المادة 61)، وحقه في اقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب، او حقه في حل مجلس النواب بطلب منه وبموافقة رئيس الجمهورية بالاغلبية المطلقة لعدد اعضاء مجلس النواب (المادة 64). فالتعكز على المادة (78) منفردة عطل مبنى اهم، وهو ان الركن الاساس للسلطة التنفيذية، تخطيطاً وتنفيذاً، هو مجلس الوزراء وليس رئيسه متفرداً. اذ عرفت المادة (80) باسهاب صلاحيات المجلس بنصها: “يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الاتية: تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة والاشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، واقتراح مشروعات القوانين، واصدار الانظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين واعداد مشروع الموازنة، والتوصية الى مجلس النواب ، بالموافقة على تعيين وكلاء الوزارات والسفراء واصحاب الدرجات الخاصة، ورئيس اركان الجيش ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات الوطني، ورؤساء الاجهزة الامنية”. فالصلاحيات هي لمجلس الوزراء وعبرها يتمتع رئيس الوزراء بصلاحياته، بما في ذلك كونه قائداً عاماً للقوات المسلحة، بدليل المادة (84) التي تربط جهاز المخابرات الوطني بمجلس الوزراء وليس بالقائد العام. اذ تنص المادة (66): “تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية، من رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء تمارس صلاحياتها وفقاً للدستور والقانون”. وعززت المادة (86) الموقف بنصها: “ينظم بقانون تشكيل الوزارات ووظائفها واختصاصاتها وصلاحيات الوزير”.. وهذا موقف واضح من المشرع في عدم اضافة ركن ثالث للسلطة التنفيذية، خلافاً لـ”قانون ادارة الدولة” في المادة (35) التي تنص “تتكون السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية من مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء ورئيسه”.
صدرت قوانين واوامر وتعليمات وتعينات بالوكالة عديدة مخالفة للدستور، مما شخصن الدولة، واربك عمل الوزارات والمؤسسات التي وجدت نفسها امام اوامر وصلاحيات لا تنسجم دائماً وقوانينها والدستور. وان الامور كانت ستأخذ مسارات ابسط، واكثر انتاجية وسلاسة وانسجاماً، واقل تصارعاً وتفرداً، وابسط وايسر لتشكيل الحكومة بعد اية انتخابات، لو وضع كل امر بنصابه الدستوري.

د . عادل عبد المهدي