الموقف الأمريكي من سوريا: من الصبر الإستراتيجي إلى تشديد الخناق

الوسوم:
4 مشاهدة

مركز المستقبل للدراسات والبحوث

د. خلود محمد خميس

أثارت الضربة التي قامت بها وزارة الدفاع الأمريكية ضد قاعدة الشعيرات العسكرية الجوية في ريف حمص وسط سوريا يوم الجمعة 7/4/2017، الكثير من الجدل والتساؤلات في الأوساط الإقليمية والدولية (العربية والغربية) في الوقت نفسه كان أبرزها:
1- هل أرادت فعلا الولايات المتحدة الأمريكية ضرب الرئيس السوري بشار الأسد لأجل إخراجه من السلطة، ولماذا لم تتخذ هذا الأجراء خلال الست سنوات الماضية من تاريخ بدء الاحتجاجات وما تلاها من تطورات داخل سوريا؟.
2- هل الضربة رسالة موجهة إلى الروس أم لعموم منطقة الشرق الأوسط؟.
3- هل تحول التنافس الأمريكي ـ الروسي إلى صراع مسلح على حساب المنطقة العربية وقوده أبناء الشعب العربي السوري وغيرهم؟ اضافة إلى تساؤلات أخرى عديدة سنجدها ماثلة أمامنا حينما نقوم بمناقشة الضربة الأمريكية في أسبابها، مبرراتها، وتداعياتها الإقليمية والدولية.
عند الحديث عن الإستراتيجية الأمريكية نجدها سلسلة طويلة متواصلة تجاه منطقة الشرق الأوسط ولاسيما المنطقة العربية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر، حيث هنالك العديد من التطورات التي أحاطت تلك الحقب وما بعدها، وبما أن الإستراتيجية واحدة إلا أن السياسات اختلفت في تنفيذ أهداف الإستراتيجية الأمريكية وبحسب الزعامات الأمريكية والتي ارتبطت ارتباطا كبيرا بمؤسسات صنع القرار السياسي الخارجي الامريكي تجاه العديد من قضايا العالم، وخاصة قضايا منطقة الشرق الأوسط.
والقضية السورية أحد أهم تلك القضايا التي كانت مؤجلة بالنسبة لصانع القرار السياسي الخارجي الأمريكي، فأعطى المسؤولية إلى شريكه في إدارة العالم ليتولى مهمة التدخل وإعادة تواجده في مناطق شكلت مراكز إستراتيجية مهمة فتمثل الشريك بروسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفيتي السابق.
إلا أن التدخل الأمريكي لفرض القوة جاء بحسب التوقيت الذي حدد له، فما هو المبرر أو الحجة الشرعية التي تدخلت من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية لإنتهاك السيادة السورية؟.
حيث أطلقت القوات البحرية الأمريكية على قاعدة الشعيرات العسكرية السورية (59 صاروخا) كما ورد بحجة أنه رد على الهجوم الكيمياوي الذي ادعت الإدارة الأمريكية بأنه كان موجها من قبل الحكومة السورية ضد بلدة (خان شيخون يوم الثلاثاء 4/4/2017) مع العلم أنها أكدت في البداية عدم تدخلها في حرب أهلية تبعدها عن حرب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فالرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) كان قد صرح بعد الضربة بأنه أمر بضربات صاروخية على القاعدة الجوية السورية، مضيفا بأنه تصرف بما يخدم مصلحة الأمن القومي الأمريكي ضد الرئيس السوري بشار الأسد.
وهنا التساؤل الذي يطرح نفسه مجددا، هل الضربة وجهت للرئيس بشار الأسد أم موجهة لروسيا داخل سوريا؟، مع العلم أن روسيا أكدت بأنها على علم بهذه الضربة، وعلى هذا الأساس فقد أشارت العديد من التحليلات ووسائل الأعلام بأن واشنطن أعلمت كل من (روسيا، فرنسا، بريطانيا وإسرائيل) بالضربة الصاروخية على مواقع عسكرية سورية، وهو ما أكدته وزارة الدفاع الأمريكية بأنها أخبرت القوات الروسية قبل شن الهجمات الصاروخية، فالبنتاغون صرح بأن الضربات لم تستهدف أجزاء من القاعدة العسكرية التي يعتقد أن قوات روسية تتمركز فيها وهذا يؤكد ما أشرنا إليه بأن واشنطن أبلغت موسكو بالضربة.
إذن هل أرادت الولايات المتحدة الأمريكية خروج الأسد أم التدخل لإنهاء الأزمة السورية أم إيقاف التمدد الروسي؟
تساؤلات مهما حاولنا الإجابة عنها إلا أنها تبقى متجددة ومستمرة؟، حيث يمكن القول أن واقع حال الأزمة السورية والتطورات التي تشهدها عموم منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية على الخصوص، وتعد سوريا رمانة الميزان في المنطقة ذات الأهمية الستراتيجية الأمريكية والروسية، فالسلوك الأمريكي والرد الروسي انما يوضح حقيقة مفادها بوجود التعاون بين الطرفين وهو التعاون الذي ترجع حيثياته الى نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين، فكلا الطرفين وضع في إعتباره أن المنطقة بحاجة إلى استراتيجية وسياسات ووسائل لأجل احتوائها من قبل الطرفين كما تم احتوائها خلال مرحلة الحرب الباردة، فتم تقسيم مناطق النفوذ والمصالح بين الطرفين إلا أن شكل التعاون تمثل بصورة التنافس وحروب الوكالة.
أما اليوم فإن الصراع المسلح بدأ واضحا والذي انعكست نتائجه سلبيا على الشعوب العربية وهذا يفرض علينا تساؤلا جديدا، هل وقعت خسائر للروس الموجودين في القاعدة أم نالت الخسائر الولايات المتحدة الأمريكية؟، وجوابه واضح أن الخسائر لم تنال كلا الطرفين بل خصت الجانب الضعيف من أبناء الشعب السوري.
إذن فما هو تبرير الولايات المتحدة الأمريكية إزاء هذا التدخل المباشر والذي لم تعود فيه إلى الأمم المتحدة لتأخذ موافقتها؟، لقد تجسد الموقف الأمريكي فيما وجدناه من تصريحات للمسؤولين الأمريكان والتي أخذت طريقها إلى وسائل الإعلام ومنها ما صرحت به وزيرة الخارجية السابقة (هيلاري كلينتون) والتي كانت مرشحة الحزب الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية فقالت (لدى الأسد سلاح جو تسبب بوفاة العديد من المدنيين، مضيفة أعتقد حقا إننا في حاجة إلى تدميره لمنع قصف الأبرياء ورمي قنابل السارين عليهم مرة أخرى).
لكن الموقف الروسي المعلن أمام المجتمع الدولي جاء متناقضا ورافضا للسلوك الأمريكي تجاه سوريا شعبا وحكومة حيث نقل الكرملين وجهة نظر (فلاديمير بوتين بالنص الذي رأى أن الضربات الأمريكية على قاعدة الشعيرات العسكرية في سوريا محاولة من واشنطن لصرف أنظار العالم عن الضحايا المدنيين للجيش الأمريكي في العراق، كما عد الكرملين أن الضربات تشكل إنتهاكا للقانون الدولي وعدوانا على دولة ذات سيادة)، كما أعلن الرئيس الروسي بوتين بأن الهجوم الأمريكي على أهداف في سوريا هو عدوان ضار للعلاقات الروسية ـ الأمريكية والأضرار بالتحالف ضد الإرهاب، وهذا يرجعنا إلى نقطة البداية بأن مسألة العلاقات وضمن هذه الأزمة (هل هي تعاون، تنافس، صراع، تقسيم للمصالح والنفوذ)؟، الإستراتيجية الأمريكية المقبلة هي من تجيبنا على هذه التساؤلات.
وما دام الرد الروسي بهذه الصورة فهل استطاعت روسيا الوقوف بوجه الصواريخ الأمريكية من خلال قواعدها الموجودة على الأراضي السورية، صحيح أن روسيا أعلنت بأنها ستقوم بتعليق إتفاقية السلامة الجوية مع أمريكا فوق الأراضي السورية، إلا أن هذه المسألة نفتها الولايات المتحدة الأمريكية وأعلنت عن موافقة روسيا على الحفاظ على الخط الساخن للاتصال مع المسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية في اطار مذكرة التفاهم الروسية ـ الأمريكية حول ضمان سلامة تحليق طائرات الجانبين في سماء سوريا أثناء العمليات وتلك المذكرة تم توقيعها في تشرين الأول 2015.
إذن هل تستطيع روسيا التخلي عن الولايات المتحدة الأمريكية بسهولة، أم تتجه للحوار لإدامة التعاون؟، وهل ستؤدي الضربة إلى تدهور العلاقات الأمريكية ـ الروسية؟.
إن واقع الحال يشير إلى أن روسيا لا تريد خسارة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم ترد على الضربة كما أبلغت الجانب السوري وكما يشير العديد من خبرائها بأنها فضلت تأجيل الرد إلى المستقبل حيث سترد بشكل مناسب، مع العلم أنه توجد منظومة الدفاع الجوية الروسية من طراز (400 أس ـ 300 أس) التي نشرتها روسيا في البلاد لحماية قواتها والقادرة على اسقاط الطائرات الحربية الأمريكية.
والتساؤل الذي يطرح نفسه من جديد هل اكتفت الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الضربة أم لها شوط جديد في سوريا؟، إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكتفي بهذه الضربة بل أن أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي قدموا مشروع قانون يقضي بتأسيس محكمة لمقاضاة مرتكبي جرائم تحت عنوان (قانون محاسبة الحرب في سوريا فجاء في الوثيقة التي تم نشرها يوم 8/4/2017) بالنص (إن المحكمة الجنائية المؤقتة ستضم المسؤولين عن جرائم الحرب في سوريا للعام 2017 وحقوقيين محليين وأجانب وقضاة وغيرهم من الخبراء الذين سيحاكمون أشخاصا يشتبه بارتكابهم جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية).
كما اقترح أصحاب المشروع وهم ممثلين عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي على وزير الخارجية الأمريكي (ريكس تيلرسون) (دراسة إمكانية تأسيس آلية قانونية انتقالية لسوريا بما في ذلك المحكمة) وازاء ذلك يمكننا القول هل هناك إستراتيجية جديدة لتقسيم منطقة نفوذ وترتيب المصالح بين الطرفين؟ أم عودة لحرب باردة جديدة أدواتها الحروب العسكرية وليس الإعلامية والصراع المسلح؟، وهل هي حرب ساخنة؟، تساؤلات لربما لا تجد في بعض الأحيان إجاباتها الوافية، فلماذا تحلى العسكريين الروس بضبط النفس وعدم الرد، هل توجسوا من إندلاع حرب نووية بين الصديقين في المصالح والأعداء في تقسيم مناطق النفوذ؟.
إن الزعامة الأمريكية أخذت تكمل ما بدأ به سلفها (باراك أوباما) إلا أن التوقيتات كانت غير مناسبة فالرئيس السابق هدد بشن ضربات ضد سوريا عام 2013 إلا أنه كان منشغلا في العراق، والتساؤلات الأخيرة التي تطرح وتنتظر إجاباتها مما سيحصل خلال الأيام والأشهر القادمة فماذا بعد هذه الضربة؟، هل ستستخدم الولايات المتحدة الأمريكية الدبلوماسية الذكية مع سوريا أم ستعيد استخدام القوة؟ فهل كانت الضربة الأمريكية خطأ إستراتيجي أم خطة إستراتيجية يراد تفعيلها لأجل تحقيق أهداف مستقبلية؟، وبالمقابل هل ستحاول روسيا تعزيز ودعم الجيش الحكومي لأجل المواجهة إن حصلت أم تكتفي روسيا بإطلاق التحذيرات للحكومة السورية والجيش السوري؟
وفي النتيجة نجد أن الصورة قد تكون ضبابية ما بين وجود تعاون وصراع في الوقت نفسه بين الطرفين لأجل فرض الأحادية القطبية للولايات المتحدة أم العودة إلى القطبية الثنائية من خلال استخدام القوة في منطقة الشرق الأوسط وعلى الأخص المنطقة العربية وإعتبارها نقطة البداية.

مركز المستقبل للدراسات والبحوث