’الجهاد الكفائي’ بعد ثلاثة أعوام .. معادلات وحقائق جديدة

الوسوم:
6 مشاهدة

عادل الجبوري

لا تشبه صورة الواقع الحالي في العراق صورة العام 2014، فبين الصورتين ملامح تلاقٍ وارتباط باهتة وفضفاضة الى حدٍّ كبير.
في ليلة العاشر من حزيران- يونيو نجح تنظيم “داعش” الارهابي في السيطرة على مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، ومناطق وأحياء عديدة من المحافظة، اضافة الى مناطق اخرى من محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك والانبار وحزام بغداد، وبات خلال فترة زمنية قصيرة يشكل تهديداً حقيقيا لمدن كربلاء المقدسة والنجف الاشرف وسامراء، حيث العتبات الدينية المقدسة، ولا نبالغ إذا قلنا إن الصورة بدت سودوية وقاتمة ومظلمة ومرعبة الى أبعد الحدود، لاسيما وأن مختلف المؤسسات والأجهزة الأمنية والعسكرية، كانت عاجزة ومستسلمة ومنهزمة، لأسباب وظروف كثيرة، لسنا هنا بصدد الخوض في تفاصيلها وملابساتها، والمؤسسات السياسية -لاسيما الحكومة- كانت مرتبكة جدا من هول الصدمة ولا تعرف كيف تتصرف وماذا تفعل بالضبط.


اية الله العظمى المرجع سماحة السيد السيستاني
بعد ثلاثة أيام فقط، وتحديدا في ظهيرة يوم الثالث عشر من حزيران -يونيو-(14 شعبان 1435هـ.ق) تلا الشيخ عبد المهدي الكربلائي من منبر صلاة الجمعة في كربلاء المقدسة، فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الديني الكبير اية الله العظمى السيد علي السيستاني.
وهنا أخذت ملامح الصورة السودوية القاتمة والمظلمة والمرعبة تتبدل شيئا فشيئا، بتلبية عشرات -ان لم يكن مئات- الالاف من العراقيين، لاسيما الشباب، نداء المرجعية، والانخراط في صفوف المتطوعين، سواء تحت مسمى الحشد الشعبي، او تحت عناوين ومسميات أخرى.
ولم يمر وقت طويل حتى اختلفت الصورة الى حد كبير، فمناطق حزام بغداد، كسبع البور وهور رجب وعرب جبور والضابطية واللطيفية وابو غريب وغيرها، تطهرت بنسبة كبيرة جدا من الزمر الارهابية الداعشية، وبات اهالي العاصمة ينامون ويعملون ويتحركون، وهم آمنون مطمئنون، وانخفض بشكل ملحوظ معدل العمليات الارهابية بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة .
والمدن والمناطق المحاذية والمجاورة للعتبات الدينية المقدسة مثل جرف النصر، والنخيب وبلد وبيجي والعظيم، تطهرت من الدواعش أيضًا، لترتفع وتزول الاخطار الارهابية عن تلك العتبات.
ولا يمكن لاي كان ان ينكر أنه لولا فتوى الجهاد الكفائي، لما هبت الحشود الهائلة لتتصدى لعصابات “داعش” الارهابية، دون ان تنتظر اجرا او تكريما او مكافأة من حكومة او حزبا او مؤسسة.


الاف المتطوعين تسلحوا بعقيدة “النصر او الشهادة”
ان الاف المتطوعين، الذين تسلحوا بعقيدة “النصر او الشهادة”، هم من اعادوا للمؤسسة العسكرية والامنية الحكومية روحها، وجعلوها تعيد ترتيب وتنظيم نفسها، وبالتالي تستعيد زمام المبادرة، وتسترد هيبتها ومكانتها وحضورها الميداني المشرف.
ولا شك أن كل من قرأ فتوى الجهاد الكفائي قراءة موضوعية متوازنة هادئة بعيدة عن العقد والمواقف المسبقة، وتوقف عند انعكاساتها على الأرض، لابد أن يؤشر الى جملة حقائق، لعل من أبرزها:

-ان المرجعية الدينية كانت، وما زالت، وستبقى، تمتلك من التأثير والحضور والمكانة، ما لا تمتلكه أية مؤسسة أخرى، أيا كانت الأسماء والمسميات، وفتوى الجهاد الكفائي، لم تكشف تلك الحقيقة، بقدر ما عززتها ورسختها في النفوس والاذهان.

-المحطات والمنعطفات التأريخية الخطيرة والحساسة، تحتاج الى شخصيات تأريخية كبيرة، تتخذ مواقف حاسمة، وتحدد مسارات صائبة، وحينما واجه العراق في صيف عام 2014 الخطر الداعشي، احتاج الى شخصية كبيرة كشخصية المرجع السيد السيستاني، لاتخاذ الموقف وتشخيص المسار.

-ابرزت الفتوى، عمق وحقيقة وصدق انتماء الشعب العراقي وشعوره بالمسؤولية الوطنية، وحرصه على الدفاع عن الارض والحرمات والمقدسات، لا بالنسبة لأتباع اهل البيت عليهم السلام ومقلدي المرجعية الدينية فحسب، بل بالنسبة لكل المكونات، فكثير من الذين استجابوا لنداء المرجعية الدينية، كانوا من اتباع مذاهب دينية اخرى، ومن اتباع ديانات اخرى غير الدين الاسلامي، فضلا عن القوميات المتعددة.

-لم يكن الجانب العسكري- الجهادي في الفتوى، هو الوحيد، رغم اهميته الاستثنائية، وانما برز معه البعد الانساني، المتمثل بالمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة، وعدم التعدي عليها، واغاثة ومساعدة النازحين والمشردين، بأعدادهم الضخمة، واحتياجاتهم الكبيرة.


ساهمت الفتوى التأريخية في بث الحياة من جديد للمؤسسة العسكرية التي كادت ان تنهار وتتفكك

ولعل مؤسسات ومفاصل المرجعية الدينية، كانت الاكثر حضورا في الميدان لتقديم شتى انواع الدعم اللوجيستي-الاغاثي، للمقاتلين والمدنيين، ومشهد رجال الدين المعممين من وكلاء ومعتمدي المرجعية، واساتذة وطلبة الحوزة العلمية، وهم يحملون السلاح، ويقودون قوافل المساعدات للنازحين والمشردين من بطش عصابات داعش، ويوزعون السلات الغذائية والملابس والفرش والاغطية على النساء والاطفال والشيوخ الكبار، يعد من بين اكثر المشاهد عمقا ودلالة ومعنى.

-ان المرجعية الدينية تقف وتتصرف وتتعامل، فوق كل الانتماءات والعناوين السياسية والاجتماعية والقومية والمناطقية، وهي تعد مظلة وملاذًا حتى لمن هم من غير اتباعها ومقلديها ومريديها، وقبل ظهور داعش، كانت المرجعية الدينية تؤكد وتشدد على حرصها واهتمامها وقلقها بخصوص كل العراقيين دون استثناء، ولولا خطابها العقلاني المتوازن، ومواقفها الحكيمة بعد الاعتداء الارهابي على مرقد الامامين العسكريين في بدايات عام 2006، لكان العراق قد غرق في بحر الاقتتال الاهلي-الطائفي.

– ساهمت الفتوى التأريخية في بث الحياة من جديد للمؤسسة العسكرية التي كادت ان تنهار وتتفكك بعد الطريقة الدراماتيكية المفاجئة التي سيطر من خلالها تنظيم “داعش” على محافظة نينوى ومناطق من محافظات اخرى، اذ ان تشكل الحشد ونجاحه في الامساك بزمام المبادرة، وارغامه لعصابات “داعش” على التقهقر في غير مكان، ساهم في استعادة المؤسسة العسكرية لثقتها بنفسها، وترسيخ الاعتقاد بأن هزيمة تنظيم داعش امر ممكن ومتاح فيما لو توفرت الارادة الصلبة والشعور الحقيقي بالمسؤولية الوطنية.


انجازات كبيرة تحققت في فترة قياسية

 

هذه الحقائق والمعطيات، هي التي شكلت صورة المشهد العراقي الراهن، بعد ثلاثة اعوام من صدور فتوى “الجهاد الكفائي”، حيث ان تلك الحقائق والمعطيات احالت سودوية وقتامة وظلام صورة 2014 الى نور وامل وحماس وتفاؤل ونصر وعزة وكرامة للعراق والعراقيين، ولكل من اعتبر تنظيم داعش خطرا حقيقيا، وساهم في مواجهته وتحقيق الانتصار عليه.