كتاب”علي بن أبي طالب و أخلاقيات السياسة”للدكتور أحمد راسم النفيس كاملا

الوسوم:
96 مشاهدة

اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ، وَالتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ، إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُول، وَإِنْ تُرْجَ فأَكْرَمُ مَرْجُوٍّ.
اللَّهُمَّ وَقَدْ بَسَطْتَ لي فِيَما لاَ أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ، وَلاَ أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَد سِوَاكَ، وَلاَ أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَمَوَاضِعِ الرِّيبَةِ، وَعَدَلْتَ بِلِسَاني عَنْ مَدَائِحِ الآدميين، وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْـمَخْلُوقِينَ.
اللَّهُمَّ وَلِكُلِّ مُثْن عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاء، أَوْ عَارِفةٌ مِنْ عَطَاء; وَقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ.
اللَّهُمَّ وَهذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ، وَلَمْ يَرَ مُستَحِقّاً لِهذِهِ الَْمحَامِدِ و َالْمَمادِحِ غَيْرَكَ، وَبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لاَ يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلاَّ فضْلُكَ، وَلاَ يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلاَّ مَنُّكَ وَ جُودُكَ، فَهَبْ لَنَا فِي هذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ، وَأَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الأيدي إِلَى مَن سِوَاكَ، (إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)
علي بن أبي طالب عليه السلام

علي بن أبي طالب و أخلاقيات السياسة

يقول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في الحديث الشريف المشهور (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
إنها أي الأخلاق هي جوهر رسالة السماء إلى أهل الأرض و هي  المتمم لرسالة التوحيد المتمثل في النطق بالشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
و كما يقول الباحثون في علم الأخلاق في معنى كلمة (خُلْقٌ)، “خلُقٌ جمَعها أخلاق، وتعني في اللغة الطبائع والعادات والطبيعة، وكذلك الدين و المروّة (المروءة)، وعند الحكماء وعلماء الأخلاق فإن (الخلق) صفة ثابتة أو هي الحالة الراسخة في النفس والتي تشكل العامل الأساس للممارسات الحسنة والسيئة.
تلك الممارسات التي تصدر من الإنسان بعفوية وبسهولة وبدون تفكير مسبق أو تأمل وصعوبة حيث يطلق العلماء على هذه الصفات الراسخة والحالة القائمة (المَلَكة) وجمعها (الملكات)، ويعبّرون عن (الخُلق) بالملكة التي تصدر عنها الأفعال الخيرة والشريرة، وعندما يؤكد الحكماء في تعريف الخُلق على السهولة في التعبير بمعنى إلغاء العناء أو الصعوبة وعلى أنه يأتي بدون تأمل أو تفكير فمعنى ذلك أنهم يستثنون الصفات غير الراسخة والانفعالات الآنية عند الإنسان من تعريف (الخُلق) مثل غضب الإنسان الحليم فإنه ليس من الصفات الثابتة لديه، وثانياً فإن بعض السلوكيات والتصرفات التي تصدر من الإنسان بالضغط على نفسه وبصعوبة بالغة وبتفكير وتأمل مسبقين وإن كانت ثابتة لديه إلا أنها لا تصنف ضمن الأخلاق، ومثال ذلك عطاء البخلاء وعطاء الكرماء الذي يكون بقصد الشهرة أو كسب السمعة د. أصغر دادبه مجلة النبأ 64”.
الشهادتان هما عقيدة التوحيد التي يتوجب على كل من يريد الدخول إلى عالم الموحدين أن يقر بهما أما مكارم الأخلاق فهي مجموعة قواعد السلوك الإنساني التي يتوجب على المسلم أن يلتزم بها في رحلته إلى الله عز وجل.
العقيدة هي قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) و الأخلاق هي قوله تعالى (و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).
الشريعة كما نعتقد هي جزء من المنظومة الأخلاقية التي قدمتها الرسالة الإسلامية للعالمين إلا أنها تبقى مختصة بتقنين السلوك الإنساني خاصة في الكبريات.
كانت و لا زالت الضوابط الأخلاقية بالغة الخطورة و الأهمية في تنظيم السلوك الإنساني الفردي و الجماعي في مساراته المختلفة … في الحب و البغض … في حالات الصداقة و العداء .. في السلم و الحرب.
يبدو الآن واضحا جليا أن العالم الإسلامي قد حّمل نفسه تركة مثقلة بالازدواجية الأخلاقية و هو تعبير مستحدث عن واقع بشري قديم قدم الوجود الإنساني ذاته .. واقع حذر منه الخالق عز و جل بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) الصف 2-3.
أدمن المسلمون المعاصرون و قد وجدوا أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع قوى عالمية تتربص بهم و تتفوق عليهم في العدد و العدة أن يلقوا باللائمة على هذه القوى و أن يحملوها مسئولية تخلفهم و انحطاطهم تهربا من نقد الذات و مواجهة الواقع و السعي لتصحيح الأخطاء و هو ما لا مفر منه و لا مهرب فهذه القوى من وجهة نظرهم هي المسئول الأول عما وصلوا إليه من حالة مزرية أما هم فلا و ألف لا!!!.
و هم قد أتقنوا هذه الصنعة إتقانا سبقوا إليه العالم أجمع من دون أن يراجعوا حاضرهم أو ماضيهم و الأدهي من هذا أنهم يريدون الوثوب إلى صدارة العالم و يزعمون أستاذية الدنيا من خلال التمسك بتلك المنظومة المنحطة و الازدواجية المقيتة.
هيهات هيهات.
إنها حالة مرضية هي عقدة الإحساس بالنقص و كما يقول الباحث كريم المحروس (وقد تعتدي الذات الإنسانية على نفسها بان تتطوع لتحط من قدرها وتتنازل عن قيمتها التي أودعها الله سبحانه وتعالى، فإذا بالإنسان يجد نفسه صغيرا أمام من حوله من المخلوقات. وتسوء هذه الحالة حين يصل الإنسان مع الزمن إلى قناعة تامة بالعجز والقصور، فيرى أن الكمال هو نصيب لكل شيء يجده أمامه، ولا يرى في أفق ذاته إلا كتلة تسيرها الظروف المحيطة ومصادر القوة. فعن الامام علي(عليه السلام) قال:«من جهل قدره جهل كل قدر» «هلك امرؤ لم يعرف قدره».
و إذا ما أردنا البحث عن عقدة الإحساس بالنقص كحالة مرضية تتصف بها بعض المجتمعات البشرية، فالمقارنة بين مجتمعات عاشت تحديات متشابهة، قد توصلنا إلى مظاهر هذه العقدة . فالحربان العالميتان الأولى والثانية قد أسفرتا عن استعمار دول كبرى لأخرى . فألمانيا واليابان والدول الإسلامية استعمرت من قبل دول الحلفاء لعشرات السنين . لكننا نجد المجتمع الألماني والياباني قد فاقا في عطائهما الاجتماعي والاقتصادي دول الاستعمار نفسها . فاليابان لازالت تسجل عجزا اقتصاديا في الميزان التجاري الأمريكي قدره 25 %، وتقف الولايات المتحدة عاجزة أمام الصادرات اليابانية، وهكذا الأمر بالنسبة للعلاقات الاقتصادية اليابانية مع دول العالم برغم كون اليابان جزرا تعاني شحة الأراضي الزراعية وتغلبها الزلازل ولا تمتلك ثروات أرضية كالنفط وغيره . وعرف عن اليابان أنها خرجت من الحرب مستسلمة ومهزومة بعد إلقاء الولايات الأمريكية قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناكازاكي، وقتل بسبب هذه الحرب والتدمير النووي اكثر من ثلث الشعب الياباني . و أما بالنسبة لألمانيا فقد شهدنا توحد شطراها الشرقي والغربي في قصة أذهلت العالم، وتعد اليوم دولة رائدة بين دول العالم الحر، سياسيا واقتصاديا.
من جهة أخرى استعمرت بلاد المسلمين، ولم تتعرض لهزائم شديدة في حروب طاحنة، إلا أن هذه البلاد لازالت تعتبر من دول التخلف أو ما اصطلح عليه ببلاد العالم الثالث. وتجد من بين مبررات التخلف إن بلاد المسلمين كانت تعيش تحت وطأة المستعمر. فهل يختلف استعمار اليابان و ألمانيا عن استعمار بلاد المسلمين؟
فالشعور بالنقص قد ضرب أطنابه في بلاد المسلمين، فلا تجد إلا تبريرات ومواقف سلبية تلقي بالتبعات على الاستعمار ومخططاته وما نتج عنه من أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية دكتاتورية متخلفة. وهذا ما أطلق عليه في علم النفس بـ (التعويض السلبي) الذي أشار إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي بـ (القابلية للاستعمار).
فاليابانيون عوضوا مخلفات الحرب وما نجم عنها من آثار سلبية مدمرة، بعطاء إيجابي وجهود مشحونة بالأمل، وتضحيات جمة، لإعادة البناء على جميع الصعد، برغم توقيعهم لعقد الاستسلام والقبول باستعمار بلادهم، ومعالجة آثار الهزيمة بتحقيق نصر يعيد لهم الثقة في ذواتهم، واتخذوا من الهزيمة العسكرية والسياسية باعثا على استثارة كوامن ذواتهم وما تحوي من طاقات خلاقة.
و أما بلاد المسلمين فقد أخذت ترثي أحوالها وتأسف لهزيمتها، وكأن الهزيمة نهاية حتى لماضيهم وما حققته من حضارة . وبرغم تلك الإمكانات البشرية والثروات النفطية وغيرها التي لم يحظى بنعمتها أي بلد من بلاد العالم فضلا عن التاريخ الحضاري المجيد الذي لا تفنى عطاءاته في أية مرحلة حاضرة ومستقبلية، إلا انك تجد حالة التخلف وكأنها قدر لا يمكن السؤال عن رده) النبأ36-5-1420.

و قبل أن نسترسل في سرد نماذج لهذا التدني الأخلاقي و محاولة التعرف على مظاهره و أسبابه فلا بد أن نؤكد على ما هو بديهي من أن المسلمين هم شيء مختلف عن الإسلام و أن هؤلاء المسلمين لم يكونوا يوما ما حجة على الإسلام بقدر ما كان الإسلام و لا زال حجة عليهم و هو ما يكرره هؤلاء صباح مساء من دون الإجابة على السؤال الأهم أي إسلام يقصدون؟؟.
إسلام البداوة أم إسلام الحضارة؟؟.
إسلام الأعراب الأشد كفرا و نفاقا الأجدر بألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أم إسلام الرقي و الحضارة المتمثل في أهل بيت العصمة و النبوة و الطهارة الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا؟؟.
إسلام البداوة الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم و الذين رد الباري عز و جل ادعاءهم عندما قالوا آمنا فقال (قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم) أم إسلام الذين جعلهم الله عز و جل مظهرا لنوره والسبيل إلى رضوانه (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال *رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار) سورة النور36-37.
نحن نجيب بأن الإسلام السفياني الذي يحمله المسلمون الآن و الذي تلقوه و تلقفوه عن أسلافهم من بني أمية الذين جعلهم الله (فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب و يزداد الذين آمنوا إيمانا و لا يرتاب الذين أتوا الكتاب و المؤمنون) سورة (المدثر 31) هو شيء مختلف عن الإسلام الحقيقي إسلام أهل البيت عليهم السلام.
دع عنك تلك الضجة الزائفة و الاتهامات المتبادلة عن تحريف القرآن ونكاح المتعة الخ الخ و تأمل في واقع المسلمين التاريخي خلال القرن الأول الذي يزعم المنافقون وأشياعهم بأنه كان خير القرون وحاول أن تفسر لي كيف اندلعت هذه الحروب في وجه إمام الحق علي بن أبي طالب عليه السلام وكيف حاول فقهاء التبرير من حزب الطابور الخامس مزج الشامي والمغربي والحلو والمالح في خلطة واحدة والتسوية بين القاتل والمقتول والظالم و المظلوم والسابق واللاحق والتابع والمتبوع والزعم بأن القاتل و المجرم والإرهابي والمخرب هو مجتهد مخطئ له أجر واحد رغم أنف النص الإلهي (أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) سورة ص 28 (و ما يستوي الأعمى و البصير* و لا الظلمات و لا النور * و لا الظل و لا الحرور*و ما يستوي الأحياء و لا الأموات إن الله يسمع من يشاء و ما أنت بمسمع من في القبور) فاطر 19-22.
فأي نمط أخلاقي اعتمد عليه المسلمون خلال رحلتهم الطويلة و احتكاكهم مع العالم من خلال إصرارهم على استخدام تلك الخلطة الأخلاقية الفاشلة سوى التخلف و التقهقر و الثبور.
ماذا استفاد المسلمون من تلك الخلطة الأموية السُفيانية الجَمَلِية الخوارجية سوى إنتاج تلك النماذج الشائهة من أمثال ابن لادن و إرهابيي القاعدة الذين لم يتورعوا عن ارتكاب جرم و لا هتك عرض باسم الإسلام و الدين و هم الذين لم يعدموا دائما من يدافع عنهم و يستميت في اختراع الأعذار و انتحال الأقوال و اختلاق المؤامرات ليجعل منهم شهداء أبرياء و ضحايا لنظام عالمي يسود فيه القطب الواحد إلى آخر تلك اللائحة المقررة وصولا إلى أن أمريكا قد دبرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (لتحول بين الإخوان المسلمين و الفوز في الانتخابات المقبلة و لتضرب التيار الإسلامي الذي يمثله هؤلاء السادة الأفذاذ!!) و الدليل على ذلك غياب خمسة آلاف يهودي من العاملين في مركز التجارة العالمي يوم وقوع الحادث.
و لو أن أي عاقل مارس التأمل لبرهة وجيزة في هذا الدفاع المدهش لاكتشف إلى أي مدى تدهورت قدرات المسلمين الذهنية و الفكرية و أصبح بإمكان أي دجال أن يضحك على ذقونهم فمن أين علم هؤلاء الأذكياء بحكاية الأربعة آلاف يهودي و ما هو مصدرها و هل كان للبرج دفتر حضور و انصراف مركزي مدون به أسماء العاملين و ديانتهم و لو كان ذلك الشيء موجودا فيكيف استطاع جهابذة بن لادن العثور عليه و الإمساك به و القيام بالجرد المطلوب و إعلان النتائج خلال ساعات من وقوع الحادث بينما هم استنكروا بشدة إعلان الأمريكان عن أسماء التسعة عشر الذين قاموا بالمهمة بالرغم من أن الطائرات لها لائحة أسماء للمسافرين يجري مراجعتها عدة مرت قبل إقلاع الطائرة!!.
إن تعبير الخلطة الأخلاقية الفاشلة أو المسمومة ليس من عندنا بل هو من كلام الإمام الصادق (ع) : (إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) سفينة البحار: 424.1.
إنها نكتة و أي نكتة!!.
فهل كانت فاجعة الحادي عشر من سبتمبر استثناء في مسيرة هؤلاء؟؟ تلك المسيرة التي أدمنوا خلالها سفك الدماء أم أنها جاءت في نسق ممارساتهم اليومية في بلدانهم أو في أفغانستان المنكوبة بهم.
ثم ازداد إجرامهم و عتوهم عندما امتدت أياديهم الآثمة إلى العراق ليقوموا بتفجير المقام الطاهر للإمام علي بن أبي طالب من أجل اغتيال آية الله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم يوم الجمعة أول أيام رجب الحرام عام 1424 للهجرة ليقتلوه و يقتلوا معه كوكبة طاهرة من المؤمنين الخلص كانوا قد فرغوا توا من أداء صلاة الجمعة وصولا إلى نسف مقر الصليب الأحمر الدولي في قلب بغداد يوم الاثنين السابع و العشرين من أكتوبر عام 2003 مستخدمين سيارة للإسعاف تحمل علامة تلك المؤسسة الإنسانية و مع ذلك فقد سارعت الأجهزة الإعلامية المتناغمة معهم و مع إجرامهم لوصف تلك المجزرة بأنها عملية مقاومة فأي بشاعة و انحطاط يمثله هؤلاء و في أي مدرسة تعلم هؤلاء أخلاقيات الإسلام و السياسة الإسلامية. ثم ازداد طينهم بلة عندما قامت جحافلهم (الظافرة) بنسف مجمعات سكنية يسكنها مدنيون أبرياء في قلب العاصمة الرياض و هنا اضطر الذين أنكروا بالأمس القريب أي دور لما يسمى بتنظيم القاعدة في مجزرة النجف الأشرف للاعتراف بدور أشقائهم السفيانيين في كلتا المجزرتين و في غيرهما من المجازر بعد أن صار الجميع في الهم شرق و لسان حالهم يردد ما قاله الشاعر شوقي
يا نائح الطلح أشباه عوادينا  نأسى لواديك أم تشجى لوادينا
وربما قال قائل أن هذا ليس حال جميع المسلمين وإلا كيف نفسر انتشار الإسلام في شتى بقاع العالم ونحن نقول أن هذا الكلام نصفه صحيح ونصفه خاطئ أما النصف الصحيح فهو أن هذا ليس حال جميع المسلمين بكل تأكيد ولكن هذا هو حال أصحاب الصوت الأعلى ممن حذرنا ربنا عز وجل من ترك حبلهم على غاربهم عملا بقوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وهذا ما حدث عندما وجد المسلمون أنفسهم مضطرين لتحمل كامل المسئولية عما اقترفه هؤلاء في حق إخوانهم في الدين و في حق العالم من دون أن يجري الأخذ على أيديهم بقوة و حزم.
الأخلاق بين التغير و الثبات
إن أهم استفسار أو سؤال يطرح في علم الأخلاق هو كالتالي: هل أن الصفات الخلقية ثابتة عند الإنسان ولا يمكن تغييرها أم لا؟! وهل أن تغير الأخلاق يرتبط عضوياً بالتربية والتعليم؟!، يجيب الحكماء على هذه الأسئلة بأن الأخلاق منها ما هو فطري (ذاتي) أو طبيعي فلا يمكن تغييره، ومنها ما هو اكتسابي (غير طبيعي) بمعنى أنه لا يستند إلى طبيعة النفس التكوينية.
ولكن (الخواجة نصير الدين الطوسي) يرى الأخلاق من زاوية ثالثة يمكن أن نعبر عنها بأنها تركيب من الفطرية والاكتسابية.
أ) النظرية الفطرية (الطبيعية): طبقاً لهذه النظرية فإن للأخلاق منشأ فطرياً يكمن في طبيعة الإنسان الذاتية، فالصفات الحسنة والسيئة مودعة في ذات النفس الإنسانية ويولد الإنسان في هذا العالم وهو يحملها بين جنبيه، وكما يقول علماء التربية والتعليم فإن نفس الإنسان أو ذهنه هي (لوحة مكتوبة) لوحة قد ثبتت عليها الأخلاق الحميدة والمذمومة سلفاً؛ ولذلك وطبقاً لهذه النظرية، أي النظرية الفطرية الطبيعية، يمكننا أن نستنتج على سبيل القطع نتيجتين هما:
1- تباين وتعدد النفوس: ويعني أن النفوس تختلف باختلاف اتصافها بالصفات الجيدة الحميدة أو المذمومة السيئة أو أنها قد تحمل من هذه وتلك بنسب متفاوتة وفي النهاية فهي تختلف مع بعضها البعض وتتباين تبعاً لتلك النسب.
2- عدم تغير الأخلاق: ويعني ثبات الأخلاق لأنها تنبع من الذات والفطرة للإنسان وبما أن الذات لا يمكن أن يطرأ عليها التغيير فكذلك ما ينتج عنها من أخلاق ذاتية لا يمكن تبديله.
أما الخواجة نصير الدين الطوسي فإنه يشرح النظرية الفطرية (الطبيعية) هكذا: (ذهب قوم إلى أن كل الأخلاق طبيعية ذاتية والتحول عنها مستحيل).
ب) النظرية الفطرية – الاكتسابية: كما قلنا سابقاً فإن الخواجة نصير الدين الطوسي ذهب إلى نظرية ثالثة لا تدين بالنظرية الفطرية أو النظرية الاكتسابية بل تطرح مفهوماً آخر يمكن التعبير عنه بالنظرية الفطرية – الاكتسابية، ولكن يجب أن نصنف هذه النظرية ضمن النظرية القائلة بأصالة الأخلاق الفطرية أو إنها قريبة جداً منها، وذلك لسببين:
أولاً: لأن الأخلاق الاكتسابية وطبقاً لهذه النظرية تترسخ بالتدريج في النفس الإنسانية لتأخذ صفة الثبات الأخلاقي.
ثانياً: لأن أصحاب هذه النظرية لا يرون في الأخلاق الاكتسابية وتغيرها لدى الإنسان نفس القوة والأولوية التي ينسبونها للأخلاق النابعة من الفطرة والطبيعة الذاتية؛ فهم يعطون لهذا العامل الحظ الأوفر في تكون الأخلاق؛ ولذا انقسم أصحاب هذه النظرية إلى قسمين تبعاً للمقولة القائلة بأصالة صفة الخير أو الشر في الطبيعة البشرية.
الفريق الأول وهم الذين يذهبون إلى أصالة قوى الخير في الفطرة الإنسانية ويقولون بأن سريرة الإنسان مفطورة على الخير، وكما يعبر الخواجة: (فطر الله الناس جميعاً على طبيعة الخير)، ولكن في خضم الحياة ونتيجة لمخالطة الأشرار يترسخ الشر بصورة تدريجية داخل النفوس ليحول الإنسان في النهاية إلى إنسان شرير. ينسب الخواجة هذه النظرية إلى الحكماء الرواقيين.
الفريق الثاني الذي ذهب إلى الفطرة الشريرة وأصالتها؛ فهو يعتقد بأن سريرة الإنسان فطرت على الشر و السوء؛ ولذلك فهم يقسمون الناس – طبقاً إلى ما ذهبوا إليه – إلى قسمين: قسمٌ يمكن تربيته وتهذيبه وقسم يستحيل عليه ذلك؛ فالذين لا يمكن تهذيبهم هم الذين هبطت نفوسهم إلى قعر الرذيلة ومنتهاها؛ ولذلك لا يمكن بأي شكل من الأشكال إنقاذهم منها. وأما الذين يمكن تهذيب أخلاقهم فهم أولئك الذين يخالطون أو يجالسون الطيبين والخيرين منذ بدء نشأتهم وتحديد معالم شخصيتهم، وإذا فقدوا هذه الفرصة في الحياة فإنهم سيبقون على شرهم الفطري وسوف لن تتغير أخلاقهم السيئة.
وبذلك وكما قلنا سابقاً فإن دور عامل (اكتساب الأخلاق) وعامل (تغيير الأخلاق) لا يصلان في تأثيرهما إلى درجة تأثير العامل الفطري؛ ولهذا السبب سيكون من الطبيعي تصنيف هذه النظرية ضمن النظرية الفطرية الطبيعية.
ب) النظرية الاكتسابية (غير الفطرية): طبقاً لهذه النظرية (فإن النفس البشرية لوح خال من كل شيء وكل ما يسطر عليها تكتبه التجربة)، لذا فإن الإنسان على هذا الأساس لا يأتي إلى هذه الدنيا بأخلاق حسنة أو قبيحة ولكنه سيكتسب هذه الأخلاق من خلال تجاربه الحياتية وفي فترة من التربية والتعليم التي يجتازها. تعطينا هذه النظرية كسابقتها نتيجتين تقابلان النتائج الحاصلة من النظرية السالفة الذكر وهي:
1- وحدة النفوس: أي إن النفوس البشرية ليست متباينة ولا متفاوتة في خلقتها الأولى بل كلها متساوية وتعتريها التفاوتات والاختلافات نتيجة التجربة والتربية والتعليم.
2- إمكان تغيير الأخلاق: وبما أن الأخلاق الفاضلة والسيئة لها منشأ واحد وهو التجربة والتربية والتعليم فإنها قابلة للإنشاء والتكوين وكذلك للتغيير والتبديل، أي إن أخلاق الإنسان تتغير بمرور الزمن واختلاف التجارب والتربية والتعليم؛ فيمكن أن تحل الأخلاق الفاضلة محل السيئة وبالعكس، وذلك لكونها وطبقاً لهذه النظرية مكتسبة في الأصل، كما يعبر عن ذلك الشاعر حافظ الشيرازي (ديوان: طبعة قزوين، الغزل- 379).
في حديقة المجتمع لا توجد زهرة بـــرية
وكل زهرة تنمو كما تربيها وتباريها
لا تلومن زهرة برية في حديقة وجودي
فإن الزهور تنمو كما تربيها
(دكتور أصغر دادبة مجلة النبأ العدد 64).
لماذا علي بن أبي طالب؟؟
السبب الأول: أنه باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في الخبر الصحيح (أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها) و هي الرواية التي وردت بطرق متعددة و صياغات مختلفة أوردها ابن المغازلي الشافعي في مناقب الإمام علي عن ابن عساكر و الخطيب البغدادي و الحاكم في المستدرك و الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال و هناك رواية أخرى (أنا مدينة الحكمة و عي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب) و هي الحقيقة التي لا يمكن لأحد من العقلاء أن يكابر فيها دعك عنك الوهابيين و من على شاكلتهم من الأعراب الأشد كفرا و نفاقا و الذين وصفهم ربنا عز و جل بقوله (بل هم قوم خصمون) لأن هؤلاء مهما جادلتهم بالحق جادلوك بالباطل (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير) غافر 56.
أما السبب الثاني: فهو أنه سلام الله عليه كان صاحب التجربة العملية الواقعية الساعية لتأسيس دولة إسلامية على أسس أخلاقية في مواجهة كل خطوط الانحراف عن الدين بالدين تلك الخطوط التي وقفت حائلا بين الإمام و جهده التأسيسي من خلال تلك الحروب التي شنتها على دولة الحق و العدل العلوي و من خلال مواصلة حربها النفسية و محاولتها طمس معالم المدرسة العلوية إلى يوم يبعثون.
السبب الثالث: هو التكامل الذي صبغ الشخصية العلوية و ميز بينها و بين بقية النماذج المعروضة مهما حاول أساتذة الدعاية و الإعلام أن يجاوزوا بهم السماء و ما فوق السماء.
التكامل الشخصي و تكامل التجربة فالموصوفون بالعدالة في رؤية المدرسة المناوئة لأهل البيت هم من أسسوا لنظام طبقي يتصدر فيه المجاهدون الأوائل المراتب الأولى في لائحة أغنى أغنياء المسلمين و هو ما تسبب بعد ذلك في حروب الجمل و صفين و لولا الكذابين ممن يسمونهم بعلماء الحديث لما وجدنا لهم ذكرا في الأولين و لا في الآخرين أما عن تكامل التجربة الأخلاقية فهو أمر يشهد به المؤرخون المنصفون و لا شك أن الحروب التي شنتها قوى البغي و الفساد على دولة الإمام تعني من بين ما تعني خوفهم و هلعهم من نجاح التجربة و استمرارها كما أن عدم استقرار دولة الإمام في المحصلة النهائية يعني فشل الأمة في الإمساك بالفرصة المتاحة و أن عليها أن تنتظر حتى القرن الحادي و العشرين الميلادي واضعة يدها على خدها لاطمة أو منتظرة ما تجود به عليها الإمبريالية الأمريكية من إصلاحات ديمقراطية مفروضة مرفوضة!!.
ثم يحدثنا جهابذة السياسة العرب عن ضرورة التدرج في الإصلاح و عدم إعطاء المريض الدواء جرعة واحدة حتى لا يموت و كأن هؤلاء قد أصبحوا أطباء الأمة و ليسوا من جلب إليها المزيد و المزيد من الأمراض و سلام الله على الإمام حينما يصف حاضر الأمة بقوله (رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً، وَالدَّاءُ دَوَاءً، وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَح)ُ.
أما السبب الرابع: فهو أن العالم قد بدأ يستشعر الأهمية الكبرى لما قدمه الإمام علي للبشرية عامة و للأمة الإسلامية من وصايا يمكن لها أن تعينها على تأسيس الحكومة الصالحة وهو ما أكد عليه تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية في العالم العربي لعام 2001 عندما استشهد بفقرات كاملة من وصايا الإمام السياسية وهو ما لم يثر شيئا في مخيلة أولئك الحكماء والمثقفين من أدعياء الاستنارة و الرؤية العصرية للإسلام الوالغين حتى الأعماق في عالم التعصب المذهبي ولوغا يعميهم عن رؤية أي صواب و التماس الحق عند أهل الحق من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثم يقولون لنا أن الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها و لو كانت لدى الاتحاد الأوربي أو الصين (شريطة ألا تكون عند أهل البيت عليهم السلام وعند قادتهم) بالرغم من أنهم يقولون أن عليا كان من الخلفاء الراشدين وهم ما زالوا مصرين على الركون إلى إرث الآباء والأجداد من بني أمية فهم على آثارهم مقتدون وبفقههم الاستبدادي القمعي مهتدون و بمصيرهم لاحقون و لا شك أن هذا هو السبب الرئيسي الذي قاد هذه الأمة إلى الجهل و التخلف.
ومن هنا فنحن عندما نقرأ كلمات الإمام المضيئة و وصاياه للأمة الإسلامية نقرأ كلمات لامست أرضية الواقع و ضغوطاته و لم تنحن أمام هذه الضغوطات بل و قدم النموذج الأخلاقي المضيء في الفقه و الحكم و الحكمة و السياسة بل وتركت هذه التجربة بصماتها على تاريخ البشرية ليستضيء بها الساعون من أجل الحق و الحقيقة و المثل الأعلى فالإمام هو الفيلسوف المقاتل و السياسي الحكيم و القائد الفذ و رباني هذه الأمة (فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، واسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ وَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ).
أي أنه لم يكن مجرد حكيم متصوف مهمته المراقبة و التعليم بل كان في قلب الساحة كما كان دائما الأول في مواجهة أعداء الإسلام ومن عجب أن أغلب تلك الكلمات الرائعة والخطب البليغة التي نطق بها جاءت تحت القصف و بين نيران المعارك حتى أنه عليه السلام كان ينصب منبرا على الأحجار ليجيب على أسئلة المستفسرين عن حقيقة الدين.
و من هنا فنحن نعتقد أن علي بن أبي طالب دون سواه قد مثل الامتداد الحقيقي للرسالة الإلهية التي حملها محمد بن عبد الله ص للعالم أجمع رسالة التزكية و التطهير (ربنا و ابعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) البقرة 129  (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا و يزكيكم و يعلمكم الكتاب و الحكمة و يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) البقرة 151 (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) الجمعة آية2 و (التزكية تفعيل من الزكاة بمعنى النمو الصالح الذي يلازم الخير و البركة فتزكيته لهم تنميته لهم نماء صالحا بتعويدهم الأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة فيكملون بذلك في إنسانيتهم فيستقيم حالهم في دنياهم و أخراهم و يعيشون سعداء) تفسير الميزان ج19 ص 306.
ثم تحدث القرآن الكريم في سورة الجمعة حديثا موصولا بقضية التعليم و التزكية عن ذلك النمط الإنساني المتناقض (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) الجمعة 5 فهم قد حملوها علما و لكنهم لم يحملوها خلقا و لا تطبيقا فصار هذا هو مثالهم و هناك مثال أسوأ (و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين* و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه أخلد إلى الأرض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب عن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) الأعراف 175-176.
تلك الرسالة الأمانة التي حملها من حملها من البشر ظلما وعتوا أو قل اغتصبها (و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) ودونك ما قاله الإمام في وصيته للناس من حوله “ثُمَّ أَدَاءَ الأمانة فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّماوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ، وَ الأرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ وَالْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَةِ، فَلاَ أَطْوَلَ وَلاَ أَعْرَضَ، وَلاَ أَعْلَى وَلاَ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَوِ امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُول أَوْ عَرْض أَوْ قُوَّة أَوْ عِزٍّ لاَمْتَنَعْنَ، وَلكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَعَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الإنسان (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)”. نهج البلاغة و بسبب هذا الظلم و الجهل تخبطت الأمة في الظلمات و نازعت أهل الفضل الذي كان و لا زال بيد الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به و يغفر لكم و الله غفور رحيم* لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله و أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم) الحديد 28-29.
لم يكن من العجيب إذا أن المسلمين وقد أصابهم الارتباك والحيرة عندما خالفوا ما أمروا به من دخول البيوت من أبوابها واعتمدوا منطق اللصوص الذين يقفزون من فوق الأسوار بدلا من منطق الرجال المحترمين أن اخترعوا لأنفسهم منظومة للقيم لم يأذن بها الله فكانت النتيجة أن اعتراهم ذلك الداء الأخلاقي الخطير (تهزيع الأخلاق) وهو ما حذر منه إمام الأمة علي بن أبي طالب أي الازدواجية الأخلاقية التي بدأنا نسمع بها الآن كمصطلح معاصر يستخدمه المسلمون في انتقاد السياسة الأمريكية التي أصبحت من وجهة نظر هؤلاء هي المعيار الفاصل بين الحق والباطل والحسن والقبيح فأصبح من يعادي واشنطن و لو لفظيا هو ولي الله الأعظم مهما ارتكب من جرائم الإبادة الجماعية أو الفردية وانتهاك الأعراض ولو كان (التكريتي صدام حسين) و الأبواق الدعائية حاضرة دائما للتبرير و التفسير من دون أدنى حياء و لا خجل و فات كل هؤلاء أن الجريمة جريمة و من يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره حيث يقول الإمام (ثم إياكم و تهزيع الأخلاق و تصريفها و اجعلوا اللسان واحدا و ليخزن الرجل لسانه فإن هذا اللسان جموح بصاحبه و الله ما أرى عبدا يتقي تقوى تنفعه حتى يخزن لسانه و إن لسان المؤمن من وراء قلبه و إن قلب المنافق وراء لسانه لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه فإن كان خيرا أبداه و إن كان شرا واراه و إن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له و ماذا عليه و لقد قال رسول الله صلى الله عليه و آله “لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه” فمن استطاع منكم أن يلقى الله سبحانه و هو نقي الراحة من دماء المسلمين و أموالهم سليم اللسان من أعراضهم فليفعل) شرح النهج ج2 ص 513.
هذه الازدواجية الأخلاقية التي فرضت على المسلمين فرضا هي التي أوصلتهم إلى هذا المأزق الحرج الذي يعانون منه الآن و هم لا يدرون أيثبتون أم ينفون؟؟ أيعتذرون عما فعله أسلافهم من الأولين المقدسين من دون علم و لا هدى و لا كتاب منير أم يصرون على تقديس و احترام ما ارتكبه هؤلاء من أخطاء و خطايا؟؟.
خذ عندك تلك الأسطورة الشهيرة عن حروب الردة التي قتل فيها خالد بن الوليد من قتل من المسلمين ظلما و عدوانا (اقرأ تاريخ الطبري تاريخ الطبري ج3 ص 276-280) حيث جعلوا منها هؤلاء بطولة تاريخية خالدة ثم تبين لهم بعد ذلك أن هناك ثغرات أخلاقية خطيرة في القصة لا يمكن تبريرها هكذا بجرة قلم مثل (زواج) خالد من أرملة مالك بن نويرة في نفس ليلة مقتل زوجها (الكافر) أو الذي جرى تكفيره!! و اضطرار أبي بكر لدفع الدية لضحايا تلك الغزوة فإن كانوا كفارا فلماذا دفع ديتهم و هب أن مالكا كان مرتدا فكيف و في أي دين يمكن أن تؤخذ امرأة من بيت زوجها (الكافر) ليبنى بها في نفس الليلة؟؟!! ثم قارن كل هذا الغثاء بسلوك الإمام علي بن أبي طالب الرفيع مع من قاتلوه ورفعوا السيف عليه وعلى المسلمين في معاركهم الشهيرة بدءا بالجمل وصفين والنهروان وكيف حافظ عليه السلام على حرماتهم التي كانت و لا زالت حرمات للمسلمين مهما ارتكب أصحابها من جرائم و تجاوزات ليست حرمة مالك بن نويرة بأقل منها و الأدهى من هذا كله أن تلك الجريمة التاريخية التي جعلوا منها بطولة رائعة و علامة فاصلة في تاريخ الصراع بين الحق والباطل شكلت المرتكز التي انطلق منه كل الإرهابيين المعادين للحرمات و المنتهكين لها بعنوان (قتال الفئة الباغية) و اسألوا عن دماء المسلمين الأبرياء التي سالت من أفغانستان المنكوبة بهؤلاء إلى الجزائر حيث كان هؤلاء الأوباش يقتلون الرجال و يأخذون النساء المسلمات من أتباع منهج أهل البيت سبايا تماما مثلما صنع خالد الذكر و لما وجد هؤلاء أن الأطفال الرضع يشكلون معضلة فقهية و عملية أفتاهم (أمير المؤمنين الملا عمر و نائبه ابن لادن) بأن يرضخوهم بالحجارة و ما زال الحبل على الجرار.
مدرسة الإمام علي بن أبي طالب السياسية و مطالبات العالم لنا بالإصلاح السياسي!!!.
إنها الضجة المثارة الآن فالولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت بقواتها إلى العراق أي أنها أصبحت تمسك بخناقنا وتضغط على حناجرنا وتطالبنا بالإصلاح السياسي والمعرفي وهي لعمر الله قاصمة الظهر و وصمة العار التي ما منها فكاك ولا مهرب أما الذريعة التي تتذرع بها واشنطن لمطالبتنا بالإصلاح و من ثم وصف أوضاعنا بالفساد فهي أن التخلف السياسي الذي يعاني منه العرب و المسلمون هو الذي قاد تلك القطعان إلى الهجوم على مراكزها الحضارية و المالية في نيويورك و واشنطن و هذا حق لا مراء فيه فقد أصبحت بلدان العالم الإسلامي بفضل هذه النظم الحاكمة بدءا بالنظام الأموي هي المُصَّدر الأول لطالبي حق اللجوء السياسي إلى العالم الذين ضاقوا ذرعا بالحياة في بلدانهم و لم يبق أمامهم إلا الفرار إلى بلدان العالم المتقدم طلبا للأمان و هؤلاء صنفان الصنف الأول هم من المفكرين الحقيقيين و دعاة الإصلاح الحقيقي في بلدانهم و الصنف الثاني هم حملة الفكر الوهابي التكفيري الذين فشلت أجهزة البلدان الإسلامي الأمنية في التعامل معهم و إقناعهم بوجهة النظر الصحيحة و الصائبة في العمل السياسي بافتراض أن وجهة النظر هذه موجودة عند هذه الأجهزة أو أنها قامت بتصديرهم من أجل تحقيق أهداف أخرى موجودة في جرابهم (على طريقة و لي فيها مآرب أخرى!!) ونحن والحمد لله رب العالمين أصحاب تجربة طويلة في التعامل مع هذه الأجهزة و الاستماع إلى حواراتها (الفكرية التصحيحية!!) وعلى سبيل المثال فقد كنت من بين المعتقلين في قضية اغتيال أنور السادات عام 1981 من دون أن أكون من المنتمين إلى التنظيم الذي قام بهذه العملية لا من قريب ولا من بعيد و لكن السياسات الأمنية الخرقاء التي تجنح إلى توسع دائرة البطش و الانتقام زجت بي و بغيري من الأبرياء في هذه القضية عملا بقاعدة القوة الجاهلة (اضرب المربوط يستحيي السائب) ولا زلت أذكر أن من بين أكثر من ألف و مائتي معتقل في هذه القضية لم يجر توجيه الاتهام إلا لبضعة مئات منهم ممن كان لهم دور حقيقي في الاغتيال أو في التنظيم و قبل أن تنتهي فترة الاعتقال جاءوا لنا بما سمي بجلسات الحوار الفكري بقيادة الإعلامي (حلمي البلك) رافعين شعار (إني و إن كنت الأخير زمانه لآت بما لم يأت به الأوائل!!) و جاء هذا البلك معه بجماعة من الدكاترة ممن حملوا بعد ذلك لقب معالي الوزير مكافأة لهم على هذا الإنجاز التاريخي الخارق (!!) ومن بينهم الدكتور الأحمدي أبو النور والدكتور أحمد عبد المقصود هيكل الذي تمثل في إعادة اجترار فقه الخنوع و الخضوع الذي سجله البخاري ومسلم ذلك الفقه الذي يحمل المعنى ونقيضه والذي يحض على السمع والطاعة للانقلابي المتغلب والمهم أن يغلب فيجب له السمع والطاعة والويل كل الويل للمغلوب حيث سيجري سحله وإعدامه بموجب نفس النصوص التي توجب السمع والطاعة له إنه الفقه الذي سنتعرض له في هذا الكتاب.
إذا فالأمة الإسلامية تحتاج إلى إعادة النظر في فكرها ورؤاها وتقديم فكر سياسي جديد ينبع من ثوابتها و يستخرج كنوزها بدلا من إعادة اجترار نفس الكلمات فاقدة المعنى والقيمة  ثم إعادة تدويرها مثل جوارب المؤلفين الذين يعييهم البحث عن أفكار جديدة فيقومون (بقلب الشراب) وبدلا من الإصرار على نفس الكلام الممل (نحن لا نرفض الإصلاح و لكننا نرفض الوصاية!! لأننا لا يمكننا أن نتخلى عن فرض الوصاية التامة و المهلكة على شعوبنا و مفكرينا) تماما مثل أوركسترا تيتانيك تلك السفينة الغارقة التي بقيت تعزف بينما السفينة تغرق.. تغرق .. تغرق فهلا أخبرنا هؤلاء السادة لماذا يصرون على محاربة نهج أهل البيت و الحيلولة بين الناس و التعرف إليه؟ فهل كان علي بن أبي طالب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية؟؟ و هل كانت وصفته للإصلاح التي قدمنا نماذج منها في هذا الكتاب وصفة مفروضة مرفوضة يا قادة أوركسترا تيتانيك أم أن هذا هو دأب كل الهالكين الذين أهلكوا  أنفسهم و شعوبهم و هم يزعمون انهم يحسنون صنعا؟؟!!.
الفساد السياسي يتسول البقاء
عندما جاء إلينا الانقلابيون الثوريون بأسلحتهم وحرابهم ومعتقلاتهم قالوا انهم جاءوا لمحاربة الفساد وأن هذا الفساد هو المسئول عن ضياع فلسطين بسبب صفقة الأسلحة الفاسدة!!!.
مضى أكثر من نصف قرن وما زالت فلسطين ضائعة لم يفلح هؤلاء السادة في استردادها لا حربا ولا سلما أما الفساد فهو الباقي الوحيد و المستفيد الوحيد من بقائهم واستمرارهم و لكنه تحول إلى بغاء سياسي وصفقة الأسلحة الفاسدة التي تذرعوا بها من أجل الوصول إلى الحكم أصبحت صفقات للبغاء السياسي ومن لا يصدقنا فليقرأ ما صنعه صدام حسين التكريتي وزمرته الفاسدة التي جالت بين خلاخيل حياتنا السياسية ولم تترك أحدا إلا أفسدته بحيث لم يصبح السؤال من الذي أخذ بل من الذي لم يأخذ؟؟ و بالرغم من كل هذا ما زال هؤلاء السادة يتسولون البقاء ويستجدون العالم من أجل الاستمرار مصرين على أن بقاءهم مع فسادهم وظلمهم واستبدادهم هو ضرورة ملحة تمليها قضية الشرق الأوسط وتحرير فلسطين والله وحده يعلم أن من سهل سقوط فلسطين هو الفساد السياسي والأخلاقي وأن قيام الدولة الصهيونية التي عاثت و ما زالت تعيث في الأرض فسادا ما كان ليحدث أو ليخطر على البال لولا الفساد و الانحطاط الأخلاقي الذي غمر كل البقاع من المحيط إلى الخليج.
وجهة نظر الكتاب و المفكرين من غير مدرسة أهل البيت لأسباب تدهور الحضارة الإسلامية:
إن الكتاب و المفكرين المسلمين من غير شيعة أهل البيت الذين تصدوا للحديث عن الحضارة الإسلامية وعلاقتها بالجانب الأخلاقي قد انطلقوا في معالجتهم لهذه القضية من فرضية ثابتة وهي أن سلوك الطبقة السياسية الحاكمة في العالم الإسلامي طيلة هذه القرون الطوال كان مطابقا في الغالب الأعم للمعايير الإسلامية وأن الانحراف عن هذا النهج مثل حالة استثنائية معاصرة نتجت عن اختلاط الثقافة الإسلامية بالثقافة الغربية مما أدى إلى تسلل الانحراف إلى الساحة الإسلامية من الخارج ولو بقيت الثقافة الإسلامية كما يقولون في محضنها الأصلي دون أن تتعرض لهذا الغزو المفترض لبقي كل شيء على ما يرام وقد سمعت بأذني من عالم شهير كان و زال موضع تقدير من الجميع أن معاوية بن أبي سفيان كان يحارب علي بن أبي طالب بسبب الخلاف حول المفاهيم المتعلقة بتطبيق الشريعة الإسلامية!!.
ويبقى أننا لسنا من المدافعين عن الغرب ولا من دعاة تقليده ولكننا من دعاة الاعتدال في قراءة الظواهر السياسية التي تحيط بنا وتؤثر فينا إذ أن التطرف في تحميل الغير المسئولية عما نعانيه يعني ببساطة التهرب من تحمل المسئولية عن إصلاح ما ينبغي إصلاحه.
خذ عندك ما قاله سيد قطب في كتابه الأشهر معالم في الطريق  تحت عنوان جيل قرآني فريد (لقد خرجت هذه الدعوة جيلا من الناس جيل الصحابة رضوان الله عليهم  جيلا مميزا في تاريخ الإسلام كله و في تاريخ البشرية جميعه ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى. نعم وجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ و لكن لم يحدث قط أن تجمع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة.  ص 14. ما هو سبب هذا التفرد السبب أن النبع الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن…  القرآن وحده إذا هو النبع الذي يستقون منه و يتكيفون و يتخرجون عليه. ص 15
ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد … ثم ما الذي حدث ؟؟ اختلطت الينابيع بفلسفة الإغريق و أساطير الفرس و تصوراتهم و إسرائيليات اليهود و لاهوت النصارى و تخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل فلم يتكرر ذلك الجيل أبدا. ص. 17
العامل الآخر هو أن الصحابة أي الجيل الأول كانوا يقرءون القرآن كمن يتلقى الأمر ليعمل به فور سماعه كما يتلقى الجندي في الميدان الأمر اليومي ليعمل به فور تلقيه و هو ما أسماه منهج التلقي. ص 18. العامل الآخر لتفرد هذا الجيل من وجهة نظر سيد قطب هو العزلة الشعورية الكاملة بين ماضي المسلم في جاهليته و حاضره في إسلامه تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله و روابطه الاجتماعية فهو قد انفصل تماما من بيئته الجاهلية و اتصل نهائيا ببيئته الإسلامية حتى و لو كان يأخذ من بعض المشركين و يعطي في عالم التجارة و التعامل اليومي فالعزلة الشعورية شيء و التعامل شيء آخر. ص 20 ثم خلص سيد قطب إلى القول (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم فلا بد إذن من أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال النبع المضمون أنه لم يختلط ولم تشبه شائبة نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين و بين الوجود الكامل للحق) ص 21. معالم في الطريق.
بل ويذهب سيد قطب في تطرفه إلى أبعد من هذا عندما يفسر كلمة حضارة بأنها إسلام فيقول في نفس الكتاب:
الإسلام لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي.. والمجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ونظاما وخلقا وسلوكا, أما المجتمع الجاهلي فهو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام ولا تحكمه عقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه.
والمجتمع الجاهلي قد يتمثل في صور شتى كلها جاهلية:
قد يتمثل في صورة مجتمع ينكر وجود الله تعالى ويفسر التاريخ تفسيرا ماديا جدليا ويطبق ما يسميه بالاشتراكية العلمية نظاما وقد يتمثل في مجتمع لا ينكر وجود الله تعالى ولكن يجعل له ملكوت السماوات ويعزله عن ملكوت الأرض فلا يطبق شريعته في نظام الحياة ويبيح للناس أن يعبدوا الله في البيع والكنائس والمساجد ولكنه يحرم عليهم أن يطالبوا بتحكيم شريعة الله في حياتهم..
والمجتمع الإسلامي بصفته تلك هو وحده المجتمع المتحضر والمجتمعات الجاهلية بكل صورها مجتمعات متخلفة ولا بد من إيضاح هذه الحقيقة الكبيرة.
لقد كنت أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان “نحو مجتمع إسلامي متحضر” ثم عدت في الإعلان التالي وحذفت كلمة متحضر مكتفيا بأن يكون عنوان البحث “نحو مجتمع إسلامي”. معالم في الطريق 116-117
كلمة متحضر هي “لغو”!!!
أما عن سبب اكتفاء سيد قطب بكلمة إسلامي وإسقاطه لكلمة متحضر فيكشف عنه بقوله (عندما فكرت في الكتابة عن هذا الموضوع كانت المشكلة عندي هي “تعريف الحضارة” ولم أكن قد تخلصت بعد من رواسب الثقافة الأجنبية والغربية التي كانت تغبش تصوري وتطمسه .. ثم انجلت الصورة لأرى أن المجتمع المسلم هو المجتمع المتحضر وأن كلمة المتحضر هي لغو لا يضيف شيئا جديدا وعلى العكس فإن هذه الكلمة تنقل إلى حس القارئ تلك الظلال الأجنبية الغربية التي كانت تغبش تصوري وتحرمني الرؤية الواضحة الأصيلة!! والاختلاف إذا هو على تعريف الحضارة) ص118.

 

ثم ننتقل إلى مفكر إسلامي آخر هو الدكتور (توفيق الواعي) في كتابه (الحضارة الإسلامية مقارنة بالغرب) حيث يقول (أن فساد المسلمين هو خروج عن المنهج و التعاليم الإسلامية و ليس الفساد أصيلا في تعاليم الحضارة الإسلامية التي قامت:
1- على الإسلام و تعاليمه الربانية و ما كان للمسلمين حضارة بغير تعاليم الإسلام.
2- لم تتمرد الحضارة الإسلامية على التعاليم الإسلامية بل كانت ثمرة من ثماره.
3- أن القرآن و أقوال الرسول والرواد الأوائل جاءت لتأسيس العقيدة و الحضارة معا.
4- القانون الأخلاقي للحضارة الإسلامية والاجتماعي والتربوي ينبع من العقيدة و يقوم عليها.
5- فساد المسلمين كان لخروجهم عن المنهج و تقليدهم للحضارة الغربية و ليس لاعوجاج في المنهج أو عيب فيه.)
ص 492 من الكتاب المذكور.
ثم ينقل عن ألكسيس كاريل (إن الحضارة الغربية هي المنحرفة والناس هناك لا يفسدون لأنهم ينحرفون عنها و لكن لأنهم يسيرون على خطوط تلك الحضارة و يتبعونها بصدق).
ثم ينحي في كتابه هذا باللائمة على الغزو الفكري الغربي وطلائع هذا الغزو من أمثال رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وقاسم أمين و الدكتور طه حسين و يحملهم المسئولية عن انحراف المسلمين عن جادة الطريق سعيا لاقتفاء آثار الغرب الذي وصفه بما وصفه به قبل قليل.
إنه نفس الكلام الذي كرره (المستشار الدكتور علي جريشة) في كتابه (الاتجاهات الفكرية المعاصرة) عن العلمانية و الغزو الفكري منحيا باللائمة على نفس الأسماء التي ذكرناها سابقا محملا إياهم المسئولية الكاملة عن انحراف المسلمين عن جادة الطريق و سقوطهم في هوة التقليد للغرب و الانبهار بحضارته المنحرفة كليا عن الشريعة الإلهية.
و لنا على هذا الكلام عدة تعليقات:
أولها أن الغرب قد حاول بالفعل أن يدمج المجتمعات الإسلامية التي احتلها في منظومته الفكرية و الأخلاقية بل واللغوية كما حدث في الجزائر طيلة فترة الاحتلال الفرنسي و لكن هذا لا يعني ببساطة أنه المسئول وحده عن خروج المسلمين على إسلامهم أو انحرافهم عن الصراط المستقيم لأن كل هذه الأشياء كانت حقيقة واقعة قبل أن يطرق الغرب أبوابنا غازيا و الإضافة الكبرى التي أضافها ذلك الغرب هو أنه حاول أن يجعل انحرافنا و فسادنا تارة على الطريقة الفرنسية و تارة أخرى على الطريقة الإنجليزية و الآن على الطريقة الأمريكية و لكن يبقى في النهاية أن انحراف المسلمين عن أخلاق دينهم هو أقدم بمراحل من ذلك الغزو العسكري أو الثقافي الغربي.
ثانيا: القول بأن كلمة إسلام تساوي حضارة وكل ما عدا الإسلام هو جاهلية هو مغالطة لفظية كبرى – لا لأن الإسلام نفسه لا يساوي حضارة فمبادئ الإسلام هي قمة التحضر والرقي– بل لأن الكلمة تنصرف إلى تلك المفاهيم السائدة عن الإسلام وبعضها ليس من الله في شيء كما أن تجريد الغرب غير المسلم من احترامه للقيم والأخلاق الدينية أو الوضعية هي شطحة كنا نتمنى على سيد قطب ومن ذهب مذهبه ألا يسقط فيها.
وكما يقول الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر وتحديدا في الفصل العاشر من الكتاب تحت عنوان (مسايرة الإسلام للحضارة في العصور المختلفة): “على من يستقبل هذا التفكير بالإنكار مفرقا بين من يفعلون هذا بدافع الحرص والخوف من الآثار الجانبية لهذا الاختلاط الحضاري وبين من يتصنعون هذا الحرص من دعاة الفتنة الذين لا ينعمون إلا بها ولا يسعدون إلا في ظلها فيلفت الانتباه إلى أن الحياة الأوربية ليست إثما كلها وأن الإثم الخالص لا يمكن من الرقي وأن حياتنا الحاضرة وحياتنا الماضية ليست خيرا كلها بل فيها شر كثير والخير الخالص لا يدفع إلى الانحطاط وقد انحطت حياتنا ما في ذلك شك فحياة الأفراد والجماعات في كل زمان ومكان مزاج بين الخير والشر مهما اختلفت أجيال الناس وتباين ما يحيط بهم من ظروف”.
ولو كانت الحضارة الغربية شر محض أو بلا أخلاق لما تقدمت ولو كانت أخلاقيات المسلمين وليس أخلاق الإسلام بالطبع خير محض لما تخلفنا ولما جرى علينا ما جرى!!!.
ثالثا: القول بأن الحضارة الإسلامية لم تتمرد على تعاليم الإسلام بل كانت ثمرة من ثماره هو قول يحتاج إلى تمحيص و نظر فهل كان هذا هو واقع المسلمين أثناء الحقبة الأموية الدموية أو العباسية أو العثمانية حيث كانت هناك دائما الكثير من المخالفات الجوهرية و الخطيرة لأبسط قواعد الدين الإسلامي و أصول العدالة الاجتماعية و حتى القانونية طيلة هذه الفترات ناهيك عن مخالفة هذه النظم لأهم قواعد الشريعة الإسلامية من إقامة الحكم على الشورى و العدل حيث كانت القوة و البطش هي الكلمة النهائية و القانون الفاصل بعيدا عن كل القواعد التي أسسها ديننا الحنيف.
ولسنا بحاجة لأن نعود إلى التاريخ القديم فلدينا الواقع المعاصر وما صنعته (الطالبان) التي خرجت من محاضن هؤلاء الذين ذهبوا إليهم متشفعين ألا يهدموا تماثيل بوذا بينما لم يحرك ما ارتكبه هؤلاء من فجائع في حق الإنسانية ضمائرهم المتحجرة بل وكتب من كتب منهم منكرا وقوع مثل هذه المجازر من الأساس و معتبرا أن هذا الكلام هو محض افتراءات لا أساس لها من الواقع!!.
أليس هذا هو تهزيع الأخلاق الذي حذر منه إمامنا إمام الحق علي بن أبي طالب عليه السلام؟؟.
أليس هؤلاء هم المطففون (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون* و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون* ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون* ليوم عظيم* يوم يقوم الناس لرب العالمين) المطففين 2-6.
أن الحديث عن (أن القرآن وأقوال الرسول والرواد الأوائل جاءت لتأسيس العقيدة والحضارة معا) هو ما يحتاج إلى بينة وبرهان وأدلة من أرض الواقع توضح هذه النماذج بدلا من اقتطاف أسطورة من هنا وطرفة من هناك وبالتالي فالأمر لا يمكن قبوله والتسليم به في إطار هذا العموم وعلى سبيل المثال فعندما حاول المسلمون تطبيق الوعد الذي قطعوه على أنفسهم للخليفة الأول (لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا) على الخليفة الثالث عندما استأثر فأساء الأثرة لم ينصفهم أحد بل اعتبرهم المؤرخون مجموعة من الخونة و المتآمرين الذين قتلوا (الخليفة الثالث المظلوم) و بقي بنو أمية بعد تلك الواقعة سنين عددا يعملون السيف في رقاب المسلمين انتقاما من هؤلاء الثوار المطالبين بالعدل من دون أن ينصفهم المؤرخون أو المفكرون و ازداد طيننا بلة عندما ألصق بهؤلاء الثوار تهمة العمالة للصهيونية العالمية ممثلة في عميلها الأقدم عبد الله بن سبأ ومن يومها إلى يومنا هذا وهذه الأقوال التأسيسية التي تحدث عنها الكاتب لا تتحدث إلا عن مجموعة من المبادئ للعرض وليست للاستخدام فضلا عن أنها قدمت نماذج تطبيقية مفككة باستثناء إمام الحق علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كانت دائما أفعاله تسبق أقواله و تأتي الأقوال شارحة و موضحة و مؤسسة لتلك الأخلاقية العالية التي ليس عنها غنى لأي أمة (لا تريد علوا في الأرض و لا فسادا).
أما الأدهى والأطم فهو ما يدعيه هؤلاء من أن فساد المسلمين كان بسبب تقليدهم للحضارة الغربية وانبهارهم بها وهو قول مضحك ومخجل في آن واحد فضلا عن كونه تفسيرا بالغ السطحية والسذاجة و يفتقد إلى أي معرفة أو قراءة لتاريخ المسلمين والجرائم التي ارتكبتها تلك الفئات المتسلطة على الحكم من قتل وسحل وإبادة جماعية ومحاربة للعلم والحضارة مثلما فعل صلاح الدين الأيوبي من تدمير مكتبة القاهرة أما دور الغرب الحقيقي في صنع هذا التخلف فهو لا يزيد عن انتقال هؤلاء المنتسبين للإسلام إلى حالة التقليد الشكلي لهذا الغرب في اللباس وقواعد الأناقة والعري فبدلا من أن تتم عمليات القتل والإبادة الجماعية على يد أناس يرتدون الجلباب ويمسكون السيف والرمح ويركبون الخيل أصبح القتلة يرتدون الجينز ويركبون السيارات ذات الدفع الرباعي ويستخدمونها في صناعة السيارات المتفجرة ويستخدمون الأسلحة الكيماوية ويحفرون المقابر الجماعية بالبلدوزر وأصبح رجال السياسة يمارسون الطائفية العنصرية البغيضة بشعارات علمانية و أثواب اشتراكية و أحيانا ديمقراطية أما الحقيقة تحت أربطة العنق فهي هي نفس الحقيقة الأموية السفيانية  فهل يشكل هذا دليلا على التدخل الغربي لإفساد المسلمين وصرفهم عن الدين (؟؟!!!!) وهو ما عكر مزاج هؤلاء السادة المفكرين والمنظرين الذين لم يمانعوا يوما في ارتكاب المتسلطين على رقاب المسلمين لكل هذه الجرائم و الموبقات طالما أن نساءهم كن يخرجن متربقعات متحجبات أما إضافة السفور إلى لائحة المخالفات فلا و ألف لا فالمهم أن يبقى القمع و القتل على الطريقة الشرقية!!.
إن أي باحث لديه مسكة من عقل يعلم أن التزامن لا يعني بحال من الأحوال وجود علاقة سببية بين أمرين فعندما يموت الإنسان تأتي الديدان بعد فترة لتلتهم هذا الجسد فهل يعني هذا أن الديدان هي التي قتلته و الأمة التي فشلت أخلاقيا عندما أسلمت أمرها لبني أمية و قتلت أهل البيت أمهلها الله عديد القرون ثم جاءهم الغرب متفوقا ليحتلهم و يأكل ثرواتهم فمن يا ترى المسئول عن مأساتهم هم أم الغرب الذي جاء لينتهز الفرصة السانحة؟؟.
الحضارة والسياسة والأخلاق في المنظور الغربي:
صمويل هنتجتنون في كتابه الشهير (صراع الحضارات) الذي انبرى العشرات من كتابنا للرد على عنوانه لا على مضمونه:
لقد كشف المفكرون الفرنسيون عن فكرة الحضارة وطوروها كنقيض لمفهوم البربرية فالمجتمع المتحضر يختلف عن المجتمع البدائي لأنه كان مستقرا ومدينيا وليس أميا كان من الحسن أن تكون متحضرا ومن السيئ ألا تكون..
مفهوم الحضارة قدم معيارا نحكم به على المجتمعات وخلال القرن التاسع عشر كرس الأوربيون الكثير من الجهد الفكري والسياسي لشرح المعيار الذي يمكن على أساسه الحكم على المجتمعات غير الأوربية إن كانت متحضرة بما يكفي حتى يمكن قبول عضويتها في النظام العالمي الذي تسيطر عليه أوربا.
كيان ثقافي؟؟
الحضارة كيان ثقافي خارج ألمانيا.. لقد وضع المفكرون الألمان في القرن التاسع عشر تمييزا حادا بين الحضارة التي تتضمن الآلات والعوامل المادية وبين الثقافة التي تتضمن القيم والمثل والصفات الذهنية والفنية والأخلاقية الراقية في المجتمع وظل هذا التمييز قائما في الفكر الألماني وإن كان لم يقبل في أي مكان آخر.
وهناك اتفاق عام خارج ألمانيا على أن من المضلل أن نحاول فصل الثقافة عن أساسها الحضارة.
الحضارة والثقافة كلاهما يشير إلى مجمل أسلوب الحياة لدى شعب ما والحضارة هي ثقافة على نطاق أوسع وكلاهما يضم المعايير والقيم والمؤسسات وطرائق التفكير التي علقت عليها أجيال متعاقبة أهمية أساسية في مجتمع ما … الحضارة عند برودل فضاء.. مساحة ثقافية.. ومجموعة من المواصفات الثقافية كما أنها ظاهرة ويعرفها وولرشتاين بأنها نظرة مركزة إلى العالم والعادات والبنى الثقافية المادية والراقية معا التي تكون نوعا من الكل التاريخي والتي تتعايش وإن لم يكن دائما في نفس الوقت مع ظواهر متنوعة.
الحضارة عند داوسن نتاج عملية أصيلة خاصة من الإبداع الثقافي والتي هي من صنع شعب ما بينما هي عند دوركهايم وماوس نوع من وسط أخلاقي يضم عددا معينا من الأمم كل ثقافة وطنية هي شكل خاص من الكل وعند شبنجلر الحضارة هي المصير الحتمي للثقافة أي أن الثقافة هي الفكرة العامة في كل تعريف للحضارة تقريبا.
الحضارات أيضا شاملة بمعنى أن أي جزء من مكوناتها لا يمكن فهمه تماما دون الرجوع إلى الحضارة التي تضمه حيث يقول توينبي الحضارة تشمل ولا يشملها غيرها.
الحضارة هي الكيان الثقافي الأوسع وهكذا فإن الحضارة هي أعلى تجمع ثقافي من البشر وأعرض مستوى من الهوية الثقافية يمكن أن يميز الإنسان عن الأنواع الأخرى وهي تعرف بكل من العناصر الموضوعية العامة مثل اللغة والتاريخ والدين والعادات والمؤسسات والتحقق الذاتي لدى البشر والحضارة هي أوسع مستوى من التعريف الذي يمكن أن يعرف بها نفسه الحضارات هي نحن الكبرى التي نشعر ثقافيا بداخلها أننا في بيتنا في مقابل هم أي الآخرين خارجنا. صراع الحضارات ص67-71 نشر (سطور).
الحضارات فانية أي أنها ليست أبدية إلا أنها أيضا تعيش طويلا فهي تتطور وتتكيف وهي أكثر الجماعات الإنسانية ثباتا وتحملا وكما يقول بوزيمان فإن (التاريخ الدولي يوثق عن حق أطروحة أن النظم السياسية حيل زائلة على سطح الحضارة وأن مصير كل مجتمع متحد لغويا ومعنويا يعتمد تماما على بقاء أفكار بنية أساسية تجمعت والتحمت حولها أجيال متتالية وبالتالي فهي ترمز إلى استمرارية المجتمع).
وبينما الحضارات تبقى إلا أنها تتطور أيضا وهي حركية تنهض وتسقط تتحد وتنقسم وكما يعرف كل دارس للتاريخ فهي أيضا تندثر وتدفن في رمال الزمان ويرى كويجلي أن الحضارات تتحرك عبر سبع مراحل الامتزاج, الحمل, التوسع, عصر الصراع, الإمبراطورية الكونية, التآكل, الغزو. ص 72 المصدر السابق.
نحن والغرب:
الغرب إذا قد طور وقدم أنموذجا واقعيا للحضارة والأخلاق.
أنموذج يقف الآن في أرض الواقع وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه في بعض أو كل جوانبه فإنه يبقى أنموذجا واقعيا وليس نموذجا يجري استحضاره عبر أساطير الفولكلور التاريخي الإسلامي وأقاصيص ألف ليلة وليلة التي يحدثنا دوما عن أسطورة ابن عمرو بن العاص مع الخليفة عمر ويتجاهل ما فعله عمرو نفسه مع الإمام علي بن أبي طالب أو مع محمد بن أبي بكر عندما أدخله في جوف حمار وأحرقه بالنار أو يحدثنا عن عظمة هارون الرشيد ويتغافل عن الطريقة التي قتل بها نديم الكأس جعفر بن يحيى حينما قطعه أجزاء وضع على كل جسر من جسور بغداد منهن جزءا أو أنه قتل الإمام الكاظم أفضل أهل زمانه مسموما في سجنه.
وهذا هو الفارق بيننا وبين الغرب.
الغرب قدم أنموذجا مختلفا عليه ولكنه موجود كله أو جله في أرض الواقع أما نحن فلا نملك إلا حكايات الأساطير فضلا عن التغني بزمن الحب المملوكي الجميل قبل أن ننهي وصلة الطرب بحكاية القصعة الشهيرة التي يرقد فيها المسلمون لتتناهشهم الأمم!!!.
ولا زال الكل يجرب فينا!!!.

لماذا الربط بين السياسة و الأخلاق؟؟
يعرف الباحثون الفلسفة السياسية بأنها تلك الفلسفة التي تهتم بالمسائل الأساسية التالية: مسألة الحرية، مسألة العدالة مسألة الديمقراطية، ثم مسألة النظام العالمي الجديد و لا شك أن هذه القضايا تتداخل مع الجدل الدائر الآن في العالم الإسلامي حول ما يسمى بفرض الديمقراطية و تجديد الخطاب الديني و العلاقة بين الديمقراطية و الإسلام و كلها مسائل تربط ما بين السياسة و الأخلاق و أذكر ذات يوم نقاشا دار حول اختفاء أحد الشخصيات السياسية الدينية الرفيعة في عالمنا الإسلامي ذلك الاختفاء الذي عجز الرأي العام العربي عن معرفة السبب الحقيقي وراءه في حين أن ما حدث من تآمر على الرجل من وراء الكواليس معروف لأغلب من توسطوا في محاولة حل القضية فقد جرى استدراج الرجل من قبل (زعيم ثورة) ليقتل تصفية لخلاف سياسي بينه و بين إحدى الجهات و هو ما يمثل أدنى و أحط سلوك عرفته البشرية منذ أن قتل قابيل هابيل و هذه هي السياسة في عالم يسمونه بالإسلامي.
و الواقع أننا نحن المسلمين لم نتجاوز بعد مرحلة محاولة التأسيس لنظام سياسي لم نتفق بعد على حقيقته قدر اتفاقنا على تكرار معزوفة الديمقراطية و حقوق الإنسان و العلمانية و تلك العبارات و المصطلحات التي أشك في أن من يرددونها يعرفونها أو يعرفون القصد من وراء ترديدهم لهذا الكلام و لا أعتقد أن النية تتجاوز تلهية الناس و تمضية ما تبقى من العمر و المشكلة الكبرى كانت و لا زالت هي غلبة البعد الشخصي الإنساني على القرار السياسي… إنها أبدا ليست الأفكار أو الأيديولوجيات أو السياسات هي التي تحرك المسار قدر السمات الشخصية لمالكي السلطة و القرار.
من هنا تبدو الأهمية البالغة لهذا الربط في الماضي و الحاضر و المستقبل ليعرف الناس أي مستقبل ينتظرهم تحت إمرة أناس لا خلاق لهم.
مدرسة الأخلاق و غائية التربية الأخلاقية عند الإمام علي بن أبي طالب:
تحدثنا سابقا عن الرؤى المختلفة للمدارس الفكرية حول النظريات الأخلاقية و هل الأخلاق إكتسابية أم فطرية و رؤية نصير الدين الطوسي لهذه القضية أي الجمع بين الاكتسابي و الفطري و هو ما نراه واضحا جليا في (فلسفة) الإمام علي الأخلاقية أما الفطري الموروث في الجينات الإنسانية فنراه في تفسيره لقوله تعالى في سورة الفتح (و هو الذي كف أيديهم عنكم و أيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم و كان الله بما تعملون بصيرا* هم الذين كفروا و صدوكم عن المسجد الحرام و الهدي معكوفا أن يبلغ محله و لولا رجال مؤمنون و نساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) آية 24- 25 سورة الفتح- ذلك التفسير المنقول عنه و عن الإمام الصادق عليه السلام ذكره علي بن إبراهيم قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام ألم يكن علي قويا في بدنه قويا في أمر الله؟؟ قال له أبو عبد الله عليه السلام بلى قال له فما منعه أن يدفع أو يمتنع قال قد سألت فافهم الجواب منع عليا من ذلك آية في كتاب الله فقال و أي آية فقرأ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إنه كان لله ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين و منافقين فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع فلما خرج ظهر على من ظهر و قتله و كذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبد حتى تخرج ودائع الله فإذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله) تفسير القمي ج2 ص 323.
و كذلك ما ذكره العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ” نطف مؤمنة في أرحام كافرة لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما… لو أخرج الله ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين و ما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) و هو عين ما ذكره الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في حديثه لكميل بن زياد عن هذا الجيل المستقبلي الذي افتقده الإمام في صدر التاريخ الإسلامي إبان احتدام المواجهة بينه و بين النهج الأموي السفياني: (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله و بيناته و كم ذا وأين أولئك و الله الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا يحفظ الله بهم حججه و بيناته حتى يودعوها نظراءهم و يزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة و باشروا روح اليقين و استلانوا ما استوعره المترفون و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون و صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه و الدعاة إلى دينه آه آه  شوقا إلى رؤيتهم). نهج البلاغة ج 4 ص 311. إذا فهؤلاء قوم مؤهلون بالفطرة لبلوغ مرحلة من الكمال الأخلاقي دون كمال الأئمة بكل تأكيد ولكنه كمال ضروري تحتاجه الأمة حتى يتسنى لهم القيام بمهمتهم الإصلاحية العسيرة والشاقة وهم أيضا مشمولون مع غيرهم من عامة البشر بالخطاب التربوي الرسالي الصادر من السماء سواء انتقل إليهم هذا الخطاب عبر القرآن أو عبر الحديث الشريف الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أئمة الحق من آل محمد وأولهم علي بن أبي طالب سيد الأوصياء و إمام الأتقياء.

 

الغاية من التربية الأخلاقية في مدرسة الإمام:
أما عن غائية التربية الأخلاقية السياسية في فلسفة الإمام فهي تربية تهدف أولا إلى إنشاء الدولة الإسلامية الحقيقية دولة العدل الإلهي تلك الدولة التي تقوم على أسس الأخلاق الفاضلة ودستور الفضيلة غير المكتوب الذي تتربى عليه الأمة في مدارسها ومساجدها وأحزابها السياسية ووسائل إعلامها  والتي تستند استنادا حقيقيا وليس زائفا لقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور) سورة الحج 41.
من هنا تبدأ وتتأسس الدولة الإسلامية لا من المحاكم التي يعتقد البعض أنها دون غيرها هي المسئولة عن إقامة الشرع والدين فهؤلاء البسطاء الذين ابتلي بهم ديننا العظيم كانوا وما زالوا يعتقدون (أن سيدنا معاوية كان يطبق الشريعة الإسلامية وأن الخلاف بينه وبين الإمام كان خلافا حول تفسير بعض النصوص) ثم هي تهدف ثانيا إلى تأسيس وإنشاء الكادر الرسالي القادر على مواجهة التحديات الأخلاقية والسياسية والحضارية التي ستجابه الأمة في مسيرها التاريخي ذلك الكادر المفقود في بدايات الأمة التاريخية والذي ازدادت الحاجة الآن إلى تأسيسه.
لقد أظهرت العديد من التجارب الفاشلة التي خاضها المصلحون المعاصرون الحاجة الملحة لتقديم هذا النموذج الأخلاقي خاصة عندما حاولوا البناء و التأسيس على  تلك النماذج الفكرية و الأخلاقية المقدسة تلك النماذج المحملة بالتناقضات التي تحدثنا عنها في صدر هذا البحث ولا شك أنها تربية تختلف عن تلك السائدة في أروقة الساحات الصوفية التي تزعم انتسابها إلى أهل بيت العصمة والنبوة والطهارة و هي أشد اختلافا عن التربية الأخلاقية التي تقدمها تلك الجماعات المسماة بالإسلامية التي شكلت امتدادا نفسيا وفكريا للمشروع الخوارجي العدواني الأول و الأهم من هذا أن هذه التربية تكاد تكون غير موجودة في بعض الساحات الشيعية الراكدة و التي اعتادت على التعامل مع الساحة الفكرية و السياسية من خلال الجدل الدائر حول ما حدث يوم السقيفة وكفى ومحاولة إبراز مثالب المخالفين لأهل البيت سواء من الناحية التاريخية أو الفقهية من دون أن تهتم اهتماما حقيقيا بتربية كوادر رسالية تعمل على تغيير الواقع البائس الذي تعيشه الأمة ولا شك أن التجارب السياسية التي عاشتها وتعيشها الساحة الشيعية في إيران و العراق و تجربة حزب الله في لبنان قد دفعت بهذا التيار التربوي السياسي إلى مقدمة الاهتمامات.
لقد اطلعت على ما يكتبه بعض المشاهير واستمعت لبعضهم بشكل مباشر في تحليلهم لواقع العالم الإسلامي الفكري والسياسي المعاصر و الذي يضطرهم في غالب الأحيان للعودة إلى نفس المناطق التاريخية التي نتحدث عنها مثل حروب الإمام علي مع الخوارج و أهل الجمل و بني أمية  فعجبت أشد العجب من لجوءهم المستمر لسياسة الدفاع عن النفس و سياسة تبرئة الذات من تهمة التشيع وأنهم من أهل السنة وينطلقون من منطلقاتهم والواقع أنني كنت مستعدا لأن أكون أكثر احتراما لما يقدمونه وما يطرحونه (وفيه الكثير من العناصر الجيدة من دون أدنى شك) لو أنهم أعلنوا انطلاقهم من الولاء للحقيقة العلمية أيا كانت النتيجة التي سيتوصلون إليها و من ثم سيقدمونها للرأي العام على أنها استنتاجهم الذي توصلوا إليه ولكنهم ولخوفهم الشديد ولا أدري من أي شيء؟! لم يفعلوا ما أمرهم الله عز و جل به و هو الذي أمر نبيه أن يجادل مخالفيه في الرأي و المعتقد من هذه النقطة نقطة الاستواء في الاحتمال (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) الزخرف 81(ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين). آل عمران 61
و هكذا فقد حكم المسلمون على أنفسهم بالبقاء في نقطة مبدأهم يراوحون مكانهم بينما انطلق العالم من حولهم يناقش و يحاور و يجادل و يستخلص النتائج بينما نحن ما زلنا عند أصنامنا الفكرية عاكفون و للحقيقة عائفون.
مدرسة الإمام علي الأخلاقية السياسية بين الواقعية و المثالية المفرطة:
تحدث ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة عن بعض الانتقادات الموجهة لسياسات الإمام علي حيث قال (و اعلم أن قوما ممن لا يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين عليه السلام زعموا أن عمر كان أسوس منه و إن كان هو أعلم من عمر وصرح الرئيس أبو علي بن سينا بذلك في الشفاء في الحكمة و كان شيخنا أبو الحسين يميل إلى هذا و قد عرض به في الغرر ثم زعم أعداؤه و مبغضوه أن معاوية كان أسوس منه و أصح منه تدبيرا) ص 572 ج2. و الواقع أن السمة الغالبة على سياسات الإمام علي بن أبي طالب كانت هي التزامه الأخلاقي التزاما ثابتا في حين كان تعامله مع الواقع تعاملا مرنا بما تقتضي الظروف و الملابسات فها هو يقول قي خطبته الشقشقية ( أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ. فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذىً، وَفي الحَلْقِ شَجاً، أرى تُرَاثي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الأول لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فلان بَعْدَه وفاته) شرح النهج ج1 خطبة 3.
لقد كان سكوته و صبره عليه السلام على هذه المحنة نوعا من السلوك الواقعي الذي يلائم بين ضرورات الواقع و المرحلة و ضرورات المبدأ فيؤجل شيئا من أجل الحفاظ على ما هو أجدى و أهم في حين أن تصديه سلام الله عليه لمن خرجوا على النظام الإسلامي إبان خلافته كان موقفا مبدئيا أخلاقيا أملته ضرورات الواقع أيضا حيث يقول سلام الله عليه (فَلَمَّا نَهَضْتُ بالأمر نَكَثَتْ طَائِفَةٌ و َمَرَقَتْ أُخْرَى وَفَسَقَ [وقسط ]آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخرة نَجْعَلُهَاِ للَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الأرض وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِر، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم، لألقيت حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، لألفيتم دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز).
إذا فالموقف العلوي و إن بدا للناظر السطحي موقفا مثاليا متشددا إلا أنه كان موقفا واقعيا حيث كانت الظروف في الحالة الأولى تملي الصبر و الانتظار (أصول بيد جذاء – أي لا ناصر و لا مانع) أما في الحالة الثانية مع وجود الأنصار و التفاف الناس حول إمام الحق و العدل حتى و لو كان التفافا مرحليا (لولا قيام الحجة بوجود الناصر و ما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها) فقد وجب الاستفادة من الفرصة السانحة للتغيير و الإصلاح.
أيضا فإن النقد الموجه للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كان من الأولى أن يوجه لأولئك الذين تمردوا و خالفوا و شقوا عصا الطاعة المفروضة عليهم لإمام الحق و بينما يجري التغاضي عما وقع فيه هؤلاء من أخطاء و خطايا و محاولة تحسينها عبر وسائل الدعاية و الإعلام نرى من يتطاول على مقام إمام الحق من آل محمد و هو سلام الله عليه كان يقول (فإن أقل يقولوا حرص على الملك و أن أسكت يقولوا خاف من الموت) أي أن القوم لن يرضوا عن إمام الحق قال أم لم يقل!!.
الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يرسي معالم الأخلاق في مسيرته السياسية.
عجبت لأمر هذه الأمة التي تصرخ الآن مطالبة بالإصلاح فلا تجد من يقدر على القيام بهذا العبء و أنى لهم هذا و فاقد الشيء لا يعطيه و كيف لأمة ما زالت تقارن بين علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان و تزعم أن كلاهما كان مجتهد أحدهما مصيب له أجران هو الإمام علي و الآخر مجتهد مخطئ له أجر واحد هو ابن آكلة الأكباد و من عجب أن هؤلاء و من على شاكلتهم كتبوا رسالة إلى السيد/ حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله مستنكرين فيها قبول ممثلي الشعب العراقي المظلوم و الخارج توا من المحرقة الصدامية بالاشتراك في حكم العراق المحتل بعنوان الاجتهاد صارخين (كيف يمكن لنا وصف هذا بالاجتهاد؟؟) كيف لمثل هذه الأمة أن ترى من أمرها رَشدا؟؟.
و لنعرج على السيرة السياسية للإمام فهو عندما حسم أمره مع أهل الجمل و دخل إلى الكوفة منتصرا جاءه من شهد معه معاركه و من تخلف عنه فعاتب المتخلفين عنه بقوله (ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال فأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة) فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي وكان صاحب شرطته فقال: والله إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا والله لئن أمرتنا لنقتلنهم فقال علي: سبحان الله يا مال جزت المدى وعدوت الحد وأغرقت في النزع فقال يا أمير المؤمنين لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الأعادي فقال علي ليس هكذا قضى الله يا مال قتل النفس بالنفس فما بال الغشم وقال (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) . والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك فقد نهى الله عنه وذلك هو الغشم). صفين نصر بن مزاحم.
لم يكن الإمام علي بن أبي طالب وهو القائد المحنك عاجزا عن استخدام أسلوب الخداع والغشم من أجل إجبار الأتباع على السير خلفه والانصياع ولكنه وضع المبدأ عندما عاتب هؤلاء الأتباع فقال: (كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَالثِّيَابُ الْمتَدَاعِيَةُ! كُلَّما حِيصَتْ مِنْ جَانِب تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ، كُلَّما أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُل مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ في جُحْرِهَا، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا. الذَّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِل إِنَّكُمْ ـ وَاللهِ ـ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ، قَليِلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَلكِنِّي واللهِ لاَ أَرى إِصْلاَحَكُمْ بَإِفْسَادِ نَفْسِي. أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ! لاَ تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ،وَلاَ تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبطَالِكُمُ الْحَقَّ!) خطبة 69 نهج البلاغة.
وصدق الإمام عليه السلام (ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي)!!!.
على الطرف المقابل فإن الإمام علي كان يواجه النموذج الأبرز للانحطاط الأخلاقي و السياسي المتمثل في النهج الأموي ذلك النهج الفاجر الذي لا يبالي بانتهاك كل ما يحتاج إلى انتهاكه من معايير الحضارة و الأخلاق و هو النهج الذي اعتمدته أغلب النظم السياسية التي ولدت من رحم هذا النظام المنحط من خلال استخدام الكذب و التزييف و الاختلاق و دونكم رواية كتاب صفين عن الطريقة التي استطاع بها ابن آكلة الأكباد أن يغير اتجاه الرأي العام الشامي ليقف معه في مواجهة الإمام علي بن أبي طالب و هذه الرواية التي سنذكرها تنفي إلى حد كبير الفكرة الشائعة من أن ابن آكلة الأكباد كانت له الكلمة الأولى و الأخيرة على الرأي العام الشامي لأنه لم يتمكن من جره لصفه في حربه ضد الإمام إلا من خلال تلك الخدعة السياسية الكبرى فقد أرسل إليه الإمام جرير بن عبد الله البجلي بهذه الرسالة (بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ؛ لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان علي ما بويعوا عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي وكان نقضهما كردهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإن أحب الأمور إلى فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله . فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن . ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان . واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم الشورى وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله ، وهو من أهل الإيمان والهجرة . فبايع ولا قوة إلا بالله». فاستشار معاوية المحيطين به فأشاروا عليه بشراء عمرو بن العاص فجاء عمرو و أبرم معه تلك الصفقة الشهيرة قال (لما بات عمرو عند معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة له وكتب له بها كتابا و قال : ما ترى في علي؟ قال: أرى فيه خيرا أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق ومن عند خير الناس في أنفس الناس ودعواك أهل الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد ، ورأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي وهو عدو لجرير المرسل إليك فأرسل إليه ووطن له ثقاتك فليفشوا في الناس أن عليا قتل عثمان  وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل ؛ فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب ، وإن تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبدا فكتب إلى شرحبيل: «إن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند علي ابن أبي طالب بأمر فظيع فاقدم» . ودعا معاوية يزيد بن أسد وبسر بن أرطاة  وعمرو بن سفيان  ومخارق بن الحارث الزبيدي ، وحمزة بن مالك ، وحابس بن سعد الطائي ـ وهؤلاء رءوس قحطان واليمن ، وكانوا ثقات معاوية وخاصته ـ وبني عم شرحبيل بن السمط ، فأمرهم أن يلقوه ويخبروه أن عليا قتل عثمان فلما قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار أهل اليمن فاختلفوا عليه ، فقام إليه عبد الرحمن بن غنم الأزدي ، وهو صاحب معاذ بن جبل وختنه وكان أفقه أهل الشام ، فقال : يا شرحبيل بن السمط ، إن الله لم يزل يزيدك خيرا مذ هاجرت إلى اليوم ، وإنه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من الناس ولا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم إنه قد ألقى إلينا قتل عثمان ، وأن عليا قتل عثمان، فإن يك قتله فقد بايعه المهاجرون والأنصار ، وهم الحكام على الناس ، وإن لم يكن قتله فعلام تصدق معاوية عليه؟ لا تهلك نفسك وقومك . فإن كرهت أن يذهب بحظها جرير فسر إلى علي فبايعه على شامك وقومك فأبى شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية فلما قدم على معاوية تلقاه الناس فأعظموه (تأمل في أساليب النصب و الاحتيال!!) ودخل على معاوية فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: يا شرحبيل ، إن جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة علي ، وعلى خير الناس لولا أنه قتل عثمان بن عفان و قد حبست نفسي عليك ، وإنما أنا رجل من أهل الشام ، أرضى ما رضوا وأكره ما كرهوا فقال شرحبيل: أخرج فانظر . فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطؤون (شهود الزور!!) له فكلهم يخبره بأن عليا قتل عثمان بن عفان . فخرج مغضبا إلى معاوية فقال: يا معاوية ، أبى الناس إلا أن عليا قتل عثمان و والله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك . قال معاوية: ما كنت لأخالف عليكم ، وما أنا إلا رجل من أهل الشام . قال فرد هذا الرجل إلى صاحبه إذا . قال : فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق ، وأن الشام كله مع شرحبيل (و ليس مع معاوية!!)  فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال ابعث إلى جرير [فليأتنا] فبعث إليه حصين : أن زرنا ، فإن عندنا شرحبيل بن السمط . فاجتمعا عنده ، فتكلم شرحبيل فقال: يا جرير أتيتنا بأمر ملفف لتلقينا في لهوات الأسد وأردت أن تخلط الشام بالعراق وأطرأت عليا  وهو قاتل عثمان والله سائلك عما قلت يوم القيامة  فأقبل عليه جرير فقال: يا شرحبيل أما قولك إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون أمرا ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار ، وقوتل على رده طلحة والزبير . وأما قولك إني ألقيتك في لهوات الأسد ففي لهواتها ألقيت نفسك وأما خلط العراق بالشام فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل . وأما قولك إن عليا قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد ولكنك ملت إلي الدنيا وشئ كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص وكتب جرير إلى شرحبيل :
شرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى *فمـا لك في الدنيا من الدين من بدل
وقل لابـ ن حرب مالك اليوم حرمة  * تروم بها ما رمت ، فاقطع له الأمل)
شرحبــيل إن الحق قد جد جــده  *وإنك مأمــون الأديم من النغــل
فأرود ولا تـفرط بشــئ نخـافه * عليك ، ولا تعجل فلا خير في العجل)
ولا تك كالمجرى إلى شــر غاية  * فقد خـرق السربال واستنوق الجمل
وقال ابن هند في علي عضــيهة  *ولله فـي صدر ابن أبي طالب أجل
وما لعلي في ابن عفان سـقــطة * بــأمر ، ولا جلب عليه ، ولا قتل (6)
وما كـان إلا لازما قــعـر بيتــه  *إلى أن أتــى عثمان فـي بيتـه الأجل
فمــن قال قــولا غير هذا فحسبه  * من الزور والبهتان قول الذي احتمل (1)
وصي رسـول الله مــن دون أهله  *وفارســه الأولى به يضرب المثل (2)
فلما قرأ شرحبيل الكتاب ذعر وفكر ، وقال : هذه نصيحة لي في ديني ودنياي لا والله لا أعجل في هذا الأمر بشيء وفي نفسي منه حاجة فاستتر له القوم ، ولفف له معاوية الرجال يدخلون إليه ويخرجون ، ويعظمون عنده قتل عثمان ويرمون به عليا ، ويقيمون الشهادة الباطلة والكتب المختلفة ، حتى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه وبعث معاوية إلى شرحبيل بن السمط فقال : « إنه كان من إجابتك الحق وما وقع فيه أجرك على الله وقبله عنك صلحاء الناس ما علمت وإن هذا الأمر الذي قد عرفته لا يتم إلا برضا العامة ، فسر في مدائن الشام ، وناد فيهم بأن عليا قتل عثمان ، وأنه يجب على المسلمين أن يطلبوا بدمه» فسار فبدأ بأهل حمص فقام خطيبا ، وكان مأمونا في أهل الشام ناسكا متألها ، فقال « يا أيها الناس ، إن عليا قتل عثمان بن عفان ، وقد غضب له قوم فقتلهم ، وهزم الجميع وغلب على الأرض فلم يبق إلا الشام . وهو واضع سيفه على عاتقه ثم خائض به غمار الموت حتى يأتيكم أو يحدث الله أمرا ، ولا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية فجدوا وانهضوا» فأجابه الناس إلا نساك أهل حمص فإنهم قاموا إليه فقالوا : بيوتنا قبورنا ومساجدنا ، وأنت أعلم بما ترى.
كما روى نصر عن عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي ، أن شرحبيل ابن السمط بن جبلة الكندي دخل على معاوية فقال: أنت عامل أمير المؤمنين وابن عمه ونحن المؤمنون فإن كنت رجلا تجاهد عليا وقتلة عثمان حتى ندرك بثأرنا أو تفنى أرواحنا استعملناك علينا ، وإلا عزلناك واستعملنا غيرك ممن نريد ثم جاهدنا معه حتى ندرك بدم عثمان أو نهلك . فقال جرير: يا شرحبيل ، مهلا فإن الله قد حقن الدماء ، ولم الشعث ، وجمع أمر الأمة ، ودنا من هذه الأمة سكون ، فإياك أن تفسد بين الناس وأمسك عن هذا القول قبل أن يظهر منك قول لا تستطيع رده. قال: لا والله لا أسره أبدا ثم قام فتكلم ، فقال الناس: صدق صدق القول ما قال ، والرأي ما رأى فأيس جرير عند ذلك عن معاوية وعن عوام أهل الشام). و الملاحظ أنه بينما كان ابن النابغة يطلب من ابن آكلة الأكباد أن يعطيه مصر طعمة له و لأولاده من بعده و الطعمة هي الهبة و الإقطاع و المكافأة أي الرشوة أي أن البلاد و العباد أضحت من الممتلكات الأموية الخالصة التي ورثها هؤلاء أبا عن جد كان الإمام علي عليه السلام يبعث برسالة إلى الأشعث بن قيس و كان عاملا لعثمان بن عفان على آذربيجان « أما بعد فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وسارا إلى البصرة فسرت إليهما فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا ، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة و في يديك مال من مال الله ، وأنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إلى ولعلي ألا أكون شر ولاتك لك إن استقمت ولا قوة إلا بالله”. أي أن الولاية على البلاد و العباد و أموال المسلمين و مناصب الدولة لا يمكن أن توزع على العمال كنوع من الرشاوى التي يشترى بها الولاءات و تقدم من خلالها الخدمات المتبادلة و يمارس من خلالها الضحك على الذقون و تبويس اللحى كما فعل ابن النابغة و ابن آكلة الأكباد بهذا الناسك المغفل المسمى بشرحبيل بن السمط و ما أكثر النساك المغفلين ممن هم على شاكلته ممن يستخدمون لإطلاق فتاوى الشرعية و اللاشرعية مقابل إطلالة عابرة في هذا التلفاز أو ذاك ثم يذهبون إلى مقابر التاريخ و مزابل النسيان بعد أن انتهت وظيفتهم كرأس رمح في معركة إسقاط الشرعية الإسلامية التي مثلها إمام الحق علي بن أبي طالب ثم لا نصيب لهم في توزيع الغنائم أو حتى في كتب التاريخ التي لا تحفل عادة بهذا النوع من البلهاء المتدحرجين مثل كرة القدم أو كرات البلياردو و هؤلاء بالفعل هم من بين أهم أسباب بلائنا و هم من ينبغي تسميتهم (أحجار على رقعة الشطرنج).

لماذا لم يلجأ الإمام علي لسياسة المداهنة مع ابن آكلة الأكباد؟؟.
سؤال يطرحه البعض انطلاقا من نقص المعلومات عن الموضوع المطروح عليهم و ربما إشفاقا من النتيجة التي آلت إليها أحوال المسلمين بعد الاستيلاء النهائي للأمويين على السلطة في عالمنا الإسلامي و الواقع أن المانع من هذه المداهنة هو قول الله تبارك و تعالى (فلا تطع المكذبين* ودوا لو تدهن فيدهنون* و لا تطع كل حلاف مهين* هماز مشاء بنميم* مناع للخير معتد أثيم* عتل بعد ذلك زنيم) سورة القلم 8-13 إذ أن هذه الآيات ترسم منهج الحذر في التعامل مع هذا الصنف من البشر الذي أعد لكل حق باطلا و لكل معتدل مائلا من دون أن يردعه رادع من خوف العقاب أو يحدوه رجاء الثواب و قد اعتادوا على الكذب و المراوغة و ظنوا أن هذا يمثل نوعا من الألمعية و الذكاء يؤهلهم لاعتلاء رؤوس العباد و الكارثة العظمى أن المسلمين الآن و هم يحاولون الخروج من الحفرة التي صنعوها لأنفسهم و سقطوا فيها بإرادتهم عندما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير حفرة التسلط الأموي و التخلف الحضاري و التخبط الأخلاقي بقيادة (آيات الله المستنيرين و أخوانهم من المستبدين الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) الذين لا يكفون عن مدح أنفسهم و وصفها بشتى أوصاف الوعي و النضج و الوسطية و الكمال لم يحاولوا أبدا العودة إلى تجربة إمامهم و مولاهم الذي قال عنه سيد الأنبياء (من كنت مولاه فعلي مولاه) بل و عملوا على إعاقة الأجيال الناشئة عن التواصل مع هذا النموذج الرسالي الأخلاقي السياسي المضيء و تعويقها ذهنيا من دون أن ينجحوا في تحقيق أي هدف من تلك الأهداف الكبرى التي زعموا أنها في متناول أيديهم و أنها أقرب إليهم من حبل الوريد عندما كرروا ثم كرروا أن تلك التجربة الرسالية العلوية كانت فتنة وقاهم الله شرها و من ثم وجب الكف عن قراءتها و الاطلاع عليها ثم ذهبوا ليلقوا بحملهم على غيرهم (و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم و ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) العنكبوت 13.
فالإمام علي و منذ اللحظة الأولى قد اتخذ من ابن آكلة الأكباد موقفا قاطعا عملا بقول الله تبارك و تعالى (و ما كنت متخذ المضلين عضدا) الكهف آية 51 و هو الذي أوصى عامله على مصر مالك الأشتر بأن لا يلجأ لرجال العهد السابق ممن شاركوه في آثامه و أعانوه على ظلمه و أخطائه قائلا (إن شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ للأشرار قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآثام، فَلاَ يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلاَ آثِماً عَلَى إِثْمِهِ، أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفا) و لأن موقف الإمام عليه السلام من العهد السابق و من رموزه خاصة أولئك الذين أسسوا لقواعد الاستئثار الأموي و ما واقعة التنكيل بأبي ذر رضوان الله عليه و تعذيبه جسديا ثم  إبعاده إلى المنفى الربذي ليموت هناك من الجوع و المرض كان واضحا و لا يحتمل التأويل كان من المنطقي أن يسارع الإمام إلى إقالة ذلك الوزير المتطلع لابتلاع السلطة و الثروة و هو الذي أسهم بخبثه و دهائه في جر الخليفة الثالث إلى مصيره الذي انتهى إليه (انظر كتابنا عن الجمل) فكيف يؤسس الإمام لموقف ثم يخالفه إلى غيره؟؟.
و لهذا و منذ اللحظة الأولى أرسل إليه جرير البجلي  برسالة واضحة (ائت معاوية بكتابي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه وأعلمه أني لا أرضى به أميرا ، وأن العامة لا ترضى به خليفة) عندها بدأ ابن آكلة الأكباد معركة التضليل السياسي والقانوني بمساعدة مستشاري السوء الملتفين حوله تلك المعركة التي قامت على ثلاث قوائم:
1- الادعاء على الإمام علي بن أبي طالب بأنه من قتل عثمان بن عفان و أن ابن آكلة الأكباد هو ولي دم الخليفة المقتول.
2- الثاني التشكيك في صحة بيعته عليه السلام و المطالبة بإلغاء نتيجة الانتخابات السابقة و العودة إلى الشورى (؟!) فلماذا لم يردها شورى عندما وصلت إليه السلطة أو عندما أيقن بانتهاء عمره و قرب وفاته بالرغم من اتفاقه مع الإمام الحسن على هذا؟؟.
3- أما الركيزة الثالثة الطلب منه بإبقاء معاوية واليا على الشام طلبا احتياطيا إذا لم تفلح حروب بني أمية في تحقيق الهدف النهائي و هو تأسيس النظام الأموي.
أما عن استراتيجية التشكيك فتبدو واضحة في هذه الرسالة  «بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب: أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ولكن أغريت بعثمان المهاجرين ، وخذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ولعمري ما حجتك على كحجتك على طلحة والزبير لأنهما بايعاك ولم أبايعك وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يطعك أهل الشام . وأما شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه» . وقد روى هذه الرسالة صاحب الإمامة والسياسة (1 -87 ) وزاد بعد قوله «كانت شورى بين المسلمين» هذا الكلام: « وقد كان أهل الحجاز أعلى الناس وفي أيديهم الحق فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام». فكتب إليه الإمام: «من علي إلى معاوية بن صخر: أما بعد فقد أتاني كتاب امرئ ليس له نظر يهديه ولا قائد يرشده دعاه الهوى فأجابه وقاده فاتبعه زعمت أنه أفسد عليك بيعة خطيئتي في عثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا ، وأصدرت كما أصدروا . وما كان الله ليجمعهم على ضلالة ، ولا ليضربهم بالعمى وما أمرت فيلزمني خطيئة الآمر ، ولا قتلت فيجب على القصاص . وأما قولك أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والأنصار ، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز . وأما قولك: ادفع إلينا قتلة عثمان فما أنت وعثمان؟ إنما أنت رجل من بني أمية وبنو عثمان أولى بذلك منك فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على المحجة وأما تمييزك بين الشام والبصرة وبين طلحة والزبير فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا واحد لأنها بيعة عامة لا يثني فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار وأما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان ولا يقين الخبر وأما فضلي في الإسلام وقرابتي من النبي صلى الله عليه وسلم وشرفي في قريش فلعمري لو استطعت دفع ذلك لدفعته».
ثم يشير الإمام في رسالة أخرى إلى ما تحدثنا عنه سابقا من مسئولية ابن آكلة الأكباد عن قتل عثمان بقوله (فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ (أي المجادلة) فِي عُثْمانَ وَقَتَلَتِهِ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ، وَالسَّلاَمُ).
و الواقع أن ابن آكلة الأكباد كان يعاني من التخبط و الارتباك الذي دعاه يوما لأن يقول (قد رأيت أن أعاود عليا وأسأله إقراري على الشام فقد كنت كتبت له ذلك فلم يجب له ولأكتبن ثانية فألقي في نفسه الشك والرقة فقال له عمرو بن العاص أين أنت يا معاوية من خدعة علي عليه السلام فقال ألسنا بني عبد مناف قال بلى ولكن لهم النبوة دونك و إن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية أما بعد فإنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض ولئن كنا قد غلبنا على عقولنا لقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى ونصلح به ما بقي و قد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك بيعة و طاعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه الأمس فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو و لا أخاف من الموت إلا ما تخاف قد و الله رقت الأجناد و ذهبت الرجال و نحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز و لا يسترق به حر و السلام) شرح النهج ج 3 ص 424.
فكان الرد الصارم من الإمام (وَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ، فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لاُِعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلاَّ حُشَاشَاتِ أَنْفُس بَقِيَتْ، فَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى [الْجَنَّةِ،مَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى] النّارِ. وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ والرِّجَالِ، فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الآخرة. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَاف، فَكَذلِكَ نَحْنُ، وَلكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمَ، وَلاَ حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلاَ أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِب، وَلاَ المُهَاجرُ كَالطَّلِيقِ، وَلاَ الصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ وَلاَ الْـمُحِقُّ كَالْمُبطِلِ، وَلاَ الْمُؤْمِنُ كَالمُدْغِلِ، وَلَبِئْسَ الْخَلَفُ خَلَفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَفِي أَيْدِينَا بعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أَذْلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ، وَنَعَشْنَا بِهَا الذَّلِيلَ. وَلَمَّا أَدْخَلَ اللهُ الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هذِهِ الأمة طَوْعاً وَكَرْهاً، كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ: إِمَّا رَغْبَةً وَإِمَّا رَهْبَةً، عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الأولون بِفَضْلِهِمْ. فَلاَ تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً، وَلاَ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً، وَالسَّلاَم)ُ. شرح النهج ج3 ص 424.
لقد كان الإمام عليه السلام يحارب معركة استبقاء الشرعية الإسلامية تلك المعركة التي تبدأ من نقطة الحفاظ على وجود الأمة و وحدتها.
تلك الوحدة التي كان من الضروري أن تبقى الملجأ والملاذ لشتى أنواع المطالبات بما فيها المطالبة بدم عثمان من قاتليه من خلال محاكمة عادلة لهؤلاء (القتلة) يدلون فيها بحججهم ودفاعهم فربما يجري تبرئتهم من خلال هذه الحجج وهي محاكمة لم تجر أبدا حتى عندما أصبح ابن آكلة الأكباد (ولي دم القتيل؟؟!!) حاكما على كل المسلمين وهذه الظاهرة كثيرا ما تلجأ إليها النظم المستبدة عندما تشن حملة على خصومها من خلال اتهامهم بارتكاب جريمة ما وعندما تتاح الفرصة للإمساك بهؤلاء المجرمين المفترضين أحياء يجري تصفيتهم حتى لا ينكشف المستور ناهيك عن أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن له من مطلب إلا الدنيا والبقاء على كرسي السلطة وهي الشهوة الجامحة التي تملكته و دفعته للإطاحة بكل ما اعترضه من قيم و أخلاقيات و مبادئ و لو كان يمتلك الحد الأدنى من المصداقية و الرغبة في الخروج بالأمة من هذه الكارثة التي صنعها هو و مستشاري السوء فما الذي دفعه لإبرام كل هذه الصفقات و إعطاء كل هذه العهود بأن تكون مصر طعمة لابن النابغة عالما بأن هذا لا يكون إلا إذا كانت العراق في يد بني أمية بكل ما يعنيه هذا من انهيار كامل لمعسكر الشرعية سعى هؤلاء و ما زالوا يسعون إليه و لو من خلال القضاء على القيمة الرمزية و المعنوية لأهل البيت عليهم السلام أي أن هؤلاء كانوا عازمين على تحقيق أهدافهم الشيطانية من دون أي وازع أخلاقي و مهما كلفهم هذا و كلف الأمة من خسائر.
و الأهم من هذا أن الحفاظ على هذه الوحدة كانت هي الدافع الأساس لصبر الإمام عن المطالبة بحقه الواجب بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله ذلك الصبر الذي كلفه تلك السنين المتطاولة من الانتظار خشية أن يؤدي أي صدام داخل الأمة الإسلامية إلى ما هو أسوأ بكثير مما حدث بالفعل.
كما كان الإمام عليه السلام حريصا على أن يعلم الأمة فن التفاوض مع هذا الصنف من الثعالب الرواغة التي تظهر غير ما تبطن و تضع أهدافا مرحلية تبدو متواضعة تخفي وراءها رغبة عارمة في الاستحواذ التام على مصير البلاد و العباد.. فن التفاوض المبدئي القائم على حفظ الحقوق و ليس فن المساومات و عقد الصفقات عندما طالبه بأن يدخل فيما دخل فيه الناس و ليطالب بعد ذلك بما يحلو له من مطالب لا أن يضع مصير الأمة و دماءها في كفة و مطالبه في كفة أخرى فإما أن يحصل على استسلام شامل و كامل من الأمة ليحكم هو بعد ذلك في رقابها بما يشاء و يقيم فيها العدالة الأموية أو الصدامية الجزافية أو يدمر كل شيء و لكن هيهات هيهات لو كان يطاع لقصير أمر.
إذا فلم تكن هناك أدنى فرصة (لحل وسط) بين الحق و الباطل حق الأمة الإسلامية في إسلامها الكامل غير المنقوص في مواجهة الباطل الأموي المنكوس و كان أن انتهت الأمور إلى ما هو معلوم في ماضينا و حاضرنا.
و يبقى أن نقول أن علي بن أبي طالب قد أدى ما كلف به على أفضل وجه ألا و هو الدفاع عن قيم الإسلام التي جاء بها محمد بن عبد الله لأن معركة الرسول صلى الله عليه و آله كانت في مواجهة الكفر الصراح الذي لم تتح له فرصة الالتفاف و تسمية الأشياء بغير أسمائها بينما كانت مواجهة الإمام عليه السلام مع هذه القوى بعد أن أتيحت لها الفرصة لتغيير أقنعة الممثلين و حفظ الأدوار في شكلها الإسلامي الجديد هو ما استغرقته تلك الفترة ما بين هزيمة معسكر الكفر المدوية يوم فتح مكة و عودته إلى السلطة بعد ثلاثين عاما من هزيمته الأولى فقد حافظ عليّ و لا أحد سوى عليّ على مبادئ الإسلام الناصعة في وجه هؤلاء المزورين فالنباتات تبقى حية عندما تروى بالماء أما المبادئ فلا تبقى حية إلا إذا وجدت من يتمثلها و يفهمها أولا ثم يعيش من أجلها و يطبقها ثانيا ثم يجاهد و يضحي و يموت من أجلها ليرويها بدمه ثالثا و لولا هذا لما بقيت للمسلمين مبادئ و لا قيم و لا دين.
المبادئ و القيم يبقيها و يحييها الرساليون المضحون السائرون على درب علي و الحسن و الحسين مثل مالك الأشتر و حجر بن عدي و عمار بن ياسر و يقتلها الناسكون المغفلون مثل شرحبيل بن السمط و الثقفون المزورون والسياسيون المرتشون أمثال ابن النابغة الأموي و أبناء النابغة الصداميين الذين بلغ طول الوثائق التي سجلت ما أخذوه طعمة من أموال الشعب العراقي من صدامهم اللعين تسعة أميال فكم يبلغ ما أخذوه و دونكم نص الخبر نقلا عن جريدة الشرق الاوسط السعودية «سي.آي.إيه» تضع يدها على ملفات المخابرات العراقية (الثلاثاء 4 / 11 / 2003)  بغداد: ستيف كول: قال مسؤولون أميركيون أمس أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي. ايه) وضعت أيديها على مجموعة ضخمة من الملفات الخاصة بجهاز المخابرات العراقي تعزز التحقيقات التي تجريها الولايات المتحدة في العراق، وذكروا أن هذه الملفات تتضمن قوائم بأسماء وكلاء وأشخاص وشركات تسلموا أموالا من حكومة الرئيس المخلوع صدام حسين داخل العراق وخارجه.
وقال المسؤولون أن الملفات التي أمكن الاستيلاء عليها تعادل في حجمها الملفات التي خلفها جهاز المخابرات في ألمانيا الشرقية (ستاسي) بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وهي تمتد إذا وضعت في جوار بعضها البعض إلى تسعة أميال ونصف الميل طولا، وهي تتضمن ليس فقط أسماء كل ضابط مخابرات عراقي، بل أسماء أولئك الذين عملوا كوكلاء للمخابرات العراقية من الأجانب وتسلموا أموالا من النظام، وذلك فضلا عن وثائق خاصة بالدفوعات التي تسلموها وأرقام الحسابات التي حولت إليها. وقال المسؤولون أن بعض «القابضين» من النظام العراقي هم مسؤولون على درجة رفيعة في بلدانهم من العرب والأجانب. وقال مسؤول مطلع على الملفات أن الدفوعات كانت موضع تحقيقات مكثفة من جانب المخابرات الأميركية و أشار إلى أن بعض الشخصيات السياسية الرفيعة كانت تتلقى أموالا، ولكن ليس بالضرورة للعمل لصالح المخابرات العراقية، ولكن لأنهم كانوا يلعبون دورا في الدفاع عن نظام صدام حسين) أ.هـ.
فهل بعد هذا يبقى من يطالب الإمام علي أن يعطي الشام طعمة لابن آكلة الأكباد ليترك له العراق طعمة؟؟.
و لو أن الإمام فعل هذا من وراء ظهر  المسلمين الذي أكل الشك قلوبهم يومها و ما زال يأكله لعجزهم عن التمييز بين الحق و الباطل ألم يكن من الحري أن يتحول هذا الشك و العجز عن التمييز بين الحق و الباطل إلى الكفر الصراح يوم أن تنكشف الحقائق و تخرج الملفات؟؟.

الإمام علي بن أبي طالب و أخلاقيات الفرسان (العفو عند المقدرة)
الْجُودُ حَارِسُ الاَْعْرَاضِ، وَالْحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ، وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ، وَالسُّلُوُّ (التناسي) الفِدَام ربطت فم السفيه بالفِدام فمنعته من الكلام.

إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
أوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ. علي بن أبي طالب
قال الله تعالى (و الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش و إذا ما غضبوا هم يغفرون* و الذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شورى و مما رزقناهم ينفقون* و الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون* و جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين* و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) الشورى 36-41.
(خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين) الأعراف 199
هل يعرف المسلمون المعاصرون الذين تربوا على تمجيد ابن النابغة و ابن آكلة الأكباد و قتلة مالك بن نويرة و غيرهم من الأشباه شيئا عن أخلاق الفرسان؟؟
لا أظن و هم الذين تربوا على تمجيد الغدر و الاغتيال السياسي و اعتبار ذلك جهادا في سبيل الله و لو أنهم حاولوا استلهام الأخلاق العلوية مع أعدى أعدائه و مخالفيه الذين استمرءوا سبه و لعنه على منابر المساجد بعد ذلك أكثر من ثمانين عاما و تأملوا في تلك الواقعة الشهيرة التي حدثت أثناء احتدام واقعة صفين و الرواية لنصر بن مزاحم قال (وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا  وحمل عمرو بن العاص معلما وهو يقول :
شدوا على شكتــى لا تنكشـــف * بعــد طليح والزبيــر فأتلف

يــوم لهمدان ويــوم للصـدف * وفي تميـم نخــوة لا تنحــرف
أضربهــا بالسيف حتى تنصــرف * إذا مشيــت مشية العود الصلــف

ومثلهــا لحميــر ، أو تنحــرف * والربعيــون لهــم يوم عصــف

فاعترضه علي وهو يقول :
قــد علمت ذات القـرون الميــل * والخصـــر والأنامــل الطفــول

إني بنصل السيــف خنشليــــل * أحمــى وأرمــى أول الرعيــل
بصـــارم ليس بـــذي فلــول

ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله فبدت عورته فصرف علي وجهه عنه و ارتث فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين قال : وهل تدرون من هو ؟ قالوا : لا قال : فإنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه ورجع عمرو إلى معاوية فقال له: ما صنعت يا عمرو؟ قال: لقيني علي فصرعني قال: احمد الله وعورتك أما والله أن لو عرفته ما أقحمت عليه وقال معاوية في ذلك :
ألا لله مــن هفوات عمـــرو * يعاتبنـــي على تركي بــرازي

فقد لاقى أبــا حســـن عليـا * فآب الوائلـــي مـآب خــازي

فلو لم يبــد عورتـــه للاقـى * بــه ليثــا يذلل كل نـــازي

لــه كف كــــأن براحتيهـا * منايــا القوم يخطف خطف بازي
فإن تكن المنايـــا أخطأتــه * فقــد غنى بها أهــل الحجـاز

فغضب عمرو وقال: ما أشد تغبيطك عليا في أمري هذا ، هل هو إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه أفترى السماء قاطرة لذلك دما؟! قال: ولكنها معقبة لك خزيا .
و يروي صاحب كتاب صفين نفس الواقعة باختلاف قليل (ثم إنهم التقوا بصفين ، واقتتلوا أشد القتال حتى كادوا أن يتفانوا ، ثم إن عمرو بن العاص مر بالحارث بن نصر الجشمي وكان عدوا لعمرو ، وكان عمرو قلما يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرب فقال الحارث في ذلك:
ليس عمــرو بتارك ذكره الحــر * ب مدى الدهــر أو يلاقي عليــا

واضــع السيف فوق منكبه الأي‍ــ * مــن لا يحسـب الفوارس شيــا

ليت عمــرا يلقاه في حمس النقـ‍ * ـع وقــد صارت السيوف عصيـا

حيث يدعــو البراز حامية القــو * م إذا كــان بالبـــراز مليـــا
فوق شهب مثل السحوق من النخ‍ـ * ـل ينــادي المبارزيـن : إليــا

ثم يا عمــرو تستريح من الفخ‍ـ * ـر وتلتقي بــه فتـى هاشميــا

فالقــه إن أردت مكرمـة الده‍ـ * ـر أو المــوت كـل ذاك عليــا

فلما سمع عمرو شعره أخذته الحماسة لقتال الإمام و قال: والله لو علمت أني أموت ألف موتة لبارزت عليا أول ما ألقاه، فلما بارزه طعنه علي فصرعه واتقاه عمرو بعورته فانصرف علي عنه.
وقال علي حين بدت له عورة عمرو فصرف وجهه عنه :
ضربي ثبي الأبطال في المشاعب  * ضرب الغلام البطل الملاعــب

أين الضراب فـي العجاج الثــائب * حيــن احمرار الحدق الثواقـب

بالسيــف في تهتهة الكتائــب  * والصبــر فيه الحمد للعواقـب

قال : وإن معاوية أظهر لعمرو شماتة وجعل يقرعه ويوبخه وقال : لقد أنصفتكم إذ لقيت سعيد بن قيس في همدان وفررتم  وإنك لجبان . فغضب عمرو ثم قال : والله لو كان عليا ما قحمت عليه يا معاوية ، فهلا برزت إلى علي إذ دعاك إن كنت شجاعا كما تزعم . وقال عمرو في ذلك:
تسير إلى ابن ذي يـزن سعيــد * وتترك في العجاجــة مــن دعاكا

فهل لك في أبــي حسـن علـي * لعــل الله يمكـن مــن قفاكــا

دعاك إلى النزال فلـــم تجبــه * ولو نـــازلته تربــت يداكــا

وكنت أصم ، إذ نــاداك ، عنهـا * وكــان سكوته عنها مناكـــا

فآب الكبش قد طحنــت رحــاه * بنجدتــه ولــم تطحن رحاكــا

فما انصفت صحبك يا ابــن هند * أتفرقـــه وتغضب مـن كفاكــا
فلا والله ما أضمــرت خيــرا * ولا أظهــرت لــي إلا هواكــا

وإن القرشيين استحيوا مما صنعوا  وشمتت بهم اليمانية من أهل الشام ، فقال معاوية (يا معشر قريش ، والله لقد قربكم لقاء القوم من الفتح ، ولكن لا مرد لأمر الله  ومم تستحيون؟! إنما لقيتم كباش أهل العراق ، وقتلتم وقتل منكم ، ومالكم علي من حجة ، لقد عبأت نفسي لسيدهم سعيد بن قيس). و في هذا الموقف يقول الإمام علي (عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة و أني رجل تلعابة أعافس و أمارس لقد قال باطلا و نطق آثما أما و شر القول الكذب إنه ليقول و يكذب و يعد فيخلف و يُسأل فيبخل و يَسأل فيلحف و يخون العهد و يقطع الإل فإذا كان عند الحرب فأي زاجر و آمر هو ما لم تأخذ السيوف مأخذها فإذا كان ذلك فأكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته أما و الله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت و يمنعه من قول الحق نسيان الآخرة إنه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه أتية و يرضخ له على ترك الدين رضيخة) و مع كل هذا فقد ترفع الإمام عن قتل (رجل) توسل إلى البقاء بتلك الطريقة الوضيعة التي تنبئ فضلا عن خسة و وضاعة لا حد لها عن إدراك بعظمة و رفعة ذلك الخصم و هو ما تنضح به كل أقواله من معرفة بحقيقة الإمام و فضله (و جحدوا بها و استقينتها أنفسهم ظلما و علوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )النمل 14.
الإمام يطلق سراح مروان بن الحكم بعد أسره:
ذكر الشريف الرضي في نهج البلاغة (أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع الحسن و الحسين عليهما السلام إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فكلماه فخلى سبيله فقالا له يبايعك يا أمير المؤمنين قال عليه السلام لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه و هو أبو الأكبش الأربعة و ستلقى الأمة منه و من ولده يوما أحمر) شرح النهج ج2 ص 53.
كانت هذه بعض نماذج من أخلاق الفرسان التي مارسها الإمام فعلا و قولا و قارنوا بين منهجه سلام الله عليه و منهج من تسلطوا على رقاب المسلمين من يومها إلى يومنا هذا من قتل للمعارضين بالسم كما فعل ابن آكلة الأكباد مع الإمام الحسن و مالك الأشتر و هو النهج الذي استمرأه كل من سار على خطو أقدامهم ناهيك عن غدرهم بكل ما قطعوه من عهود و مواثيق و وعود بالأمان فأي أمة هذه التي تدعي الانتماء للإسلام؟؟.

أدب الخلاف في الرأي
اللهم إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشهَادَةَ وَاعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ.
إن هذه الكلمات تكشف عن حس أخلاقي عميق تجعل من القتال بين المتخاصمين عملا مفروضا من أجل حسم خلاف لم تعد هناك وسيلة أخرى لحسمه و ليست عملا انتقاميا غرائزيا يهدف للثأر و إشباع الرغبة في سفك الدماء و يجعل من تطور الحرب المفروضة إلى الظلم و البغي و التشفي و الانتقام عملا مذموما و مرفوضا بنفس درجة رفض الاستسلام للظالمين و القبول بمهانة الرضوخ لهم و لو أدى ذلك إلى الشهادة في سبيل الله عز و جل كما أن الإمام سلام الله عليه ينهى عن استخدام أساليب السب و القذف و لو مع أناس على شاكلة أهل الشام طمعا في هداية من يمكن هدايته منهم و لذا نسمع قوله (إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِي عن الغي و العدوان من لهج به)َ
و القصة كما ذكرها نصر بن مزاحم في كتاب صفين (خرج حجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق ، يظهران البراءة واللعن من أهل الشام ، فأرسل إليهما علي: أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا : يا أمير المؤمنين ؛ ألسنا محقين ؟ قال: بلى [قالا أو ليسوا مبطلين ؟ قال بلى] قالا فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال «كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين ، تشتمون وتتبرءون ولكن لو وصفتم مساوي أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا ، ومن عملهم كذا وكذا ، كان أصوب في القول ، وأبلغ في العذر و [لو] قلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم ، حتى يعرف الحق منهم من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به ، كان هذا أحب إلى وخيرا لكم » . فقالا : يا أمير المؤمنين ، نقبل عظتك ، ونتأدب بأدبك . وقال عمرو بن الحمق: إني والله يا أمير المؤمنين ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ، ولا إرادة مال تؤتينيه ، ولا التماس سلطان يرفع ذكرى به ، ولكن أجبتك لخصال خمس : أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأول من آمن به ، وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأعظم رجل من المهاجرين سهما في الجهاد فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي ، ونزح البحور الطوامي حتى يأتي على يومي في أمر أقوى به وليك وأوهن به عدوك ، ما رأيت أنى قد أديت فيه كل الذي يحق على من حقك . فقال أمير المؤمنين علي : اللهم نور قلبه بالتقى ، واهده إلى صراط مستقيم ، ليت أن في جندي مائة مثلك ، فقال حجر : إذا والله يا أمير المؤمنين صح جندك ، وقل فيهم من يغشك .  ثم قال حجر فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن بنو الحرب وأهلها ، الذين نلقحها وننتجها ، قد ضارستنا وضارسناها، ولنا أعوان ذو وصلاح وعشيرة ذات عدد ، ورأي مجرب وبأس محمود ، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة ؛ فإن شرقت شرقنا ، وإن غربت غربنا ، وما أمرتنا به من أمر فعلناه . فقال علي « أكل قومك يرى مثل رأيك ؟» قال : « ما رأيت منهم إلا حسنا ، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة  وبحسن الإجابة»  فقال له علي خيرا).
الإمام علي و التعامل مع الآخر:
إن هذه الكلمات تؤسس لقاعدة التعامل مع الآخر و تطرح فكرة استبقاء الفرصة للتفاهم و الإقناع و الحوار بدلا من الانزلاق الفوري و المتعجل للمواجهة و تجعل من الصدام معه خيارا أخيرا و ليس خيارا مفضلا أو مقطوعا به منذ البداية فالبرغم من توافر ما يكفي من الأدلة على عزم النظام الأموي على تصعيد الأمور و دفعها إلى حافة الهاوية فقد كان الإمام حريصا على استبقاء كل الفرص الممكنة من أجل الوصول إلى مصالحة قائمة على قاعدة إقرار الحق و من هنا فإن الدفع بالأمور إلى خيار المواجهة و تبادل السب و الشتم و الهجمات الإعلامية مع كل من تبدو إمكانية اختلافه معنا في الرأي أو في الموقف السياسي أكبر من إمكانية اتفاقه كانت تشكل عملا خاطئا حرص الإمام على تفاديه ما وسعه ذلك.
من هنا أيضا فإن الإمام ينبه إلى أهمية ألا نجعل لأنفسنا أعداء دائمين و أن كل خصوماتنا ينبغي أن نتعامل معها منذ البدء باعتبارها خصومة مؤقتة و صدام عابر حتى يثبت لنا بعد ذلك بالدليل الذي لا يقبل النقض و لا التأويل أنها خصومة و صدام لا يمكن تجنبه و هو بهذه الكلمات يعلم تلاميذه كيف يعرضون موقفهم و يسعون إلى إقناع خصومهم و المتشككين في هذا الموقف بوجهة نظرهم و هو ما لا يمكن تحقيقه من خلال الصراخ و السباب المتواصل و ما أحوجنا نحن المسلمين في هذه الحقبة أن نستوعب هذا الدرس و أن نتعلم من هذه الحكمة لا أن نستمرئ أسلوب السب و الشتم و الصراخ على المنابر و اعتبار الجميع أعداء للإسلام و المسلمين هكذا من دون تحقيق و لا تمحيص فقد كلفتنا هذه الأساليب اللاعقلانية غاليا من دون أن تحقق لنا شيئا من أمانينا أو حتى الحفاظ على استقلالنا الذي أكلته الذئاب و الغزو الأمريكي الأخير للعراق و هذا ما تؤكده تلك النصيحة العلوية الغالية (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما و أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما) إذ ليست كل العداوات دائمة و لا كل الصداقات دائمة فقد ينقلب الصديق على عقبيه فيخون الأمانة و يقطع الإل و قد تزول أسباب العداوة بين المسلمين و غيرهم و من هنا ينبغي دائما أن نلزم الخصومة الشريفة مع أعدائنا خاصة إذا كانوا من المسلمين و أن نسأل الله تبارك و تعالى و لو كان في أوج الخصومة معهم أن يحْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِي عن الغي و العدوان من لهج به. إن هذا يكشف أيضا عن حقيقة أن الإمام كان داعية محبة و سلام و لم يكن داعية حرب و دمار غير أن هذه الحروب كلها قد فرضت عليه فرضا و لم يكن أمامه إلا أن يقبل بهذا الخيار و صدق الله العلي العظيم (كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون) و هكذا ينبغي علينا نحن المسلمين أن يكون السلام هو خيارنا الأول مع الجميع إلا إذا فرض علينا غير ذلك.

الإمام علي في موقع المعارضة:
كان التحدي الأخلاقي الأول الذي واجه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في أعقاب رحيل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم  عندما حاول البعض أن يؤسس معارضة للخليفة الأول على أسس قبلية لا تستند بالضرورة إلى معرفة و إقرار بفضل آل محمد و أحقيتهم في الخلافة و الإمامة و من ذلك النوع كان تحرك أبي سفيان بلحيته الصفراء يهيج العصبيات القبلية البغيضة التي أطاح بها الإسلام و الرواية لابن أبي الحديد شارح النهج قال:
(لما قبض رسول الله صلى الله عليه و آله و اشتغل علي عليه السلام بغسله و دفنه و بويع أبو بكر خلا الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين بعباس و علي عليه السلام لإجالة الرأي و تكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض و التهييج فحل علي عليه السلام حبوته و قال…… الصبر حلم و التقوى دين و الحجة محمد و الطريق الصراط أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة و عرجوا عن طريق المنافرة و ضعوا تيجان المفاخرة     أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح    هذا ماء آجن و لقمة يغص بها آكلها و مجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع في غير أرضه فإن أقل يقولوا حرص على الملك و إن أسكت يقولوا جزع من الموت هيهات بعد اللتيا و التي و الله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه و لكن انطويت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيد) شرح النهج ج1 ص 71.
و الأرشية هي الحبال في البئر البعيدة القعر.
لم يكن دخول أبي سفيان على الخط معرفة منه بفضل محمد و آل محمد و لا إقرارا منه بحق علي بن أبي طالب عليه السلام في الإمامة بل كان محاولة مكشوفة لإشعال معركة داخلية في صفوف المجتمع الإسلامي هذه المرة معركة قبلية في مجتمع كان و ما زال حديث عهد بالإسلام و كان اختيار أبي بكر للخلافة كما قلنا مثار اعتراض البعض من وجهة نظر قبلية بحتة و من هنا كانت محاولة الرجل الملحة ليدرك ثأره من الإسلام و المسلمين هذه المرة من داخل البيت فربما تكون هذه الحرب الداخلية ممهدة ليوم الخلاص الأموي الذي انتظره الرجل و أصر عليه حتى كان لبني أمية ما أرادوا عندما استلم ابن آكلة الأكباد الخلافة الإسلامية.
يظهر هذا المعنى بوضوح في الرواية الثانية التي أوردها ابن أبي الحديد عن هذه الواقعة قال(لما بويع لأبي بكر مر أبو سفيان على البيت الذي فيه علي بن أبي طالب عليه السلام فوقف و أنشد:
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم      و لا سيما تيم بن مرة أو عدي.
فما الأمر إلا فيكم و إليكم               و ليس لها إلا أبو حسن علي.
أبا حسن فاشدد بها كف حازم          فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي
و أي امرئ يرمي قصيا و رأيها منيع الحمى و الناس من غالب قصي؟
فقال الإمام لأبي سفيان إنك تريد أمرا لسنا من أصحابه و قد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه و آله عهدا و أنا عليه).
إن هذه الواقعة و هذه النصيحة التي وجهها الإمام لجموع الأمة هي نصيحة جديرة بالتأمل و الدراسة في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل و أصبحت فيه التحالفات السياسية نوعا من لعب الأطفال الذي لا يستند إلى أي قاعدة أخلاقية قدر استنادها إلى تقديرات آنية مصلحية سرعان ما تتهاوى مع تباين المصالح التي تكون عادة مصلحة القبيلة أو مصلحة الحزب أو مصلحة الجماعة في الوصول إلى هذا الموقع أو ذاك و ليست مصلحة الأمة المستندة إلى قاعدة أخلاقية و فكرية راسخة.
فالمصلحة أي مصلحة الأمة تقتضي الصبر و التريث و عدم جر الأمة إلى معركة من هذا النوع أي القتال من أجل العصبية القبلية (عرجوا عن سبيل المنافرة و ضعوا تيجان المفاخرة) و لو كانت الأمة واعية بقيمة الأخلاقيات و المبادئ التي مثلها أئمة أهل البيت لما احتاجت من الأساس لهذا النوع من المعارك و لا لهذا النوع من التحالفات العشوائية التي أثبتت فشلها على مدى التاريخ نظرا لافتقادها للمصداقية و لأنها تخصم من رصيد أصحاب الحق أضعاف ما تضيف إلى أهل الباطل من قيمة معنوية و أدبية يفتقدونها من الأساس.
و من ناحية أخرى فإن حملة الحق لا ينبغي لهم على الإطلاق أن يندفعوا في تحرك تمليه الضغوط النفسية و الرغبة في الحفاظ على وجاهة معنوية (فإن أقل يقولوا حرص على الملك و أن أسكت يقولوا خاف من الموت) فليقولوا ما يحلوا لهم و لكن يبقى أن أي تحرك يفتقد الإخلاص و التجرد لله رب العالمين و ما يرضيه هو تحرك فاقد لأي قيمة أخلاقية و محكوم عليه بالفشل الأخلاقي و أن نجح في تحقيق مكسب مادي أو دنيوي.
العلاقة بين الإمام و بين من سبقه من الخلفاء
لم يكن الإمام عليه السلام يداري موقفه من خلافة من سبقوه و لا شكايته من اعتدائهم على حقه و منعه مما هو له عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و هم ما ذكره مرارا و تكرارا في خطبه و من بينها الخطبة الشقشقية إلا أن هذا شيء و الحفاظ على وحدة الأمة و مصلحتها شيء آخر تماما فالإمام كان دائما في قلب الأحداث و مهما قدم المسلمون من كان ينبغي عليه أن يتأخر أو أخروا من كان يتعين عليهم أن يقدموه أمامهم هاديا و مرشدا فلا شيء من هذا يغير الحقيقة حقيقة إمامة أهل البيت عليهم السلام و أنهم هداة بإذن الله عاملون على منهج رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يبذلون النصح الصادق لكل من استنصحهم و لا يغشون أحدا من مخالفيهم أو معارضيهم السياسيين و من بين هؤلاء كان الخليفة الثاني الذي فكر يوما في أن يخرج على رأس الجيش الإسلامي الذاهب لفتح بلاد فارس فاستشار الإمام في هذا فنهاه عن الخروج حفظا لمصلحة الأمة العليا و كان هذا الرد الذي يخرج عن كونه مجرد نصيحة لمستنصح بل هو غرة من غرر الحكم
(إِنَّ هذَا الأمر لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلاَ خِذْلاَنُهُ بِكَثْرَة وَلاَ بِقِلَّة، وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، وَطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ، وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُود مِنَ اللهِ، وَاللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ. وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بالأمر مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ: فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ وَذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعُ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً. وَالْعَرَبُ الْيَومَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً، فَهُمْ كَثِيرُونَ بالإسلام، عَزِيزُونَ بَالاجْتَِماعِ! فَكُنْ قُطْباً، وَاسْتَدِرِ الرَّحَا بِالْعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هذِهِ الأرض انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ. إِنَّ الأعاجم إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا: هذا أَصْلُ الْعَرَبِ، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ، فَيْكُونُ ذلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ، وَطَمَعِهِمْ فِيكَ.  فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ.وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيَما مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ!)
عمر بن الخطاب يستشير الإمام في حلي الكعبة:
روي الشريف الرضي في نهج البلاغة: (أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة و كثرته فقال قوم لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر و ما تصنع الكعبة بالحلي فهم عمر بذلك و سأل عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال إن هذا القرآن نزل على النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الأموال أربعة أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض و الفيء فقسمه الله على مستحقيه و الخمس فوضعه الله حيث وضعه و الصدقات فجعلها الله حيث جعلها و حلي الكعبة فيها يومئذ فتركه الله على حاله و لم يتركه نسيانا و لم يخف عليه مكانا فأقره حيث أقره الله و رسوله فقال له عمرو لولاك لافتضحنا) و هكذا فالخلاف السياسي ما ينبغي له على الإطلاق أن يضر بمصلحة الأمة أو أن يدفع أهل الفقه و العلم لأن يبخلوا بعلمهم على الأمة أو أن يسعوا في إلحاق الأذى بها في حين نرى بعض القادة المشاهير الذين جمعوا ما يمكن وصفه بفقه النفايات أو نفايات لفلفوها و لفقوها و سموها فقها يدعون إلى إلحاق الأذى بمصالح الأمة و ببناها الأساسية باعتبار أن كل هذه بنايات جاهلية ينبغي هدمها و هناك ذلك الكاتب الأشهر الذي دعا أتباعه إلى عدم البقاء داخل ما وصفه بالمجتمع الجاهلي خلايا حية حيث يقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق (و لكن الإسلام كما قلنا لم يكن يملك أن يتمثل في نظرية مجردة يعتنقها من يعتنقها اعتقادا و يزاولها عبادة ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلا فإن وجودهم على هذا النحو مهما كثر عددهم لا يمكن أن يؤدي إلى (وجود فعلي) للإسلام لأن الأفراد (المسلمين نظريا)- و القوسين من عنده- الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء و الامتداد و سيعطونه كفاياتهم و خبراتهم و نشاطهم ليحيا بها و يقوى بدلا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي). و قد ترجم الرجل تلك النظريات البائسة في خطط لنسف القناطر الخيرية لإغراق دلتا نهر النيل انتقاما مما أسماه بالنظام الجاهلي و هب أن هذا النظام كان جاهليا فتصرفات هذا السيد و أفكاره كانت أكثر جاهلية من هذا النظام.
محاولة الإمام المستميتة لتجنيب عثمان بن عفان مصيره المحتوم:
و هناك نموذج آخر لتلك الأخلاقية العلوية الغالبة ألا و هي موقفه من الخليفة الثالث عثمان بن عفان الذي أحاط به مستشارو السوء من كل جانب يقودونه لحتفه بسوء رأيهم لنعرف أي قيمة لمشورة الإمام الصادقة لعمر بن الخطاب فقد روى الشريف الرضي في نهج البلاغة قال (لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته واستعتابه لهم، فدخل(عليه السلام) على عثمان فقال:
(إِنَّ النَّاسَ وَرَائي، وَقَدِ اسْتَسْفَرُوني (أي جعلوني مبعوثا) بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَمْر لاَ تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْء فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَيْء فَنُبَلِّغَكَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ الله(صلى الله عليه وآله) كَمَا صَحِبْنَا. وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلاَ ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وَشِيجَةَ رَحِم مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مَنْ صَهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالاَ.
فَاللهَ اللهَ فِي نَفْسِكَ! فَإِنَّكَ ـ وَاللهِ ـ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمىً، وَلاَ تُعَلّمُ مِنْ جَهْل، وَإِنَّ الْطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وَإِنَّ أَعْلاَمَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ.
فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَاد ِاللهِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، هُدِيَ وَهَدَي، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً، وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ، لَهَا أَعْلاَمٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلاَمٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْد َاللهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً.
وَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بالإمام الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلاَ عَاذِرٌ، فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا».
وَإِني أَنْشُدُكَ اللهَ أنْ تَكُونَ إِمَامَ هذِهِ الأمة الْمَقْتُولَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ فِي هذِهِ الأمة إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلى يَوْمِ الْقُيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلاَ يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً، وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً.
فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلاَلَ السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ.فَقَالَ لَهُ عُثْـمَانُ: كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِن مَظَالِمِهِمْ فَقال(عليه السلام): مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلاَ أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ.
كان هذا موقف الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي حاول من خلاله أن يجنب الخليفة الثالث و الأمة معه تلك النهاية المأساوية التي انتهت إليها الأمور بعد ذلك بسبب مستشاري السوء و الإصرار على التكبر و التمادي في الخطأ فالإمام كان عالما بالمصير المظلم الذي يتهدد عثمان بن عفان و المسلمين معه من تلك القوى المتربصة التي نصرته باللسان و خذلته بالفعل ذلك المصير المتمثل في فتح باب (الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلى يَوْمِ الْقُيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلاَ يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ) أما الآخرون فكانوا يبحثون عن هذه النتيجة و تأمل في الرواية التاريخية التالية التي تظهر لا أخلاقية مستشاري البلاط العثماني و ما يتمتعون به من انتهازية لا سابقة لها في التاريخ و خاصة ذلك المسمى بعمرو بن العاص و كيف أن هذا الطاقم هو الذي رفع شعار المطالبة بثأر عثمان (بعد أن انتهت مهمته بتوريط الرجل في مستنقع الاستبداد و رفض أي نوع من الإصلاح و تركوه ليلقى حتفه) استثمارا لفاجعة هم الذين صنعوها من أجل مصالحهم الذاتية النتنة فقد روى ابن أبي الحديد نقلا عن ابن جرير الطبري قال (قدم  سعيد بن العاص على عثمان في السنة الحادية عشر من خلافته فلما دخل المدينة اجتمع قوم من الصحابة و ذكروا سعيدا و أعماله و ذكروا قرابات عثمان و ما سوغهم من مال المسلمين و عابوا أفعال عثمان فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس و كان متألها فدخل على عثمان فقال له إن ناسا من الصحابة اجتمعوا و نظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله و تب إليه فقال عثمان انظروا إلى هذا الذي تزعم الناس أنه قارئ ثم هو يجيء إلى فيكلمني فيما لا يعلمه و الله ما تدري أين الله فقال عامر و الله إني لأدري أنه بالمرصاد فأخرجه عثمان).
ثم دعا عثمان بن عفان أركان الحكومة الأموية و عقد اجتماعا طارئا حضره كل من (عبد الله بن سعد بن أبي سرح و معاوية بن أبي سفيان و سعيد بن العاص و عمرو بن العاص و عبيد الله بن عامر فشاورهم قائلا: إنكم وزرائي و نصحائي و أهل ثقتي و قد صنع القوم ما قد رأيتم و طلبوا مني أن أعزل عمالي و أن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم.
• فقال عبد الله بن عامر أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم عنك بالجهاد حتى يذلوا لك و لا تكون همة أحدهم إلا في نفسه و ما هو فيه من دبر دابته و قمل فروته!!!!.
• و أشار سعيد بن العاص بقتل من اعتبرهم قادة الفتنة (المعارضة) و ربما نفيهم فقال احسم عنك الداء و اقطع عنك الذي تخاف إن لكل قوم قادة متى يهلكوا و يتفرقوا لا يجتمع لهم أمر فقال عثمان (الخليفة الراشد الهين اللين) إن هذا هو الرأي لولا ما فيه.
• أما معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي المرتقب فقال أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله فأنا أكفيك أهل الشام.
لم يطرح أي من هؤلاء المجتمعين حلا سياسيا و لا تطرقت المناقشة لأسباب تظلم الناس و شكايتهم و لا فكر أحد في إيجاد حل سلمي يحفظ على الأمة طاقاتها و يحقن دماءها و إنما دارت الآراء حول بعث الناس للجهاد (في سبيل عثمان بن عفان) حتى لا يكون هم أحدهم (إلا دبر دابته و قمل فروته) أو شن حملة اعتقالات و إعدامات كما أشار المنظر الأموي سعيد بن العاص أو (تشديد إجراءات الأمن و المراقبة) و هذه هي مشورة ابن آكلة الأكباد الذي كان يحرص على إبقاء حالة التوتر القائمة و مضاعفتها وصولا إلى غرضه النهائي و هو الاستيلاء على السلطة كما أنها ليست بمشورة و لا تقدم أي حل للمشكلة المتصاعدة.
ثم تكلم المرتد عبد الله بن سعد فقال: إن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
ثم تكلم الانتهازي الخطير عمرو بن العاص فقال:
يا أمير المؤمنين إنك ركبت الناس ببني أمية فقلت و قالوا و زغت و زاغوا فاعتدل أو اعتزل فإن أبيت فاعزم عزما و امض قدما فغضب منه عثمان بن عفان غضبا شديدا و قال له ما لك قمل فروك أهذا نجد منك…. فسكت عمرو حتى تفرقوا ثم قال و الله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك و لكن علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا فأردت أن ينقل إليهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا (تأمل في سلوكيات ذلك المستشار الذي عاش و مات رافعا شعار كل شيء للبيع و المهم الثمن و باع دينه بدنيا غيره و قدم أغلى استشارة تآمرية في التاريخ عندما قدم خبراته الشيطانية في خدمة المؤامرة الأموية من أجل الحصول على مصر طعمة له و لأولاده و من بعده و قارن بين مواقف هؤلاء و سلوكياتهم و مواقف الإمام من إعطاء النصيحة الخالصة لعمر بن الخطاب الذي قال لولا علي لافتضحنا) فماذا كانت نتيجة ذلك الاجتماع التشاوري  سوى تلك الكارثة التي نزلت بجميع المسلمين حيث يحكي لنا المؤرخون (فرد عثمان عماله إلى أعمالهم و أمرهم بتجهيز الناس في البعوث و عزم على أن يحرمهم أعطياتهم ليطيعوه و رد سعيد بن العاص إلى الكوفة فتلقاه أهلها بالجرعة و كانوا قد كرهوا إمارته و ذموا سيرته فقالوا له ارجع إلى صاحبك فلا حاجة لنا فيك فهم أن يمضي لوجهه و لا يرجع فكثر الناس عليه فقال له قائل أترد السيل عن أدراجه فارجع إلى المدينة فإن الكوفة ليست لك بدار فرجع إلى عثمان و أخبره بما جرى فأرسل إليهم أبا موسى الأشعري أميرا عليهم) و كان أن انتهى الأمر إلى ما هو معروف و إنا لله و إنا إليه راجعون.

 

لا للعلو و الاستكبار و الهيمنة على رقاب البشر:
يقول الإمام علي بن أبي طالب (الْحَمْدُ لله الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ و اخْتَارَهُمَا لنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ وَجَعَلَهُمَا حِمىً وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ. وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ، ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلاَئِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لَِيمِيزَ المُتَوَاضِعيِنَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ القُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِين * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ) اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بَخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لأصْلِهِ.
فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، و َادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ. أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبُّرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الآخرة سَعِيراً؟ وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُور يَخْطَفُ الأبصار ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيب يَأْخُذُ الأنفاس عَرْفُهُ، لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الأعناق خَاضِعَةً، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلائِكَةِ.
وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزاً بِالاخْتِبَارِ لَهُمْ، وَنَفْياً لِلاْسْتِكَبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ مِنْهُم. فَاعْتَبِروا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَة، لاَ يُدْرَى أمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الآخرة، عَنْ كِبْرِ سَاعَة وَاحِدَة.
فَمَنْ بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ؟ كَلاَّ، مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْر أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً، إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّماءِ وأَهْلِ الأرض لَوَاحِدٌ، وَمَا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَحَد مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمىً حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمينَ. فَاحْذَرُوا عَدُوَّ اللهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ[ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ  يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ ]بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ. فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ لَكُم بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَان قَرِيب، و(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، قَذْفاً بِغَيْب بَعِيد، وَرَجْماً بِظَنٍّ غَيْرِ مُصِيب، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ،وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ. حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الخفي إِلَى الأمر الْجَلِيِّ، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ (أي دخل) بِجُنُودِهِ نَحْوَ كُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ (قاموا بتوريطكم) وَلَجَاتِ الذُّلِّ، وَأَحَلُّوكم وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وَأَوْطَأُوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ، طَعْناً فِي عُيُونِكُم، وَحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ (أي أن إبليس اللعين يسعى لإهلاككم بتوريطكم في معارك و حروب المفاخرة الجاهلية التي كانت قائمة و لا زالت على قدم و ساق بين القبائل العربية و بين العرب و بين غيرهم).
فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ، وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، وإنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَواتِهِ، وَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ. وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤُوسِكُمْ، وَإِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحَتْ أَقْدَامِكُمْ، وَخَلْعَ التَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ. وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً (أي اتخذوا التواضع لله حصنا في مواجهة عدوكم) بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّة جُنُوداً وأَعْوَاناً، وَرَجِلاً وَفُرْسَاناً، وَلاَ تَكُونُوا كالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْل جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَقَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَاللهَ اللهَ في كِبْرِ الْحَمِيَّةِ، وَفَخْرِ الْجَاهلِيَّةِ! فَإِنَّهُ مَلاَقِحُ الشَّنَآنِ،  وَمَنَافِخُ الشَّيْطانِ، اللاِتي خَدَعَ بِهَا الأمم الْمَاضِيَةَ، والْقُرُونَ الْخَالِيَةَ ألاَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اللهَ مَا صَنَعَ بِهمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةً لآلائِهِ (أي نعمه و أفضاله)، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ إعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ.
فَاعْتَبِرُوا بَمَا أَصَابَ الأمم المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ و َصَوْلاَتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاَتِهِ (عندما جعلهم الله عبرة للمعتبر)،وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ (ما انتهى إليه حالهم)، وَمَصَارعِ جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذوا بِاللهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ، فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لأحَد مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنبِيَائِهِ [وَأَولِيائِهِ]، وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالاَْرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بالْـمَخْمَصَةِ (أي الجوع)، وَابْتَلاَهُمْ بِالْـمَجْهَدَةِ وَامْتَحَنَهُمْ بِالْـمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ، فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسُّخْطَ بِالمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ  الْفِتْنَةِ، وَالاِْخْتِبَارِ فِي مَوَاضِعِ الْغِنَى وَالاِْفْتِقارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ)، فَإِنَّ اللهَ سْبْحَانَهْ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ(عليهما السلام) عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ، و َبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَطَا لَهُ ـ إِنْ أَسْلَمَ ـ بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَدَوامَ عِزِّهِ، فَقَالَ: أَلاَ تَعْجبُونَ مِنْ هذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ، وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ، فَهَلاَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَب؟ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ! وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الْذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طَيْرَ السَّماءِ وَوُحُوشَ الأرَضِينَ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاَءُ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ، وَاضْمَحَلَّتِ الأنباء،  وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلِينَ، وَلاَ اسْتَحَقَّ الْمُؤمِنُونَ ثَوَابَ الْـمُحْسِنِينَ، وَلاَ لَزِمَتِ الأسماء مَعَانِيَهَا، وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّة فِي عَزَائِمِهِمْ، وَضَعَفَةً فِيَما تَرَى الأعين مِنْ حَالاَتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَة تَمْلاُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنىً، وَخَصَاصَة (أي الفقر) تَمْلاَُ الأبصار والأسماع أَذىً. وَلَوْ كَانَتِ الأنبياء أَهْلَ قُوَّة لاَ تُرَامُ، وَعِزَّة لاَ تُضَامُ، وَمُلْك تُمَدُّ نُحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ، لَكَانَ ذلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الاِْعَتِبَارِ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ الاِْسْتَكْبَارِ، وَلآمَنُوا عَنْ رَهْبَة قَاهِرَة لَهْمْ، أَوْ رَغْبَة مَائِلَة بِهِمْ، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً. وَلكِنَّ اللهَ سْبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاِْتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَالْتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَالاِْسْتِكَانَةُ لأمره، وَالاِْسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً، لاَ تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبلْوَى وَالاِْخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ  وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، و َيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَلْوَانِ الْـمَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهمْ، وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ.
و يقول الإمام علي عليه السلام في الخطبة الشقشقية (فَلَمَّا نَهَضْتُ بالأمر نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَفَسَقَ [وقسط ]آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخرة نَجْعَلُهَاِ للَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الأرض وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا! أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ( وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم وَلا سَغَبِ مَظْلُوم لألقيت حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا و َلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، و لألفيتم دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز!).
يقول الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه و آله و سلم (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت أنا على تنزيله) قالوا من يا رسول الله (فقال عليه أفضل الصلاة و أتم السلام خاصف النعل و أشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام) و الحديث أخرجه النسائي في خصائص الإمام علي بن أبي طالب و أخرجه أيضا ابن حبان و أحمد و الحاكم و قال صحيح على شرط الشيخين.
و هكذا و عندما نتحدث عن القاعدة الأخلاقية الأولى من قواعد النظام الإسلامي التي أكدها إمام الأمة علي بن أبي طالب نراه يتحدث عن قاعدة مستخلصة من كتاب الله عز و جل تلك الآية الواردة في سورة القصص آية رقم 83 (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين) و العلو نظير الكبر و الاستكبار إلا أنه على ما يبدو هو الاستكبار في صيغته العملية و هو من صفات القوم الكافرين و الفاسدين (و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوا) النمل آية 14 و قوله عز من قائل في سورة الإسراء آية 4 عن بني إسرائيل (و قضينا إلى بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين و لتعلن علوا كبيرا).
و كما يقول العلامة الطباطبائي في تفسير سورة الإٍسراء (العلو هو الارتفاع و هو في الآية “آية الإسراء” كناية عن الطغيان بالظلم و التعدي و يشهد على ذلك عطفه على الإفساد عطف التفسير و في هذا المعنى قوله تعالى “إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعا”.
أما في تفسير سورة القصص (إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعا…) فنرى النص القرآني يضيف تفسيرا جديدا لمعنى العلو الإفسادي هو جعل أهلها شيعا فيقول العلامة (أنه جعل أهل مصر شيعا أي فرقا من خلال إلقاء الاختلاف بينهم لئلا تتفق كلمتهم فيثوروا عليه و يقلبوا عليه الأمور على ما هو من دأب الملوك ثم يزداد فرعون في عتوه فيستضعف طائفة منهم هو بنو إسرائيل فكان فرعون يعاملهم معاملة الأرقاء الأسراء).
إذا فالعلو صفة بشرية مذمومة تتمثل في الخروج عن الأمر الإلهي في العلاقة بين البشر حينما يتأله الإنسان و يتفرعن على إخوانه في الدين أو الإنسانية كما فعل فرعون لعنه الله تعالى (إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين و نمكن لهم في الأرض و نري فرعون و هامان و جنودهما منهم ما كانون يحذرون) القصص 4- 6.
إن هذا الاستشهاد العلوي الذي ورد في آخر خطبته الشقشقية واصفا حال من تمردوا عليه بأنه نوع من التمرد الاستكباري على معايير العدل الإلهي القاضي بأصالة المساواة بين البشر و أن التمايز بينهم هو بالعلم و مكارم الأخلاق و الجهاد في سبيل الله (نرفع درجات من نشاء و فوق كل ذي علم عليم) (يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات) و أن التمايز بين الناس بسبب اللون أو العرق أو الثروة هو أمر مرفوض خاصة إذا ترتب على هذا التمايز اختلال في معايير العدالة و المساواة و قاد إلى الظلم و القهر التسلط على رقاب العباد.
من ناحية أخرى فإن تاريخ ما يسمى بالعالم المتحضر بل و حاضره مع التفرقة العنصرية يبرز الحاجة الملحة لمواصلة نفض الغبار عن كنوز تراثنا الأخلاقي و الحضاري و تقديمها للعالم لا لمجرد تحسين صورة الإسلام في مواجهة العالم غير الإسلامي (المثالي الكامل المتكامل) فالعالم في حاجة إلينا مثلما نحن في حاجة إليه … العالم في حاجة للتعرف على ما لدينا من قيم و نحن في حاجة للتعرف على ما عندهم من قيم هي بالتأكيد موجودة في ديننا لسبب رئيس هو وحدة المصدر الإلهي و الأصل هو التفاهم و الحوار بين أبناء القبيلة الإنسانية الواحدة و لكن الناس اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
و الشاهد أن العالم (المتحضر) و بعد أكثر من اثني عشر قرن من كلام الإمام علي الذي اضطررنا لاختصاره حتى يسهل على الناس فهمه و استيعابه كان و ما زال يمارس هذه التفرقة العنصرية التي حذر منها الإسلام العظيم في كتاب الله (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) و سنورد لكم صورة من التفرقة العنصرية التي مورست في الولايات المتحدة في نهاية القرن الماضي نقلا عن مجلة الوحدة الإسلامية (فكثير من المؤسسات والنوادي والمقاهي كُتِبَ عليها يافطات بالخط العريض “يمنع دخول الزنوج والكلاب”، وكان على الزنجي الأمريكي الوقوف من مقعده في الحافلة إذا لم يكن من مقعد فارغ ليفسح المجال أمام جلوس نظيره “الأمريكي الأبيض” وكثير من مؤسسات الخدمات العامة في المقاطعات الجنوبية في الولايات المتحدة ومنها المطاعم كانت لا تقدّم الوجبات إلى الزنوج إلا وهم واقفون، وجرت أول عملية جلوس قسري في خريف 1960 في محلات “ريتشز” أكبر محلات للبيع في مدينة “أتلانتا” حيث كان الزنوج لا يستطيعون استخدام المطعم أو الجلوس في المقهى، وكانت حصيلة ذلك الجلوس القسري إلقاء القبض على 53 زنجياً والحكم عليهم بالسجن مدة أربعة أشهر في ولاية “نورث كارولينا”. أما ما حصل في محلات “وولوث” فقد جلس الزنوج بهدوء إلى طاولات المطعم تحت نظرات “أترابهم” البيض غير المستسيغة لهم، كما ولم يستجب عمال المطعم لطلباتهم اللطيفة المتكررة لجلب الطعام، وبقي الطلبة جالسين في أمكنتهم حتى أغلق المطعم أبوابه في نهاية اليوم، وفي اليوم التالي كرّر هؤلاء الطلبة تجربتهم ومعهم 25 طالباً جديداً، وبعد أسبوعين امتد هذا النوع من “الجلوس القسري” كطريقة للاحتجاج إلى 14 مدينة في خمس ولايات جنوبية، وكان الاحتجاج على الطريقة التي “شرّعها” السكان البيض، وهي أن الزنوج يستطيعون الأكل في مطاعم البيض إنما وقوفاً، أما إذا جلسوا فلا يُخدمون، وتحركت العناصر المتطرفة من الطرف الآخر وبدأت جمعية “كولوكس كلان” تهدد المحلات التي تستقبل الزنوج.
وإلى جانب الاضطهاد العنصري الذي كان يعيشه السكان السود في الولايات المتحدة، كان الظلم الاقتصادي الأكثر بشاعة، ففي الستينات كان يعيش أكثر من عشرين مليون زنجي في بيوت سكنية فقيرة قذرة مبينة من الصفيح والأخشاب في مدن الولايات المتحدة الشمالية هرباً من ظلم التفرقة العنصرية في الجنوب، ففي هذه الأماكن كان الظلم الاقتصادي يترجم إلى بطالة وفقر، كما كان يترجم إلى بحث مضني عن العمل، وعن أماكن صالحة للسكن، وكانت هذه الأسباب قد جعلت من الزنجي الأمريكي نوعاً من الطاعون المقيم في وسط المدن الكبرى لا يستطيع الخروج منها والانتقال إلى مكان أكثر صحة وعافية.
لقد أدت تلك المعاناة الاقتصادية والعرقية التي عاشها الزنوج في الولايات المتحدة إلى الكثير من ردود الفعل كان من أهمها حركة مقاطعة الباصات عام 1955 في مدينة مونتغمري المدينة الأولى في الدولة الاتحادية في الجنوب والتي نجمت عن سياسة التمييز العنصري التي اتبّعتها شركة الباصات وكانت تقضي بعدم جلوس الزنوج في الباصات التي تقّل البيض و هذه الشركة هي الوحيدة التي تعمل على نقل الركاب في العاصمة “مونتغمري” حيث تبلغ نسبة الزنوج 70% من عدد سكان المدينة.
وبدأت القصة مع امرأة زنجية متعبة هي السيدة “روزا باركس” السكرتيرة المحلية للجنة جمعية “تقدم الشعوب الملونة”. ففي أول كانون الأول 1955، كان باص شركة خطوط مونتغمري يقف في “كورت سكوير” ويستقله 24 راكباً زنجياً جالسين في المؤخرة و12 راكباً أبيض جالسين في المقدمة. وفي الموقف الثاني “امباير ثياتر” وقف الباص وصعد إليه ركاب جدد، وكالعادة طلب السائق من الزنوج أن يخلوا الأمكنة للركاب البيض، فانصاع للأمر ثلاثة من الزنوج ورفضت “روزا باركس” التي بررت موقفها بالقول: “لا أدري لماذا لم أتحرك، لم يكن هناك أية خطة أو تصميم مسبق للتحرك، كانت قدماي متعبتين من المشي بعد يوم قضيته في السوق” فألقي القبض عليها وغُرمت بعشرة دولارات بتهمة خرق القوانين التي تجيز التمييز في ركوب الباصات).
كانت هذه نماذج من التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة الآن في العالم تلك العنصرية التي لم تنطفئ على مدى الحقب الماضية وما تشهده المدن الأمريكية من فترة لأخرى هو بمثابة نسخة طبق الأصل عن جولة حدثت في أواخر الستينات في عهد الرئيس ليندون جونسون حيث انفجر الغضب الأسود بعد أن قامت السلطات المحلية بتحقيرهم وإذلالهم، مما اضطر الرئيس الأمريكي لأن يدفع بالجيش الفيدرالي إلى الشوارع “لضبط الأوضاع” في ديترويت وشيكاغو ونيويورك ومدن متعددة أخرى، حيث كانت الخسائر المادية بمليارات الدولارات إلى جانب عشرات القتلى والجرحى والمفقودين).
المصدر مجلة الوحدة الإسلامية
إذا فقد كان الإمام علي بن أبي طالب و من خلال تلك الكلمات النورانية يحذر الأمة و يحذر العالم أجمع من مستقبل نكد إذا أسلمت أمرها و استسلمت للعنصرية و القبلية التي رفع لواءها تلك القوى تريد أن تتفرعن و أن تعلو و أن تفسد في الأرض كما صنع الذين من قبلهم حذو النعل بالنعل.
من ناحية أخرى يعلن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أن الإسلام الحقيقي يقف في مواجهة العنصرية و الطبقية بكافة صورها و أشكالها و هي أي العنصرية هي النقيض الكامل لقوله تعالى (الذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا).
تمثلت هذه العنصرية في الصهيونية العسكرية و ليست في اليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام كما تمثلت أيضا في النزعة العنصرية الكامنة لدى بعض العرب و التي ارتدت أثوابا قديمة و أخرى معاصرة سيرا على المنهج الذي اختطه إبليس اللعين لأتباعه و حزبه حزب الشيطان و كما ورد في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (إن الله عز و جل يعذب ستة بستة العرب بالعصبية و الدهاقين بالكبر و الأمراء بالجور و الفقهاء بالحسد و التجار بالخيانة و أهل الرساتيق بالجهل) موسوعة الإمام الصادق ج14 ص 64.
العصبية القبلية أحد أهم أسباب تدهور الدولة الإسلامية:
لعبت العصبية القبلية دورا بالغ الخطورة في صياغة مسار الأمة الإسلامية في بداياتها الأولى ذلك المسار الذي أدى إلى هذا الحاضر المعتل الذي نحياه الآن و سنورد بعض النماذج التي تكشف هذا الجانب الأخلاقي المهم الذي عذب الله به العرب كما يقول الحديث المروي عن أبي عبد الله.
النموذج الأول: فقد حاول بنو أمية في عهد الخليفة الثالث أن يجعلوا من الدولة الإسلامية بستانا لقريش و بني أمية تتصرف فيها بما تحكم و تشاء فكان أن أعلن سعيد بن العاص والي عثمان بن عفان على الكوفة (أن هذا السواد بستان لقريش تأخذ منه ما شاءت و تترك) شرح النهج ج1 ص 158، 229 و في رواية ابن جرير الطبري (إن السواد بستان لقريش و بني أمية) أي أن بني أمية أرادوا أن يشرعوا لأمة لا إله إلا الله (أن الأرض و من عليها قد أصبحت ملكا لهم يأخذون ما أحبوا و يتركون للناس ما يفيض عنهم أو ما يتكرمون بتركه).
النموذج الثاني: لماذا قادت أم المؤمنين عائشة الحرب على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟؟.
روى المدائني في كتاب الجمل قال (لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة و بلغ قتله إليها فلم تشك أن طلحة هو صاحب الأمر (؟؟!!) و قالت بعدا لنعثل و سحقا إيه ذا الأصبع إيه أبا شبل إيه يا ابن عم لكأني أنظر إلى أصبعه و هو يبايع له حثو الإبل دعدعوها) كما روى عن أبي مخنف في كتابه (أن عائشة لما بلغها قتل عثمان و هي بمكة أقبلت مسرعة و هي تقول إيه ذا الأصبع لله أبوك أما إنهم وجدوا طلحة لها كفوا ثم جاءها الخبر ببيعة علي عليه السلام فقالت لوددت أن السماء انطبقت على الأرض إن تم هذا …. ثم ولولت فقيل لها ما شأنك يا أم المؤمنين و الله ما أعرف بين لابتيها أحدا هو أولى بها منه و لا أحق و لا أرى له نظيرا فماذا تكرهين من ولايته؟؟).
و روى أيضا عن قيس بن أبي حازم نفس الرواية و زاد فيها أنه لما بلغها الخبر ببيعة علي عليه السلام رجعت إلى مكة و رأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها كأنها تخاطب أحدا …. قتل عثمان مظلوما فقلت لها يا أم المؤمنين ألم أسمعك آنفا تقولين أبعده الله و قد رأيتك قبل ذلك أشد الناس عليه و أقبحهم فيه قولا؟؟!!
فقالت لقد كان ذلك و لكني نظرت إليهم فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه و روي أيضا أنها قالت لما بلغها قتله (أبعده الله قتله ذنبه و أقاده الله بعمله يا معشر قريش إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الأصبع فلما جاءت الأخبار ببيعة علي عليه السلام قالت تعسوا تعسوا لا يردون الأمر في تيم أبدا) !!!!!!!!!.
إنها العصبية القبلية التيمية و محاولة إنشاء نظام سياسي تقوده قبيلة تيم بن مرة التي تنتمي إليها عائشة و طلحة بن عبيد الله هي التي دفعت أم المؤمنين إلى ركوب الجمل و الخروج إلى البصرة لحرب إمام الحق علي بن أبي طالب عليه السلام و التسبب في سفك كل هذه الدماء التي حرم الله سفكها إلا بالحق و صدق الإمام حين وصف هؤلاء المتعصبين بأنهم من السائرين على درب إبليس الذي نازع الله عز و جل رداء العز و التجبر فكان الطرد الإلهي من رحمته و كرامته (اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين).
و يبقى أن العصبية القبلية أو العرقية تمثل نقضا مبرما لكل القيم الإسلامية الرسالية التي أسست دولة العدل و المساواة فلا فضل لعربي على عجمي و لا لأبيض على أسود فالكل سواء أمام قانون السماء (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) سورة الحجرات.
إن كلمات الإمام علي عليه السلام تضع قانونا أساسيا للأخلاق كما للسياسة كما لحقوق الإنسان لأن العز و الكبرياء هي لله وحده و من نازعه فيهما من جبار قصمه الله و أخذه أخذ عزيز مقتدر و أن تكبر الشيطان على إرادة الله لم تأت من منطلق الإنكار لخالقيته عز و جل و إنما من موضع الاستكبار على آدم و الاعتزاز الغبي بأصل الخلقة الإبليسية من نار في حين أن آدم عليه السلام خلق من طين و كان على هذا اللعين أن يدرك أن التكرمة و التقدمة ترتبط بصفاء النفس البشرية التي هي نفخة من الروح الإلهية فكان أن (اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بَخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لأصْلِه) فصار بذلك التصرف الأحمق (إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، و َادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ)  و كانت عقوبته من الله عز و جل أَن َ(صَغَّرَهُ بِتَكَبُّرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الآخرة سعيرا) و إذا كان تكبر إبليس على خالقه عز و جل و عصيانه لأمره بالسجود لآدم بسبب أصله الطيني و اغتراره بأصله الناري قد أخرجه من رحمة الله إلى يوم يبعثون بالرغم من أنه قد عبد الله قبل هذه الواقعة ستة آلاف عام لا يدرى من سني الدنيا أن من سني الآخرة فما بالك بمن تكبر و ترفع على أخيه في الإنسانية لمجرد الخلاف في لون البشرة مع وحدة الطينة و الأصل و المنشأ أو بسبب اختلاف اسم القبيلة التي ولد هذا الإنسان بين أظهرها و لذا و عندما سؤل الإمام الصادق عليه السلام عن أدنى الإلحاد فقال إن الكبر أدناه) موسوعة الإمام الصادق ج14 ص 125.
ثم يحذر الإمام العرب الذين يسمعون خطابه من الخطر الداهم الذي يمثله الاستسلام لهذه النزعة الإبليسية على مستقبلهم فيقول (فَاحْذَرُوا عَدُوَّ اللهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ  يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ ]بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ. فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ لَكُم بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَان قَرِيب، و(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ثم ينبههم الإمام و يحذرهم و يناشدهم أن (يَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِهمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ، وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ…….) تلك الأحقاد التي لم تنم طويلا حتى اطلعت من مغرزها فسارع هؤلاء للالتفاف حول بني أمية ثأرا من أهل البيت عليهم السلام و من علي بن أبي طالب فكانت مجزرة أهل البيت بقيادة الحسين بن علي في كربلاء (يوما بيوم بدر) كما قال اللعين يزيد ثم كان الهجوم الأموي القذر على مدينة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوم (الحرة) يوما بيوم فتح مكة حيث أصر هؤلاء الأوباش على انتهاك حرمة حرائر المسلمين و انتهاك أعراضهم ثم استرقاق المسلمين و أخذ بيعتهم على أنهم خول ليزيد يحكم في أموالهم و أهليهم ما يشاء.
ثم يضيف الإمام علي عليه السلام نقطة في غاية الأهمية و هي أن الله تبارك و تعالى يبتلي عباده و يختبرهمُ (بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، و َيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَلْوَانِ الْـمَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهمْ، وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ) و أن هذا الابتلاء الإلهي هي من سنن الله مع أنبيائه و خاصة أوليائه الذين لم يجعل الدنيا لجهادهم ثمنا و لا عما عند الله عوضا (و لولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معرج عليها يظهرون و لبيوتهم أبوابا و سررا عليها يتكئون و زخرفا و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا و الآخرة عند ربك للمتقين) الزخرف.
إن أمة تتربى بهذه التربية لا يمكن لها أن تعرف إلا العدل الاجتماعي و العدل السياسي و الأهم من هذا أن تلك التربية السياسية الأخلاقية ربما كانت كفيلة أن تحول بين المسلمين و واقعهم التعيس و هم الذين شنوا الحروب على جارتهم إيران المسلمة (حماية لبوابتهم الشرقية من العدو الفارسي المجوسي) و انطلق الأفاقون و المزورون يروجون لتلك الأكاذيب العصبية الجاهلية الإبليسية التي رفع لواءها ما يسمى بالأحزاب القومية تلك الأحزاب و الشخصيات التي امتطاها و استحمرها صدام التكريتي و ساقها وراءه من أجل تحقيق أهدافه اللاإنسانية و حروب الإبادة و كأن مصير الأمة العربية كان متوقفا على تغيير اسم الخليج الفارسي إلى الخليج العربي و كفى بذلك نصرا مبينا و كأن اسم بحر العرب قد منح لهم تقديرا لمجهوداتهم الحضارية و الإنسانية و العلمية و هي فضيحة أخلاقية فقد حارب هؤلاء معارك الأسماء و انتصروا فيها أمام الميكروفونات و أمام شعوبهم المغلوبة على أمرها ثم خسروا بعد ذلك معارك الجغرافيا و التاريخ و الحضارة و الإنسانية و أخيرا معارك الأخلاق إذ أننا نحتل مكاننا الطبيعي و المنطقي في ذيل الأمم و قاتل الله إبليس و الكبر الفارغ.
الوجه الآخر للكبر غمص الخلق و سفه الحق: لا يقتصر داء الكبر على التفاخر القبلي أو الكبر القومي أو الكبر الوطني أو السرطان العنصري فهناك الكبر الأصلي أي غمص الحق و سفه الخلق و قد قال الصادق عليه السلام (إنما الكبر من تكبر عن ولايتنا و أنكر معرفة أئمتنا فمن كان فيه مثقال حبة من خردل من ذلك لم يدخله الجنة و من أقر بمعرفتنا و أقر بحقنا لم يدخله النار) موسوعة الإمام الصادق ج14 ص 130 و روى أبو عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال (إن أعظم الكبر غمص الخلق و سفه الحق قلت و ما غمص الخلق و سفه الحق قال يجهل الحق و يطعن على أهله فمن فعل ذلك فقد نازع الله عز و جل رداءه) 132 نفس المصدر. و قال رسول الله ص (آفة الحسب الافتخار و العجب) ص137.
إذا فالمطلوب من المسلم أن يحني رأسه لله عز و جل و ما نزل من الحق (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله و ما نزل من الحق و لا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثير منهم فاسقون) الحديد 16 و من أهم ما فرض على المسلم أن يأتي الله عز و جل من بابه الذي أمر أن يؤتى منه من بوابة الإقرار و المعرفة بفضل محمد و آل محمد و لا شك أن من أهم ما لاحظناه أثناء حوارنا مع المخالفين في الرأي حول إمامة أهل البيت عليهم السلام هو تلك الحالة الاستكبارية التي يستندون إليها في جدالهم و حوارهم و افتراضهم المطلق بأنهم أهدى من أتباع مدرسة أهل البيت سبيلا من دون أن يجهدوا أنفسهم في البحث حول صحة الأدلة أو أن يعملوا عقولهم في هذه الأدلة أو في قراءة التاريخ من مصادر كتبها أسلافهم و هم يقرون بصحتها شريطة أن تخدم رؤاهم الفكرية و المذهبية أما إذا خرجت عن خدمة هذا الهدف فكلا و ألف كلا أليس هذا هو غمص الخلق و سفه الحق. أليس هذا الكبر هو الذي يمنع المسلمين من مراجعة أخطائهم و تقويم مسيرتهم و عدم تقبلهم لأي نوع من النقد الموجه إليهم من الداخل أو الخارج!!. أليس هذا التكبر عن المراجعة و إعادة التقويم هو الذي يدفعه دائما لإلقاء العبء كل العبء فيا آلت إليه أمورهم من فساد و اضطراب على التآمر الخارجي و على عدوهم الدائم المتمثل في أمريكا و إسرائيل من دون أدنى رغبة في مراجعة ملفات خطاياهم القديمة أو المعاصرة  أيها السادة نخاطبكم بما خاطب به إمام المتقين أسلافكم من العرب المستكبرين على أصلهم َ”اسْتَعِيذوا بِاللهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهر و َاعْتَبِرُوا بَمَا أَصَابَ الأمم المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ و َصَوْلاَتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاَتِهِ وَاتَّعِظُوا بِما انتهى إليه حالهم و تأملوا فيما نزل بداركم أو قريبا من داركم” (و لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد) الرعد 31.

 

الولاء لأهل البيت عليهم السلام هو المرتكز الأساس للبناء الأخلاقي في الإسلام:

خطب الإمام علي بعد انتهاء حرب الجمل فقال:
(بِنَا اهْتَدَيْتُمْ في الظَّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ العلْيَاءَ، وبِنَا انْفَجَرْتُم عَنِ السِّرَارِ، وُقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الوَاعِيَةَ و كَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ؟  رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الخَفَقَانُ.
مَا زِلتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الغَدْرِ، و َأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الـمُغْتَرِّينَ ، سَتَرَني عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ ، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ، أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الحَقِّ في جَوَادِّ الـمَضَلَّةِ ، حيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَلِيلَ، وَتَحْتَفِرُونَ وَلا تُميِهُونَ. اليَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ العَجْمَاءَ ذاتَ البَيَان! عَزَبَ رَأْيُ امْرِىء تَخَلَّفَ عني لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهال و دول الضلال الآن تواقفنا على طريق الحق و الباطل من وثق بماء لم يظمأ).

انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدىً، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدىً، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا، وَلاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلاَ تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا. أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا، كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا، أَنْ رَفَعَنَا اللهُ وَوَضَعَهُمْ، وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا و َأَخْرَجَهُمْ.

بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى وَبِنَا يُسْتَجْلَى الْعَمَى إِنَّ الأئمة مِنْ قُرَيش غُرِسُوا فِي هذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِم، لاَ تَصْلُحُ لسِوَاهُمْ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهمْ.
إن القاعدة التي يطرحها الإمام عليه السلام في هذه الكلمات و في غيرها تضع قاعدة للهداية و للخلق القويم اقتداء بالرسول الكريم (و إنك لعلى خلق عظيم) هذه القاعدة هي الولاء لأهل البيت إخباتا و إذعانا للأمر الإلهي و للنداءات القرآنية و النبوية المتوالية بلزوم ولاية أهل بيت العصمة و النبوة و كما نقلها سيد الأوصياء عن سيد الأصفياء و الأنبياء (انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدىً، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدىً، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا، وَلاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلاَ تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا) و كما ذكر رب العزة في محكم كتابه (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم) و أولوا الأمر هم أئمة أهل البيت الذين أوجب الله علينا طاعتهم.
القاعدة الأساس للاستقامة على الطريق أن تكون حيث أمرك الله عز و جل أن تكون و أن تغيب حيث أمرك الله عز و جل أن تغيب و هذا لا يكون إلا بالاستقامة على موالاة من أمرنا الله عز و جل بموالاتهم و من نهانا الله عن مخالفتهم.
ألم تقرءوا قول الله تبارك و تعالى في سورة المجادلة (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم و لا منهم و يحلفون على الكذب و هم يعلمون* أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعلمون* اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين* لن تغني عنهم أموالهم و لا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون* يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم و يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون* استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون* إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين* كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز* لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه و يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم و رضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) المجادلة 14-22.
فمن يا ترى هؤلاء الذين غضب الله عليهم فخرجوا من معسكر الإيمان مع أنهم أعلنوا نبذهم للكفر؟؟ (ما هم منكم و لا منهم) إنهم المنافقون بكل تأكيد الذين يصرون على الحلف بأغلظ الأيمان بأنهم من الداخلين في معسكر الإيمان و هم الذين قال عنهم ربنا (إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم) و المعلوم أن المنافقين هم قوم أسروا الكفر و أعلنوا الإسلام أي أنهم من الناحية الواقعية موجودون داخل الصف المسلم بل إنهم من أفضل من يتحدث في أمور الدين (و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم) أي أنهم ليسوا فساقا مجاهرين بفسقهم بل مسلمون ملتزمون من الناحية الشكلية و العبادية حريصين على إعلان هذا الالتزام و لإبرازه للرأي العام المغفل حتى يتمكنوا من مواصلة مهمتهم التدميرية القذرة من داخل الصف المسلم فإذا سألتهم كيف يمكن لنا أن نعرف هؤلاء على وجه اليقين من دون أن نذهب ضحية لعمليات النصب و الاحتيال باسم الإسلام و الدين أجابوك بالقول يمكننا أن نعرف هؤلاء بواسطة (العلماء)!!
عندها يكون جوابنا عليهم أن هؤلاء العلماء و ربما أكابر العلماء لا يمكن لهم أن يسلموا من داء النفاق و دونكم قصة بلعم بن باعوراء الذي حكى عنه ربنا في سورة الأعراف آية 176(و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه أخلد إلى الأرض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) فكيف يمكن لنا أن نطمئن و أن نثق وثوقا لا يتطرق إليه الريب في أن ما يقوله هؤلاء العلماء هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و من ثم نطمئن بعد ذلك أننا والينا بالقول و الفعل من أمرنا الله بموالاته و عادينا بالفعل من أمرنا الله بمعاداته و لو كانوا أبناءنا أو آبائنا أو أقرب المقربين إلينا و لو كانوا من أولئك المقدسين الموهومين الذين صنعتهم أجهزة الدعاية الأموية المضللة إذا سلمنا بمقولة العلماء هذه التي يتحدث عنها هؤلاء الشباب.
ثم عن أي علماء يتحدثون و قد ادعى كل من أمسك كتابا و لو لم يقرأه أنه من العلماء؟؟ علماء الأخوان أم علماء السلفيين أم علماء الوهابيين و لماذا جرى استثناء علماء أهل البيت عليهم السلام بنفس الطريقة التي استثنى بها أخوة يوسف أخاهم نبي الله عليه السلام و جاءوا أباهم عشاء يبكون بينما جاء هؤلاء إلى ندوات التقريب يتحدثون عن وحدة المسلمين و نبذ الفرقة بينما يعملون ليل نهار لاستئصال تيار أهل البيت من الوجود فهلا شرحتم لنا السبب الذي يدفعكم للإصرار على استثناءهم؟؟.
لقد أضحكني أحد هؤلاء القادة المزعومين و هو يصرح في حديث أجري معه في جريدة القاهرة المصرية يوم الثامن عشر من نوفمبر 2003 بأن تخلي شيعة أهل البيت عن نهج الإمامة هو شرط الوحدة الإسلامية حيث قال فض الله فوه (أن تبني إيران لمبدأ ولاية الفقيه سوف يؤدي في النهاية إلى أن تذبل فكرة الإمام الغائب في الفكر الشيعي لأن هذا هو جوهر الخلاف الشيعي السني) ثم يذهب بعيدا في أحلامه و أوهامه ليقول (و لو تحطم جزء من فكرة تسلسل الأئمة و الوصاية لهم لحدث تقارب كبير بين المذهبين).
و نحن نتساءل لماذا لا يكون معيار الولاء و البراء و الفصل بين المؤمن الصادق و المنافق هو الولاء لمحمد و آل محمد و هم من هتف الرسول بموالاتهم مرارا و تكرارا خاصة يوم غدير خم و أجمعت الأمة على طهرهم بمن فيهم أعدى أعدائهم و ضرورة الالتفاف حولهم في كل مواقفهم في حربهم و سلمهم.
لقد مثلت واقعة يوم الغدير إعلانا عاما على رؤوس الأشهاد للنداء بالولاية لأهل البيت تلك الواقعة التي أجمع رواة السير و أصحاب السنن على روايتها حيث خطب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله الناس لدى عودته من حجة الوداع فقال (ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا عبده ورسوله ، وأن جنته حق وناره حق وأن الموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ؟ قالوا : بلى نشهد بذلك ، قال : اللهم اشهد ، ثم قال : أيها الناس ألا   تسمعون ؟ قالوا : نعم . قال : فإني فرط على الحوض ، وأنتم واردون علي الحوض وإن عرضه ما بين صنعاء و بصرى فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين فنادى مناد : وما الثقلان يا رسول الله؟ قال : الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عز وجل و  طرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبأني انهما لن يتفرقا حتى يراد علي الحوض فسألت ذلك لهما ربي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤى بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون ، فقال : أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال : إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، يقولها ثلاث مرات وفي لفظ احمد إمام الحنابلة: أربع مرات ثم قال : اللهم وال من والاه  وعاد من عاداه وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث   دار ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  الآية . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله اكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي ، والولاية لعلي من بعدي ، ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممن هنأه في مقدم الصحابة : الشيخان أبو بكر وعمر كل يقول : بخ بخ لك يا بن أبى طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل  مؤمن ومؤمنة ، وقال ابن عباس : وجبت والله في أعناق القوم).
إذا فالتمسك بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام و أئمة أهل البيت من بعده و بمواقفهم السياسية و الفكرية و الفقهية هي الضمان الأوحد ليأتي موقفك السياسي و الأخلاقي موافقا للموقف الصحيح موقف حزب الله في مواجهة حزب الشيطان و هو ما كلف الأمة انشقاقا بالغ الخطورة من الناحية الواقعية إذ كان الاصطفاف خلف أئمة الحق في مواجهة أدعياء الإمامة و الولاية أمرا باهظ الكلفة و الثمن سواء كان هذا في حياة الإمام أو بعد استشهاده سلام الله عليه (و إن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) (و إن كانت لكبيرة إلا على الخاشعين).
ثم ألستم تقولون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كانوا جميعا من العلماء العدول فلماذا لم يدفعهم هذا العلم إلى التوحد و نبذ الخلاف بل و نبذ الحرب لو أن الأمر لا يعدو كونه مجرد علم و عقل و نص فما بالك بمن جاء بعدهم ممن أسماهم أشباه الناس بالعلماء و هم ليسوا من العلم في شيء.
و إذا كان الأمر أمر علم و عقل و نص فلماذا حذر الله نبيه داود من اتباع الهوى (فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) ذلك الهوى الذي يعمي و يصم و يمكن أن يجعل من صاحبه كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث و إن تتركه يلهث أو كمثل الحمار يحمل أسفارا؟؟!!.
إذا فالضمان الوحيد هو وجود الإمام المعصوم أو السير على نهجه في كبريات الأمور و أمهات المسائل و هو القادر على مواجهة تلك الفتن بعلم جامع لا يتطرق إليه الفساد و لا النسيان و بتجرد خالص لله رب العالمين (لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة) عندها يمكن فقط أن نقول لهؤلاء (نوالي من والاكم و لو كانوا أبعد الأبعدين و نعادي من عاداكم و لو كانوا أقرب المقربين أو مشاهير المقدسين المصنوعين و نحن على يقين أن حزبكم هو حزب الله و أعداؤكم هم حزب الشياطين المارقين).
لقد وضع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هذه القاعدة على الأرض في أعقاب معركة الجمل عندما سأله واحد ممن حضروا هذه الواقعة التي أصابته بالدوار و الرواية لأبي مخنف (يا أمير المؤمنين أي فتنة أعظم من هذه إن البدرية ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف)
“فقال علي عليه السلام:ويحك أتكون فتنة أنا أميرها و قائدها و الذي بعث محمدا بالحق و كرم وجهه ما كذبت و لا كذبت و لا ضللت و لا ضل بي و لا زللت و لا زل بي و إني لعلى بينة من ربي بينها الله و رسوله لي و سأدعى يوم القيامة و لا ذنب لي و لو كان لي ذنب لكفر عني ذنوبي ما أنا فيه من قتالهم”.
لقد أراد الإمام عليه السلام بتلك الكلمات أن يفسد تلك المؤامرة الشيطانية المتواصلة من يومها إلى يومنا هذا و القائمة على التلاعب بعواطف العامة عندما يمعن حزب الشيطان في القتل و التخريب و سفك الدماء من دون مراعاة لأي قيمة إنسانية أو أخلاقية ثم يبعث بأدواته الدعائية لتتباكى على الفتنة و ما سفك من دماء المسلمين التي كانوا هم من أراقها مطالبة معسكر الحق بالتنحي من طريقهم لئلا تسفك المزيد من الدماء و هذا هو دأبهم و ديدنهم منذ ذلك اليوم وصولا إلى ما جرى و يجري الآن في العراق و مرورا بالمجزرة التي تعرض لها حجاج بيت الله الحرام الإيرانيين عام 1987 و بعد أن يضع معسكر الحق السلاح (حقنا للدماء) يبدءون هم دورة أخرى من الثأر و الإبادة و الانتقام و من هنا ينبغي لأهل الحق المدافعين عنه على بصيرة ألا يتأثروا بتلك الحملة الإعلامية القديمة و المعاصرة طالما أن مواقفهم قد تأسست على مبدأ الولاء الصلب لمحمد و آل محمد.
البعد الآخر هو ما يمثله الارتباط بولاية أهل البيت عليهم السلام بتلك الطينة النورانية و النفحة الربانية التي وهبها الله عز و جل لسيد أنبيائه و خاصة أصفيائه (و إنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) (قل الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى) من تواصل و اتصال بالملأ الأعلى تواصلا يمكن صاحبه من وضع قدميه على أول سلمة في عالم الأبرار عالم أصحاب اليمين ليعلو به ثم يعلو ليأخذه إلى عالم المقربين (و كنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة و أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة و السابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم) إنه صعود على مرقاة و ليس صعودا في الفراغ و إلا كان صعودا من الفراغ إلى الفراغ أو سيرا في الفضاء على غير هدى و لا دليل بل هو سير على صراط الله المستقيم (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين) الفاتحة فمن هؤلاء يا رب الذين أنعمت عليهم (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم و ممن حملنا مع نوح و من ذرية إبراهيم و إسرائيل و ممن هدينا و اجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدوا و بكيا) سورة مريم آية 58 فالصراط صراط الله المستقيم هو صراط الذرية و الآل آل إبراهيم و آل محمد صراط الصعود و الارتقاء
هذا المعنى الذي تؤكده تلك الرواية التي أوردها الكليني في الكافي (عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر  عليه السلام يقول : إن الله عز وجل خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا  منه وخلق أبدانهم من دون ذلك ، وقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه ثم تلا هذه الآية ” كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون * كتاب  مرقوم يشهده المقربون  ” وخلق عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم  منه وأبدانهم من دون ذلك ، فقلوبهم تهوي إليهم ، لأنها خلقت مما خلقوا منه ، ثم  تلا هذه الآية : ” كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم  ويل يومئذ للمكذبين”) إذ يشير الإمام الصادق سلام الله عليه لارتباط طينة الأئمة عليهم السلام بطينة شيعتهم ذلك الارتباط الذي يجعل من تطلعات ذلك المؤمن و أشواقه تدور في نفس الفلك العلوي الذي تدور فيه تطلعات و أشواق الأئمة المعصومين عليهم السلام من حب لله و رغبة لا يحدها قيد أو شرط في تحقيق مرضاة الخالق عز و جل و إن تفاوتت المسافة قربا أو بعدا من المركز فهم (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون* يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يشفعون إلا لمن ارتضى و هم من خشيته مشفقون) و هذه الرواية تأتي تأييدا لنظرية الأخلاق الفطرية و لا تنافي أهمية التربية الأخلاقية.
و يؤيد هذا الرواية أيضا ما رواه الكليني أيضا في الكافي (أخبرني عبدالله بن كيسان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : جعلت فداك  أنا مولاك عبد الله بن كيسان قال : أما النسب فأعرفه وأما أنت ، فلست أعرفك ،  قال : قلت له : إني ولدت بالجبل ونشأت في أرض فارس وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك ، فأخالط الرجل ، فأرى له حسن السمت وحسن الخلق و [كثرة] أمانة ، ثم أفتشه فأتبينه عن عداوتكم و أخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق  وقلة أمانة و زعارة ثم أفتشه فأتبينه عن ولايتكم ، فكيف يكون ذلك ؟ فقال لي : أما علمت يا ابن كيسان أن الله عز وجل أخذ طينة من الجنة وطينة من النار ، فخلطهما جميعا ، ثم نزع هذه من هذه ; وهذه من هذه فما رأيت من أولئك من الأمانة  وحسن الخلق وحسن السمت فمما مستهم من طينة الجنة وهم يعودون إلى ما خلقوا  منه ، وما رأيت من هؤلاء من قلة الأمانة وسوء الخلق والزعارة ، فمما مستهم من طينة النار).
و ما رواه أيضا (عن عبد الله بن محمد الجعفي وعقبة جميعا ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الله عز  وجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة  وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار ، ثم بعثهم في الظلال  فقلت : وأي شئ الظلال؟ فقال : ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئا وليس بشيء ،  ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله عز وجل وهو قوله عز وجل : ” ولئن  سألتهم من خلقهم ليقولن الله ” ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعضهم وأنكر  بعض ، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض وهو قوله :  ” ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ” ثم قال أبو جعفر عليه السلام : كان التكذيب ثم أن رسول الله صلى الله عليه وآله أول من أجاب وأقر لله عز وجل بالربوبية).
و يبقى أن ولاية أهل البيت عليهم السلام هي مفتاح الفضائل و أن إنكار هذه الولاية هي مفتاح كل المعاصي و الانحرافات الأخلاقية و هو ما تذكره هذه الروايات:
الكافي: عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الإسلام على خمسة أشياء : على  الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية ، قال زرارة : فقلت : وأي شئ من ذلك أفضل ؟ فقال : الولاية أفضل ، لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن ، قلت : ثم الذي  يلي ذلك في الفضل فقال : الصلاة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : الصلاة عمود دينكم ، قال : قلت : ثم الذي يليها في الفضل قال : الزكاة لأنه قرنها بها وبدأ بالصلاة قبلها وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الزكاة تذهب الذنوب . قلت : والذي يليها في الفضل؟ قال : الحج قال الله عز وجل : ” ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ” وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لحجة مقبولة خير من عشرين صلاة نافلة ومن طاف بهذا البيت طوافا أحصى فيه أسبوعه وأحسن ركعتيه غفر الله له وقال في يوم عرفة ويوم المزدلفة ما قال : قلت : فماذا يتبعه؟ قال :  الصوم  قلت : وما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله  الصوم جنة من النار ، قال : ثم قال : إن أفضل الأشياء ما إذا فاتك لم تكن  منه توبة دون أن ترجع إليه فتؤديه بعينه ، إن الصلاة والزكاة والحج والولاية  ليس يقع شئ مكانها دون أدائها وإن الصوم إذا فاتك أو قصرت أو سافرت فيه أديت مكانه أياما غيرها وجزيت ذلك الذنب بصدقة ولا قضاء عليك وليس من تلك الأربعة شئ يجزيك مكانه غيره ، قال : ثم قال ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء و  رضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته ، إن الله عز وجل يقول : ” من يطع الرسول  فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ” أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه  ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله عز وجل حق في ثوابه ولا كان  من أهل الإيمان ، ثم قال : أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته .
الكافي عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيسى بن السري أبي اليسع قال : قلت لأبى عبد الله عليه السلام : أخبرني بدعائم الإسلام التي  لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شئ منها ، الذي من قصر عن معرفة شئ منها فسد دينه ولم يقبل [الله] منه عمله ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله  ولم يضق  به مما هو فيه لجهل شئ من الأمور جهله ؟ فقال : شهادة أن لا إله إلا الله و الإيمان بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله و الإقرار بما جاء به من عند الله وحق في الأموال  الزكاة ; والولاية التي أمر الله عز وجل بها : ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله ، قال : فقلت له: هل في الولاية شئ فضل يعرف لمن أخذ به ؟ قال : نعم قال الله عز وجل  ” يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولى الأمر منكم. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وكان رسول الله  صلى الله عليه وآله وكان عليا عليه السلام وقال الآخرون: كان معاوية ، ثم كان الحسن عليه السلام ثم كان  الحسين عليه السلام وقال الآخرون : يزيد بن معاوية وحسين بن علي ولا سواء ولا سواء  قال : ثم سكت ثم قال : أزيدك ؟ فقال له حكم الأعور : نعم جعلت فداك قال : ثم كان  علي بن الحسين ثم كان محمد بن علي أبا جعفر وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر  وهو لا يعرفون مناسك حجهم و حلالهم و حرامهم حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم و حلالهم و حرامهم حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما  كانوا يحتاجون إلى الناس وهكذا يكون الأمر والأرض لا تكون إلا بإمام ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وأحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذ بلغت نفسك  هذه وأهوى بيده إلى حلقه وانقطعت عنك الدنيا تقول : لقد كنت على أمر حسن.
الكافي: عن  عيسى بن السري قال : قلت لأبى عبد الله عليه السلام : حدثني عما بنيت عليه دعائم الإسلام  إذا أنا أخذت بها زكى عملي ولم يضرني جهل ما جهلت بعده ، فقال : شهادة أن لا  إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله و الإقرار بما جاء به من عند الله وحق في الأموال من الزكاة ; والولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله ، فإن رسول الله  صلى الله عليه وآله قال : من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ، قال الله عز وجل : ” أطيعوا  الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ” فكان علي عليه السلام ، ثم صار من بعده  حسن ثم من بعده حسين ثم من بعده علي بن الحسين ، ثم من بعده محمد بن علي ،  ثم هكذا يكون الأمر ، إن الأرض لا تصلح إلا بإمام ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه ههنا قال : وأهوى بيده إلى صدره يقول حينئذ : لقد كنت على أمر حسن.

الإمام علي بن أبي طالب و نظرية الحقوق المتبادلة:
يقول الإمام علي بن أبي طالب (أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلاَيَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأشياء فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لاَ يَجْرِي لأحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لأحَد أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ.
ثُمَّ جَعَلَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْض، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض.
وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ، عَلَى الْوَالِي، فَرِيضةً فَرَضَهَا اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ لِكُلّ عَلَى كُلّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لألْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ.
فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأعداء.
وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الاِْدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الأحكام، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلاَ لِعَظِيمِ بَاطِل فُعِلَ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الإبرار، وَتَعِزُّ الأشرار، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ عِنْدَ الْعِبَادِ.
فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ ـ وَإنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَى اللهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ ـ بِبَالِغ حَقِيقَةَ مَا اللهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللهِ عَلى العِبَادِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ. وَلَيْسَ امْرُؤٌ ـ وَإنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ ـ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقِّهِ. وَلاَ امْرُؤٌ ـ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ ـ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ.
فأجابه(عليه السلام) رجل من أصحابه بكلام طويل، يكثر فيه الثناء عليه، ويذكر سمعه وطاعته له.
فقال(عليه السلام): إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلاَلُ اللهِ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ ـ لِعِظَمِ ذلِكَ ـ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَلَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى أَحَد إِلاَّ ازْدَادَ حَقُّ اللهِ عَلَيْهِ عِظَماً، وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاَتِ الْوُلاَةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ. وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإطراء، وَاسْتَِماعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ ـ بِحَمْدِ اللهِ ـ كَذلِكَ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لله سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ. وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاَءِ، فَلاَ تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاء، لإخراجي نَفْسِي إِلَى اللهِ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ  فِي حُقُوق لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لاَ بُدَّ مِنْ إِمْضائِهَا، فَلاَ تُكَلِّمُونِي بَمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلاَ تُخَالِطُونِي بالْمُصَانَعَةِ، وَلاَ تَظُنّوا بِيَ اسْتِثْقَالاً فِي حَقّ قِيلَ لِي، وَلاَ الِْتمَاسَ إِعْظَام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ.
فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أخطئ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلاَلَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى).

و من المعروف أن الامام علي عليه السلام في عهده إلى مالك الاشتر قد طلب إليه أن يوفر للناس اكبر قدر ممكن من حرية البيان، وذلك في قوله:
(واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن: لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع.. ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونحّ عنهم الضيق والأنف).
ما هي الديمقراطية؟؟
يقول الدكتور (حسن الزين) في كتابه (الإسلام و الفكر السياسي المعاصر) تحت عنوان (الخلاف حول ماهية الديمقراطية و أهدافها) أن هناك مدرستان مختلفتان تتواجهان على جبهة تحديد ماهية الديمقراطية الأولى تفسر الديمقراطية على أنها محض آلية للحكم عارية من كل منظور اجتماعي أو قصد تاريخي أما الثانية فترى فيها مشروعا مجتمعيا يرمي إلى تأتمين الارتقاء الشخصي و الجماعي للمواطنين كافة. و من هذا المنطلق ميز فرناندو هنريك كردوزو بين الديمقراطية كقيمة و ميز فدريكو مايور بين الديمقراطية كممارسة انتخابية و شكل للحكم و بين الديمقراطية كنمط للحياة و ميز كلاوس أوفي بين الديمقراطية كعتلة للتقدم و النموذج الليبرالي للديمقراطية كديمقراطية إجرائية فالديمقراطية الإجرائية تتحدد بأنها قاعدة للعبة السياسية أو بأنها منظومة من المؤسسات و هدفها محدد و هي أن تقي الأفراد و المجتمع أخطار الديكتاتورية و الاستبداد على أن ضمانة حقوق كل فرد تنبع من احترام القواعد و الإجراءات القانونية التي تمنع كل عسف و سوء استخدام للسلطة من جانب الدولة نفسها) ص 60-61 (الكتاب السابق).
إذا فالديمقراطية من وجهة نظرنا هي أكثر من كونها أداة لتداول السلطة و هي في حد ذاتها تشكل جزءا هاما و رئيسا من منظومة القيم و الأخلاقيات التي ينبغي للمسلمين أن يتمسكوا بها في وجه كل الترهات و الخرافات التي أطلقها و روج لها وعاظ السلاطين و فقهاء الطابور الخامس قديما و حديثا.
إنها من الوجهة السياسية و الأخلاقية نظام يقوم على نظرية الحقوق المتبادلة التي قدمها الإمام علي لهذه الأمة بل و للعالم أجمع بصورة متوازنة تكفل حفظ حقوق الأطراف المشاركة في هذا العقد الاجتماعي السياسي و تكفل قيام كل طرف من أطراف اللعبة السياسية بواجبه على النحو الأكمل تلك الحقوق التي عبر عنها الإمام بقوله (ثُمَّ جَعَلَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْض، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض).
إنها ليست مجرد نظام سياسي منفصل عن النظام الأخلاقي كما أننا لا نعتقد بأن النظام الأخلاقي ينبغي أن يبقى محصورا في السلوك الإنساني الفردي أو حتى الاجتماعي.
و هي أي الديمقراطية جزء متمم و متداخل مع النظام الأخلاقي السائد نظرا لأنها تتأثر بالأعراف و التقاليد الاجتماعية و القبلية الحاكمة في أي مجتمع من المجتمعات.
و الديمقراطية لها طرفان أساسيان هما الحاكم و المحكوم و هناك أطراف أخرى مؤثرة في اللعبة السياسية مثل الإعلام و القضاء و الجيش إلا أنه و في النهاية يبقى أن الوظيفة الأساسية لأي من هؤلاء تصب في خانة أحد الطرفين أو كليهما. فالإعلام في الدول الديمقراطية يصب لصالح المحكومين أما في الدول المتخلفة فالأعلام مهمته تزييف وعي الجماهير لصالح بقاء و استمرار الحاكم في موقعه و يمكن لنا وصفه ببساطة شديدة (الإعلام المعاصر أفيون الشعوب) أما في الدول المتحضرة فالإعلام مهمته كشف الحقائق و الدفاع عن مصالح الناس أو حتى جماعات المصالح التي تعلن عن نفسها و ليس بالضرورة مصالح الحكم و جماعات المصالح غير المعلنة على عكس الجيش و الشرطة اللذان هما عادة من أدوات السلطة بينما يفترض في القضاء أن يقف في المنطقة الوسطى بين الحاكم و المحكوم إلا أنه لدى الحكومات المنحطة يبقى مجرد أداة من أدوات السياسة الحكومية و وسيلة من وسائل التنكيل بخصومها أو تحجيمهم باسم القضاء العادل و النزيه.
إن هذه العلاقة القائمة بين الحاكم و المحكوم من وجهة نظر الإسلام هي علاقة بين بشر و ليست بحال من الأحوال بين بشر عاديين هم الرعية و أنصاف آلهة هم الحكام المقدسون فالعلاقة بين البشر قائمة على قانون يقول (أن الحق لاَ يَجْرِي لأحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لأحَد أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِه) إذا فليس هناك حكام آلهة و لا نصف آلهة بل هم بشر عليهم أن يقروا و يقبلوا بمبدأ المحاسبة قبل أن يتطلعوا لشغل هذه المناصب لأن الله وحده هو الذي لا يسأل عما يفعل و كل الخلائق يسؤلون إما من البشر أشباههم في الدنيا أو من الخالق عز و جل يوم العرض الأكبر فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و لكن الله سبحانه تقدست أسماؤه و علا مكانه مع كل هذا (جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ) أي أنه سبحانه وضع الموازين القسط لئلا تظلم نفس شيئا (و نضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا و إن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها و كفى بنا حاسبين) الأنبياء 47.
نظرية الحقوق المتبادلة في مواجهة فقه الخنوع والإذعان:
يحق لنا أن نفخر بأن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قد قال هذا الكلام و وضع هذه القواعد بعد عقود قليلة من وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و وفي وقت كانت الحاجة ماسة لمن يطيعه و يلتف حوله في مواجهة تلك الحروب المنهكة التي واجهها و لكنه و كما نوقن و نعتقد كان يؤسس لحاضر الأمة و مستقبلها بينما لم يبدأ الغرب في الاهتمام بقاعدة الحق الطبيعي و لا عن الحقوق المتبادلة إلا في العصور الوسطى و كما يقول الدكتور مصطفى صفوان في ترجمته و تعليقه على كتاب (العبودية المختارة) “أول نص تشريعي صاغ فكرة القانون أو الحق الطبيعي هو موسوعة القانون الروماني التي قام بجمعها و تبويبها و تعريف تصوراتها الأساسية و الإشراف على تحريرها بأمر من الأمبراطور جوستنيان إمام رجال القانون في عصره تريبونيان حيث يبدأ النص بهذا التعريف قانون الطبيعة هو القانون الذي غرسته الطبيعة في جميع المخلوقات”. و لا شك أن الخلاف الجوهري بيننا و بينهم يتركز على اعتقادنا بأن هذا القانون أو الحق الطبيعي الحقيقي ينبع من القانون الإلهي الكوني الذي يدير به الله عز و جل الأكوان و يسير به الأفلاك و الذي يختلف عن القانون التشريعي في أن الأول يحكم علاقة الأشياء بمن فيهم البشر وفقا لقانون الأسباب و النتائج و الثاني يخاطب إرادة المكلف سواء كان فردا أو جماعة من البشر.
القانون الكوني يقول (و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم و اتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه و كانوا مجرمين* و ما كان ربك ليهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون) هود 116- 117 أما القانون التشريعي فيقول (الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) و الواقع أن مخالفة أي من القانونين الكوني أو التشريعي يصبان في اتجاه واحد هو استحقاق الغضب الإلهي و استحقاق العقاب الذي يبدأ عادة في ساحة الاختبار الدنيوي المتمثل في الهزات الاجتماعية و الزلازل السياسية التي تلحق بهذه الأمة أو تلك و التي حذر منها الإمام عليه السلام بقوله هنالك (اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الاِْدْغَالُ فِي الدِّينِ) ناهيك عن طمع الأعداء في الهيمنة على رقاب المسلمين و القضاء على دينهم.
إن الاعتقاد بأن الحقوق السياسية (تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض) يوجب على المفكرين و الفقهاء المسلمين صياغة القوانين و النظم التي تضمن الحد من سلطات الحاكم و وضعها في إطار العدالة و منع الحيف و مما يؤسف له (أن محاولة الحد من سلطات الدولة صدرت عن الكنيسة و كان ذلك باسم الدين و مقاومة الأخلاق و من هنا انطلقت فكرة القوانين غير العادلة و كذلك أطلق علماء الكنيسة فكرة مقاومة الاضطهاد و كانت هذه كما يقول العالم الفرنسي موريس ديفرجيه أول تعبير عن ضرورة الحد من سلطة الحاكم  و يضيف هذا المؤلف أنه في القرن الثامن عشر أعطى الفلاسفة لهذه الأفكار أساسا عقلانيا منفصلا عن العلاقة بمقولة الكنيسة المشار إليها و من هذا المنطق ظهرت نظرية الحريات العامة التي أعطاها إعلان حقوق الإنسان و المواطن الصادر عام 1789 مظهرها الأهم و تعبيرها الصحيح) حسن الزين ص 78 (الإسلام و الفكر السياسي المعاصر.
ومن المهم هنا أن نذكر أن هذه القواعد التي وضعها الإمام ونبه إلى أهميتها تخالف المألوف والسائد في مدرسة الفكر العربي السياسي المنسوبة إلى الإسلام والتي تجعل من الخنوع للطغاة والجبابرة والحياة في ظل الاستبداد والتماهي معه ومع ما يفرضه على مجموع الأمة من ظلم وقهر وسلب ونهب (إلا أن تروا كفرا بواحا ليس لكم من الله فيه سلطان) عملا صائبا تحتمه ضرورة الحفاظ على حرية الأمة واستقلالها في مواجهة أعداء الإسلام والدين ومن المخجل أن أحدا ممن يطلقون على أنفسهم بالمفكرين الإسلاميين المستنيرين لم يحاول أن يعالج هذه القضية معالجة علمية أو فكرية أو أخلاقية حتى بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية تحت الاحتلال الأمريكي الغربي الصليبي هذا العام 2003 حتى بعد أن جاء هذا الاحتلال رافعا شعار مطالبة العرب بإقامة الديمقراطية وكأنه يخرج لسانه للعرب قائلا (قمنا باحتلالكم لأنكم لا تستحقون شرف الاستقلال و لأنكم ارتكبتم الأخطاء التالية) بقيت تحليلات هؤلاء السادة تراوح مكانها ولا تريد مغادرة مدرسة الغوغائية السياسية وطرح المسألة كلها في إطار الصراع الأزلي بين الإسلام والكفر وكفى وأننا نحن المسلمين لم نرتكب أي أخطاء توجب نزول هذه الكوارث بنا رافعين شعار (لا للإصلاح لا للتصحيح نعم للعصبية المذهبية نعم للعصبية القبلية نعم لحروب الإبادة والقبور الجماعية وأخيرا كذاب ربيعة خير من صادق مضر والاحتلال على يد عدلي خير من الاستقلال على يد سعد!!!).
لماذا لم يحاول هؤلاء السادة الاستفادة من تجارب و أخطاء الماضي القريب أو البعيد؟؟.
إنهم يعبدون الطغاة و يعتبرون المساس بهم كفرا و خروجا عن الدين و الملة و يزداد ولوغهم في عبادة الفرد الطاغية و تولههم به إذا كان من رافعي شعار (أهل السنة و الجماعة) فهذا الطاغية المسمى صلاح الدين الأيوبي (يوسف بن أيوب) قد جرى رفعه فوق عنان السماء لأنه تمكن من إخراج الصليبيين من القدس عام 584 للهجرة و الأهم من هذا أنه قضى على الدولة الفاطمية و نكل بالمذهب الشيعي في كل مكان طالته يده ثم انتهت به الأمور إلى أن عاد الصليبيون إلى القدس في اتفاقية استسلام وقعها أبناؤه عام 626 للهجرة مع الملك لانبروزو هذه المرة من دون أن تراق قطرة دم دفاعا عن القدس مما يعني أن الأمم المقهورة و المستعبدة لا يمكن لها بل و لا تقدر على الدفاع عن استقلالها و ها هو الحاكم الفرد (جمال عبد الناصر) الذي جاء إلى الحكم عام 1952 في انقلاب عسكري أسهمت في صنعه جماعة الأخوان المسلمون و عاشت البلاد في ظله تحت حكم فردي استبدادي لا مكان فيه للرأي الآخر و لو حتى من رفقاء السلاح الذين حملوه إلى الكرسي أو رفقاء الجماعة الذين أقسم هو على السمع و الطاعة لهم .. حكم يقود العالم العربي و الإسلامي إلى تلك الهزيمة الفاجعة المسماة بنكسة 1967 التي تسببت في احتلال أجزاء واسعة من العالم العربي و احتلال القدس من قبل الصهاينة و السبب دائما هو ذلك النظام الذي يرى نفسه في معركة طاحنة مع أبناء شعبه و يرى فيهم أعداء قائمين أو محتملين فلا يقرب إلا الفاجر حيث تَذِلُّ الإبرار، وَتَعِزُّ الأشرار، و لا يرقى أو يرتقي إلا البارعون في فن النفاق أو التزلف أو أساتذة الانحناء الخضوع أو الماهرون في جلب البغايا و بائعات الهوى و تقديم المتعة الرخيصة (لقادة الأمة) و عندها يقع المحظور الذي حذر منه الإمام (وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الأحكام، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلاَ لِعَظِيمِ بَاطِل فُعِلَ) و أخيرا فهناك فاجعة العراق التي لم تحرك ساكنا لدى أولئك المتمرسين على فنون الرشوة و النفاق.
و لك أن تلاحظ دقة الصياغة في كلمات الإمام علي عليه السلام لنظرية الحقوق الإلهية المتكافئة و المتبادلة (ثُمَّ جَعَلَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْض، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض) فهذه الحقوق متكافئة في وجوهها و على سبيل المثال فحق النظام في قبض الخراج أو الضرائب يقابله حق الناس في ضمان حقوقهم و احتياجاتهم الأساسية من العلاج و التعليم و الأجر العادل و واجب النظام في حفظ الأمن و حقه في تعاون الناس معه حفظا لها الأمن يقابله حق الناس في معاملة قانونية لائقة و كريمة وفقا لقانون عادل و منصف و ليس وفقا لقانون الغاب المسمى بالأحكام العرفية الذي يبيح لهذا النظام أو ذاك اعتقال الناس و سجنهم بلا محاكمة و قتلهم إذا رغب في ذلك و حق النظام أو الوالي في طلب الدعم و المساندة من الناس لا بد أن يقابله إقراره بحق الناس قي المشاركة و احترامه لقيمة صوتهم الانتخابي و إلا ترك النظام لينزع شوكه بنفسه و اكتفى الناس بالتفرج و المشاهدة على ما يجري من حولهم.
إن تغافل النظم الحاكمة و خاصة تلك التي جاءت إلى السلطة على أسنة الرماح و  بالقيم الأخلاقية و عدم اكتراثها بها و بعامة الناس و اكتفائها بالأداة الباطشة و جوقة المنتفعين المحيطة و الأجهزة الأمنية الباطشة و الأجهزة الإعلامية التي لا هم لها إلا تحسين الصورة صورة الحكام و صورة الأزلام و صورة الإسلام تسلب المجتمع من تلك القوة المعنوية الهائلة التي يمكن للمجتمع أن يكتسبها و التي ذكرها الإمام (عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأعداء). و كما يقول الشهيد السعيد آية الله محمد باقر الصدر (كلما جسدت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان العدالة و الابتعاد عن أي لون من ألوان الظلم و الاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان كلما و قع ذلك ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة و تفتحت الطبيعة عن كنوزها و أعطت المخبوء من ثرواتها و نزلت البركات من السماء و تفجرت الأرض بالنعمة و الرخاء. إن علاقة الإنسان مع الطبيعة تتناسب تناسبا طرديا مع ازدهار العدالة في علافات الإنسان مع أخيه الإنسان. فكلما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وكلما انحسرت العدالة مع الخط الأول انحسر الازدهار عن الخط الثاني و هذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط و لكنها سنة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم لأن مجتمع الظلم مجتمع ممزق مشتت    الفرعونية على مدى التاريخ تستهدف تمزيق طاقات المجتمع و تشتيت فئاته و بعثرة إمكاناته بينما يعمل المثل الأعلى على توحيد البشرية). 227-228 التفسير الموضوعي للقرآن

موقع الإمامة من نظرية الحقوق:
يقول الإمام محرضا المسلمين على حرية الكلمة (فَلاَ تُكَلِّمُونِي بَمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ) من النفاق أو تلك الصيغ المستخدمة في تقديم الخطاب مع الجبارين و المستكبرين ثم ينبههم إلى أن الخوف لا يكون إلا من الله وحده لا من أولئك الذين اعتادوا على التنكيل بالأحرار و من يجهر بالحق (وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ وَلاَ تُخَالِطُونِي بالْمُصَانَعَةِ) و الأهم من هذا أن كلمة الحق لا بد أن تجد الاستجابة اللازمة و الاهتمام الكافي من ولاة أمر المسلمين و إلا تصبح هذه الحرية نوعا من الصراخ في الفضاء (وَلاَ تَظُنّوا بِيَ اسْتِثْقَالاً فِي حَقّ قِيلَ لِي، وَلاَ الِْتمَاسَ إِعْظَام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ) لأن الواجب يحتم على النظم الحاكمة الاستجابة لما يعرض عليها من المشورة الصائبة (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أخطئ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أنفسنا) و هنا سيطرح ذلك السؤال عن عصمة الإمام أين هي من هذا الكلام (لست في نفسي بفوق أن أخطئ) و لماذا لم يقل الإمام أنا معصوم و لا أنطق إلا بحق و لا أقول إلا الصدق و الواقع أن هذا الخطاب صدر من الإمام و هو في موقع الحاكم و الحاكم عليه أن يستخدم آليات الحكم و عندما وقف الإمام في موقع المقاتل استخدم السيف و الإمام متأس بالرسول الذي استخدم الآليات البشرية التي يستخدمها البشر المكلفون في حياتهم العادية في مواجهة كل ما واجههم من صعوبات و تحديات و هو يخاطب الناس بلغتهم لغة الحياة و ليس لغة الغيب و التكليف الإلهي كما أن الإنسان لا يعاب إذا نزل عن موضعه الذي يستحق الارتفاع إليه من أجل أن يعلم الناس حقوقهم و واجباتهم و ما لهم و ما عليهم و إنما يعاب من أنزل نفسه منزلا ليس له فالذي يتحدث هنا هو الإمام عندما وقف موقف الحاكم و إذا كان الإمام الحاكم قال هذا و فعله و مارسه فما بال من هم أقل منهم شأنا يترفعون عن إعطاء الناس حقوقهم و يترفعون إلى منزلة لا تحق لهم بل و يحاولون مساماة الله في عظمته و انظر إلى فرعون و كل الفراعنة من بعده و هو يقول (يا هامان اجعل لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى و إني لأظنه كاذبا)!!. و يبقى أن كلمة الإمام (إني لست في نفسي بفوق أن أخطئ) لا تصدر إلا من إمام من أئمة الحق فالذي يمكن له أن يقول مثل هذا الكلام واحد من ثلاثة أصناف من البشر الأول هو ممن على شاكلتنا من عامة البشر الذين لا يحتاج الناس أن يسمعوا منهم مثل هذا الكلام و إلا اعتبر نوعا من الكبر و الغرور و الصنف الثاني هم الطغاة المستبدون الذين لا يمكن لهم أن يقدموا على أي نوع من التواضع خوفا من اجتراء الناس عليهم و النوع الثالث هم أئمة الحق الذين يريدون تدريب الناس على القول به و الجهر بالعدل و الذين لا يضيرهم على الإطلاق هذه الحرية لأنها لن تكشف المستور أو تبدي ما يتعين ستره و إخفائه من عيوبهم قدر ما تظهر حقيقة ما يجري في دنيا الناس مما ينبغي أن يكون واضحا و معلنا و هذا هو ديننا الذي لا نشك فيه.
إن هذه الكلمات العلوية المضيئة و تحديدها لطبيعة العلاقة بين طرفي النظام السياسي (الحاكم و المحكوم) في إطار عقد متبادل بين الفريقين يضمن لكل طرف حقه حتى يتمكن في النهاية من أداء مهمته و تحقيق بغيته و حتى تبقى هذه العلاقة في إطار المشاركة المتوازنة بدلا من أن تنزلق إما إلى نزاع مفتوح بين الفريقين أو إلى عقد إذعان من طرف لصالح طرف آخر كما هو الحال في النظرية السياسية السائدة في عالمنا الإسلامي منذ أن نجح التحالف القائم بين (جبابرة بني أمية و فقهاء الطابور الخامس) في إزاحة أهل البيت عليهم السلام و ما يمثلونه من قيم عن قيادة الأمة بصورة يظنونها نهائية و قد تمثل هذا النظام السياسي الإذعاني في خطبة الافتتاح التي ألقاها معاوية بن أبي سفيان عند استلامه السلطة و قد ذكرناها في غير موضع (أتظنون أني قاتلتكم لتزكوا أو لتصوموا أو لتحجوا؟؟ إنكم لتفعلون و إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم و قد أعطاني الله ذلك و أنتم كارهون) ثم تبلور هذا النهج بعد هذا في نصوص فقهية شكلت ما يمكن أن يسمي بالفقه السياسي لأهل السنة و الجماعة ذلك الفقه الذي تأسس في حقيقة الأمر من أجل تحقيق هدف وحيد هو الحيلولة بين الناس و بين الاستلهام من تراث أهل البيت أو الالتفاف حول قيادتهم حيث ينقل أحد فقهائهم المعاصرين هو الدكتور صلاح الصاوي عن أحمد بن حنبل في اعتقاده (السمع و الطاعة للأئمة و أمير المؤمنين البر و الفاجر و من ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس و رضوا به و من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة و سمي أميرا للمؤمنين و الغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر منهم و الفاجر و قال أيضا و من خرج على إمام المسلمين و قد كان الناس اجتمعوا عليه و أقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين و خالف الآثار الواردة عن رسول الله ص فإن مات الخارج على هؤلاء الأئمة مات ميتة جاهلية و لا يحل قتال السلطان و لا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل هذا فهو مبتدع على غير السنة و الطريق) صلاح الصاوي الطريق إلى جماعة المسلمين ص 40.    و يزيد الدكتور المذكور طينه بلة فينقل عن العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام (إذا تفاوتت رتب الفسوق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسقا مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس و فسق الآخر بانتهاك الأبضاع و فسق الآخر بالتضرع بالأموال قدمنا المتضرع للأموال على المتضرع للدماء و الأبضاع فإن تعذر تقديمه قدمنا المتضرع للأبضاع على من يتضرع للدماء و كذلك بترتيب التقديم على الكبير من الذنوب و الأكبر و الصغير منها على اختلاف رتبها فإن قيل أيجوز القتال مع أحدهم لإقامة ولايته و إدامة تصرفه مع إعانته  على معصيته قلنا نعم دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت و درءا للأفسد) ص 68 الكتاب المذكور.
إنه إذا فقه الخنوع و الخضوع و الإذعان لتلك القوة القاهرة المقدسة التي يطلق عليها هؤلاء (الحاكم المسلم) حيث لا حقوق مضمونة للرعية و لا حتى حقهم في الحفاظ على ممتلكاتهم أو أعراضهم أو دمائهم فما بالك بحق الاختيار الذي جرى القفز عليه عندما جرى إقرار مبدأ شرعية سلطة المتغلب و هي حالة لا نعتقد أن علاجها من مسئولية المفكرين أو خبراء القانون و السياسة بل هي من مسئولية الأطباء النفسيين و الغريب أن هؤلاء قد أعرضوا عن هذه المبادئ الرائعة التي نتحدث الآن عنها سواء من الناحية النظرية و أعرضوا عن ذكر تجربة الإمام علي عليه السلام و جهاده من أجل تأسيس هذه المبادئ في أرض الواقع باعتبار أن الأمر كان فتنة طهر الله ألسنتهم من الحديث عنها كما طهر عقولهم من كافة أنواع العلم و الفكر (!!) و لكنهم حتى لم يحاولوا الدفاع عن أعراض المسلمين عندما قبلوا و شرعوا أن يحكمهم المتعرضون للأبضاع و منتهكي الحرمات تحقيقا لما يسمونه مصلحة الإسلام و المسلمين.
و يبقى أن هذه النقطة تحديدا و هي الإذعان المطلق للقداسة المطلقة لذلك (القاتل الزاني اللص) الذي قدمه لنا العز بن عبد السلام و تلميذه صلاح الصاوي في صورة الإمام الذي يتوجب له السمع و الطاعة هي من بين المطاعن التي يتلقفها الغربيون للجزم باستحالة الالتقاء بين الإسلام و الديمقراطية و كما يقول جون مونرو في تعليقه على ندوة عقدت في واشنطن بحضور عدد من الخبراء الأمريكان (إنه وبالإشارة إلي كل تلك الملاحظات السخية عن الإسلام وتاريخه المجيد من قبل الخبراء الثلاثة ـ الذين أكدوا في معرض أحاديثهم احترامهم العميق للدين الإسلامي ـ إلا أن هناك قضية تغاضوا عنها فيما عدا دانيل بابيبز(أحد كبار المسئولين في إدارة جورج بوش الآن 2003) الذي طرق وبقوة نقطة مهمة وهي المتمثلة في أن من المبادئ الأساسية في الدين الإسلامي الطاعة في جميع الأحوال‏,‏ برغم وجود أي دلائل متناقضة‏.‏ وهذا الأمر يشترك فيه كل من المسلمين المعتدلين والأصوليين إذا ما أرادوا أن يكونوا من المسلمين الصالحين‏.‏
إن الطاعة ليست من القيم التي يحبذها ويقدرها الغربيون أكثر من غيرهم‏..‏ ولكن القيمة الأعلي في ميزان القيم الغربية هي الحرية‏..‏ الحرية لأن نفكر وأن نتصرف‏,وأن نؤمن بما نود أن نؤمن به‏,‏ طبقا لما يمليه عليه عقل وضمير الفرد‏.‏
إنه وبالطبع‏,‏ فإن كل حرية كانت من مصادر سيئات الغرب‏,‏ كما كانت من مصادر سعادته وحسناته‏,‏ ولكن ليست هذه هي القضية‏.‏ إن الإسلام والغرب قد يشتركان في نظام القيم نفسها في نقاط عديدة‏.‏
ولكن كل من الغرب والإسلام ينظران بطريقة مختلفة إلي الله وإلي العالم الذي خلقه الله‏.‏ وهذا‏,‏ علي ما يبدو لي‏,‏ هو السبب الرئيسي لمصادر الاحتكاك والعزل فيما بينهما‏.‏
ومن هنا‏,‏ فإن دانيل بايبس علي حق تماما‏,‏ لأن هؤلاء الذين يصرون علي النظر إلي العالم من خلال عيون الأنبياء بدلا من تبني نظرة الواقعيين‏(‏ البراجماتيين‏)‏ سيتسببون في المتاعب‏,‏ بغض النظر عن ادعائهم بأنهم يمثلون إرادة الله)www.amcoptic.com‏.‏
إنه لمما يؤسف له أن تكون هذه هي الصورة المنقولة إلى الغربيين عن الإسلام و المسلمين الذين يحبذون الطاعة تحت كل الظروف و الأوضاع و برغم الأدلة المتناقضة في كثير من الأحوال و الواقع أننا لا نعتقد بضرورة أن يعتنق العالم كله الإسلام كما أننا لا نعتقد أن القيام بتقديم ما نعتقد نحن أو يعتقد غيرنا أنه الإسلام الصحيح سيغير بصورة فورية من حالة العداء التي يواجهنا بها غيرنا كون هذا العداء قائم و مؤسس على أسباب متعددة منها ما هو مصلحي و منها هو نفسي و منها ما هو عنصري و لكننا نعتقد بواجبنا في تقديم صورة حقيقية عن هذا الدين و ما قدمه أئمة الحق و العدل من كنوز فكرية و أخلاقية للعالم أجمع لم يأتوا بها من عندهم أو فكرهم و انما استخلصوها من كنوز العلم الإلهي التي استودعها إياهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إن لم يكن حتى بعنوان (الإمامة كما نرى نحن) فلا أقل من أن ما قدموه يمثل تراثا ثريا في مجال الفكر و الأخلاق يحتاجه أحرار و مفكرو العالم و الباحثون عن الحقيقة أو الذين يؤمنون بوحدة التراث الإنساني أينما وجدوا بينما نبذناه و اتخذناه وراءنا ظهريا لأن الشيعة يسبون الصحابة كما يزعمون أما هم فيكتفون بقتلهم و قتل من عارضهم من المسلمين من غير سب و لا شتم و لا لعن!!!.
كيف تأسس فقه الخنوع و الإذعان و التغلب:
ليس سرا تلك الطريقة التي جرى بها تداول السلطة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و لا الطريقة التي جرى بها استخلاف أبي بكر بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه و آله عن هذه الدنيا فقد انعقدت خلافته بخمسة أشخاص هم كل من حضروا اجتماع سقيفة بني ساعدة حيث يقول الماوردي في كتاب “الأحكام السلطانية” (تنعقد الإمامة من وجهين أحدهما باختيار أهل الحل و العقد و الثاني بعهد الإمام من قبل و قد اختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة على مذاهب شتى فقالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل و العقد في كل بلد ليكون التسليم به عاما و هذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها (لاحظ…) و قالت طائفة أخرى أقل من تنعقد بهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها و استدلوا على ذلك ببيعة أبي بكر التي انعقدت بخمسة اجتمعوا عليه ثم تابعهم الناس و قال غيرهم بل ستة أشخاص لأن عمر جعل الشورى في ستة) ص 7.
و الواقع أن الإمام علي عليه السلام علق على تلك البيعة بقوله
إذا كنت بالشورى ملكت أمورهم   فكيف بهذا و المشيرون غيب
و إن كنت بالقربى حججت خصومهم  فغيرك أولى بالنبي و أقرب
أي أن النصاب القانوني لمثل هذا الاجتماع لم يكتمل لعدم حضور من يتعين دعوته لاتخاذ هكذا قرار و بالتالي فالاجتماع غير قانوني و فاقد للأهلية القانونية التي تمكنه من البت في مصير الأمة فضلا عن السؤال الجوهري عمن عين هؤلاء في وظيفة أهل العقد و الحل و منحهم حق تقرير مصير الأمة و المشيرون غيب و يكفي أن نعلم أن عليا و العباس لم يحضرا  لنعلم أي منقلب انقلب هؤلاء القوم.
ثم حدث ما هو معلوم من تسليم السلطة من أبي بكر إلى عمر بعهد منه و ربما قال قائل أن هذا العهد جرى تتويجه برضا الأمة و لكن الشورى الحقيقية تقضي أن تجري المداولات قبل اتخاذ القرار ثم ازداد الموقف تدهورا عندما تمت البيعة العامة  العلنية للإمام علي عليه السلام و اجتمع معسكر المبغضين للإمام يشككون في شرعية خلافته بعنوان طلب الثأر لمقتل عثمان و قد امتد هذا التشكيك ليشمل مواقف الإمام علي الصارمة من المتمردين عليه و وصف الأمر كله بأنه فتنة لا يعلم فيها وجه الصواب من الخطأ و اتجه فريق المشككين هذا إلى تحريم قتال المتمردين المسلمين مهما كانت الأسباب و مهما كانت الجرائم التي ارتكبوها ثم انتهى بهم التنظير ليصبح مجرد انتماء الحاكم أو الخليفة أو الملك أو الرئيس للإسلام موجبا لطاعة هؤلاء الملوك مهما ارتكبوا من جرائم تنقض هذا الانتماء من جذوره و من ناحية أخرى أصبح محرما على الناس التمرد عليهم أيا كان نوع هذا التمرد سياسيا أو عسكريا طالما حافظوا على انتمائهم الشكلي للإسلام و الأهم من هذا أنه منحهم سلطات مطلقة لارتكاب كل ما يحلو لهم من جرائم من أجل تدعيم سلطتهم اللامشروعة ثم جرى انتقاء تلك النصوص الأموية المهلهلة و المليئة بالثقوب و وضعها في تلك الكتب المسماة بالصحاح و من هنا نشأت أجيال و أجيال ترى ذلك الخضوع و الخنوع هو الدين ثم ازداد الطين بلة عندما ظهر خوارج العصر و استطاعوا اختراق هذه النصوص و تفسيرها لصالحهم و لصالح مشروعهم الدموي و الغريب أن أحدا لم ينتبه إلى حقيقة بالغة الأهمية و هي أن منتجي هذه النصوص كانت لهم مواقفهم المؤيدة للنظام الأموي الجائر أو الخاذلة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام و التي دفعتهم إلى صياغة فقه الخنوع أو ما نسميه نحن بفقه الطابور الخامس.
نماذج من هذه النصوص
1- عن عبد الله بن عمرو بن العاص (من بايع إماما فأعطاه صفقة يده فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر فدنوت منه فقلت له أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال سمعته أذناي و وعاه قلبي فقلت له هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل و نقتل أنفسنا و الله يقول و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما قال فسكت ساعة ثم قال أطعه في طاعة الله و اعصه في معصية الله). مسلم 1016.
2- سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله فقال يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم و يمنعوننا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية فجذبه الأشعث بن قيس و قال اسمعوا و أطيعوا فإنما عليهم ما حملوا و عليكم ما حملتم. مسلم 1017.
3- عن عوف بن مالك: خيار أئمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم و تصلون عليهم و يصلون عليكم و شرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم قالوا قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية و لا ينزعن يدا من طاعة. مسلم 1023
4- جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعته من رسول الله ص قال من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له و من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.
5- عبد الله بن عمر يبايع لبني أمية بالرغم من رفضه البيعة لعلي عليه السلام (عن عبد الله بن دينار قال شهدت ابن عمر لما بايع الناس عبد الملك بن مروان فكتب إليه إني أقر بالسمع و الطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله و سنة رسوله ما استطعت و إن بني قد أقروا بذلك) ج4 ص 245.
6- فقه الطابور الخامس يوجب ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و القعود عن مواجهة الظالمين: عن أبي موسى (تكون فتنة النائم فيها خير من المضجع و المضجع فيها خير من القاعد و القائم فيها خير من الماشي و الماشي فيها خير من الراكب و الراكب فيها خير من الساعي قتلاها كلها في النار    قلت أيام الهرج حين لا يأمن الرجل جليسه قال فما تأمرني إن أدركت ذلك قال اكفف نفسك و ادخل دارك قال قلت يا رسول الله أرأيت إن دخل على بيتي قال فادخل مسجدك و اصنع هكذا و قبض بيمينه على الكوع و قل ربي حتى تموت على ذلك. 69-70 الفتن و الملاحم لابن كثير.
7- عن أبي موسى أيضا (إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا و يمسي كافرا القاعد فيها خير من القائم و الماشي فيها خير من الساعي فكسروا سيوفكم و قطعوا أوتاركم و اضربوا سيوفكم بالحجارة قال فما تأمرنا قال كونوا أحلاس بيوتكم. 72-73 المصدر السابق.
النهي المطلق عن أي نوع من أنواع المعارضة السياسية و لو كانت سلمية:
1- عن عرفجة الأشجعي: قال سمعت رسول الله يقول من أتاكم و أمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه. الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد ص 320.
2- البخاري عن أنس اسمعوا و أطيعوا و إن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله. المصدر السابق ص 321.
3- الشيخان عن أبي هريرة (من أطاعني فقد أطاع الله و من عصاني فقد عصى الله و من يطع الأمير فقد أطاعني و من يعص الأمير فقد عصاني. نفس المصدر 321.
و لعل قارئا يقول أن ما حذرت منه هذه الأحاديث هو استخدام العنف في مقاتلة هؤلاء الحكام ولكن الشيخ القرضاوي الذي جمع كل هذه الروايات من أجل إقناع من يسميهم بشباب الصحوة بالصبر على أئمة الجور و أن من فارق الجماعة شبرا فميتته ميتة جاهلية أوضح المعنى بما لا يدع مجالا للشك حيث نقل عن الشوكاني أن “من فارق الجماعة شبرا كناية عن معصية السلطان أو السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء فميتته ميتة جاهلية أي أن حاله في الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال و ليس له إمام يطاع)!!!!. ص 319
ثم بعد أن قام الشيخ بما هو واجب عليه من دعم الطغاة قال (و الأولى بالمسلمين أن يتفقوا على آلية للتغيير و يستفيدوا مما وصل إليه العالم من الوسائل الديمقراطية و المؤمن يلتمس الحكمة أنى وجدها و لا حرج على المسلمين أن يقتبسوا من الوسائل عند غيرهم ما دامت هذه الوسائل غير مخالفة لنصوص الشرع و لا قواعده بل هي من المصالح المرسلة التي تتحقق بها مقاصد الشريعة و منافع الناس) ص326.
و كأن مشكلة هؤلاء القوم هي مشكلة الوسائل و الآليات و ليست مشكلة الأيديولوجيات و الأخلاقيات و كأن الذين عاشوا أربعة عشر قرن (يؤمنون بالغلبة و التغلب و طاعة الانقلابي الزاني السارق القاتل الكافر “ما لم يكفر”؟؟!! و هم يحكمون في نفس الوقت بكفر أو بجاهلية من حرض الناس على نقض بيعة ذلك الحيوان المتقمص لصورة إنسان قد فعلوا هذا لأنها مشكلة آليات وليست مشكلة أخلاقيات (إنهم يفتقرون إلى تراث يحترم العدل و الإنسانية) و يزداد العجب حينما ينصح الأتباع باقتباس الحكمة من غير المسلمين وكأن الأمة كانت بلا علماء ولا حكماء ولا أئمة حتى جاء شيخ الصحوة ومعه صحوته وكأن ما قدمه أئمة أهل البيت من موقع الحكم أو من موقع المعارضة والرفض كما فعل أبو عبد الله الحسين ليس بشيء أو أنه كان صراخا في الصحراء لأنه كان (شيعي يا أخي!!!؟؟) و الشيعة كفار و أئمتهم أكفر منهم و هنا لا بد من توجيه هذا السؤال: لماذا لا يرحبون بدعوة بوش لتجديد الخطاب الديني و التوجه نحو الديمقراطية باعتباره منافقا يدعوهم إلى الحكمة و الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها و لو كانت عند جورج بوش (!!؟؟) و لن نسأله لماذا لا يحاولون الاستفادة من تجربة علي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين في التغيير و الإصلاح و التصدي للفساد و لن نقول له أن الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها نظرا لوجود استثناء ثابت لا يمكن التغلب عليه في نفوس هؤلاء المرضى و هو (أنى وجدها باستثناء أئمة أهل البيت)!!!.
يا أمة ضحكت من جهلها و غبائها الأمم!!!.
إذا فقد أسس لهؤلاء القوم لمدرسة فقهية و فكرية لا يمكن لها أن تنتج إلا فريقا من الأحلاس وفقا لمشورة أبي موسى الأشعري (الحلس هو ذلك الشيء المهمل الملقى في ركن البيت) الفاقدين لكل نخوة و مروءة العاجزين عن القيام بأي تغيير  أو النهوض لتغيير أي منكر أو نصرة أي مظلوم في انتظار أن يصدر أحدهم فتوى بكفر هذا الحاكم أو ذاك لأن أبا هريرة روى أن (من جاءكم ليفرق جمعكم و أنتم على قلب رجل واحد فاضربوه بالسيف كائنا من كان) و لا شك أن معارضة أي نظام حاكم أو انتقاد سلوكياته و تصرفاته الجائرة مثل تصرفات معاوية بن أبي سفيان ستعد تفريقا للشمل و تفريقا للصف تستوجب أشد أنواع العقوبات صرامة و عندما حاول هؤلاء الرواة تبرئة ذمتهم قالوا أطعه في طاعة الله و اعصه في معصيته و كيف يمكن القيام بهذه المهمة المستحيلة مع من استباحوا حرمات المسلمين يوم الحرة و غيرها و لماذا المعارضة و هم يزعمون أن رسول الله ص أمر بطاعة هؤلاء طاعة مطلقة ما أقاموا الصلاة و إن أخذ مالك و شتم عرضك و ما أيسر هذه المهمة علي نظام جائر لا يهمه و لا يمانع أن يمضي الناس وقتهم كله في الصلاة معطين ما لقيصر لقيصر و ما لبني أمية بني أمية و ما للأعوان للأعوان و ما للإخوان للإخوان و ما بقي إن بقي شيء فهو لله يا محسنين.
و نواصل قراءة (الإمام) و هو يعرفنا بالمصلحة الحقيقية الممكن تحققها من خلال الحفاظ على قيم العدل (عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأعداء) فالعدل و التوازن وحده هو الكفيل بالحفاظ على كيان الأمة في مقابل أعدائها و على ثروتها و رخائها و الأهم من هذا الحفاظ على تماسكها الخلقي و رفعتها المعنوية هذه وحدها هي المصلحة و هي العكس المطلق لما فعله أزلام بني أمية و المهتدون بهديهم المقتفون آثارهم ثم يحدد الإمام الآثار الخطيرة الناتجة عن اختلال هذا التوازن القائم بين الوالي و الرعية عندما يتجاوز أي من الطرفين على حقوق الطرف الآخر و هو ما يسمى بالطغيان (اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الاِْدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الأحكام، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلاَ لِعَظِيمِ بَاطِل فُعِلَ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الإبرار، وَتَعِزُّ الأشرار، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ عِنْدَ الْعِبَاد)ِ. عندها تنقلب الموازين الاجتماعية فتصبح طليعة المجتمع من قياداته الفكرية و الأخلاقية في المؤخرة و يتقدم المنافقون و الأزلام و الإمعات و أشباه الرجال إلى المقدمة لا لكفائتهم بل لقدرتهم على ممارسة التلون و التزلف و النفاق و الخاسر هو الأمة جمعاء خسارة قيمية و مادية و اجتماعية.
في مقابل هذا المفهوم الأخلاقي للمصلحة الذي يجعل من العدل هو مصلحة الأمة العليا كان المفهوم الإذعاني للمصلحة ينمو و يتبلور في أن مصلحة الأمة العليا هي (الاستقرار و الاستمرار) أي يبقى الحال على ما هو عليه الظالم على ظلمه و المظلوم على ظلامته منعا لحدوث (الفتنة) تلك الكلمة ذات المفهوم الضبابي المبهم التي تحذر الأمة من دفع كلفة الثورة و التغيير مثلما تحذر قوى الاحتلال المقاومين من تبعات المقاومة و من قدرة المحتل على إلحاق شتى أنواع الأذى بهم بدءا من هدم البيوت و إتلاف المزروعات و هذا هو عين ما فعله بنو أمية في مواجهة القوى الثورية الحية للأمة الإسلامية.
إننا نسوق هذا الكلام لهؤلاء الغوغاء الذين أقاموا الدنيا و لم يقعدوها دفاعا عن طاغية العراق الذي أذاق شعبه المسكين شتى صنوف الذل و الهوان و الإبادة الجماعية و الفردية فكانت النتيجة أن اختلفت الكلمة و ظهرت معالم الجور و كثر الإدغال في الدين و طمع الأعداء و وجدوا الفرصة سانحة لاحتلال العراق و هي النتيجة الكارثة القابلة للتكرار في كل بلد يقع فريسة لهذا الظلم و الطغيان و لا يجد من يرد هذا الظالم عن ظلمه.
إن هذه النظرية التي طرحها الإمام علي بن أبي طالب هي ما أخذت به المجتمعات الديمقراطية حيث يقول الباحث الأمريكي ملفين يورو فسكي (لا بد أن يكون لكل المجتمعات العصرية رئيس تنفيذي قادر على القيام بمسؤوليات الحكم، بدءاً من الإدارة البسيطة لبرنامج ما، وحتى قيادة القوات المسلحة للدفاع عن الوطن أيام الحرب. لكن يجب التنبه إلى وجوب إعطاء مثل هذا المسؤول ما يكفي من الصلاحيات للقيام بمهامه، وفي الوقت نفسه، الحد من سلطته كي لا يصبح دكتاتوراً. يرسم الدستور في الولايات المتحدة، حدوداً واضحة لصلاحيات الرئيس. وفي حين يُشكّل منصبه أحد أقوى المناصب في العالم، فإن قوته تنبع من رضى المحكومين ومن قدرة شاغل البيت الأبيض على العمل بانسجام مع سلطتي الحكم الأخريين. الأمر المهم، هنا أيضاً، ليس كيفية تنظيم عمل الرئاسة، ولكنه القيود المفروضة على ذلك المنصب بموجب مبادئ متّبعة مثل مبدأ “الفصل بين السلطات”. في الحكم الديمقراطي، على الرئيس أن يحكم مُعتمداً على مهاراته السياسية، ليقيم إطار عمل للتعاون مع السلطة التشريعية، ولكن في المقام الأول مع الشعب نفسه. في نفس الوقت، يجب أن يشعر المواطنون بالثقة من أن القيود الدستورية تضمن أن يكون الرئيس، أو رئيس الوزراء، خادماً للشعب لا سيّده).
الإمام يقرر حق المعارضة
ثم يقرر الإمام حق الشعب في المعرفة و واجبه في أن يقدم للحاكم أو الرئيس المشورة الواعية العادلة التي لا يمكن تقديمها إلا من خلال إتاحة الإمكانية لأبناء الشعب و خبرائه و مثقفيه للحصول عليها فيقول (فَلاَ تُكَلِّمُونِي بَمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلاَ تُخَالِطُونِي بالْمُصَانَعَةِ، وَلاَ تَظُنّوا بِيَ اسْتِثْقَالاً فِي حَقّ قِيلَ لِي، وَلاَ الِْتمَاسَ إِعْظَام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أخطئ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي) و هو نفس ما يقرره هذا الباحث عن حق الشعب في أن يعرف  فيقول (قبل هذا القرن، إذا أراد الناس أن يعرفوا كيف تعمل حكوماتهم، كانوا يتوجهون إلى مقر الاجتماعات للإصغاء إلى المناظرات والمناقشات. أما اليوم، فهناك بيروقراطيات ضخمة معقّدة، وقوانين وأنظمة يقع بعضها في مئات الصفحات، وعملية تشريعية، حتى ولو كانت خاضعة للمحاسبة من قبل الشعب، قد تكون مبهمة ليسمح لأكثرية الناس بفهمها. في النظام الديمقراطي، على أعمال الحكم أن تكون شفافة قدر الإمكان، أي أن المداولات والقرارات يجب أن تكون مُتاحة لتدقيق الناس. من الواضح أنه لا يجوز أن تكون كل أعمال الحكومة علنية، ولكن للمواطنين الحق في معرفة كيف تُصرف أموال الضرائب التي تجبى منهم، وما إذا كانت المحاكم تتمتع بالكفاءة والفعالية، وما إذا كان المسؤولون المنتخبون يتصرفون بمسؤولية. إن كيفية توفير مثل هذه المعلومات تختلف بين حكومة وأخرى، ولكن ما من حكم ديمقراطي بوسعه العمل بسرية تامة).
ملفين يوروفسكي أوراق الديمقراطية وزارة الخارجية الأمريكية.
و الأهم من هذا أن الإمام لا يجعل من المعارضة انتقاصا من قدر الرئيس أو القائد أو الإمام و بالتالي فهو لا يجعل من الإمام ذلك الإله الذي لا (يسئل عما يفعل و هم يسئلون) فهذا لله وحده دون سواه  و أخيرا يعطي الإمام القدوة من نفسه بقبوله و احتماله للنقد و أن هذا النقد المستند لقاعدة الإخلاص للدولة الإسلامية يصب بكل تأكيد في خانة تبصير النظام بالأخطاء تفاديا للوقوع فيها أو تصحيحا لها قبل أن تستفحل و تأخذ شكل الكارثة التي لا يمكن تصحيحها فأين هذا من نظرية الحكم المعتمدة لدى إخواننا من أهل السنة و التي يزعم بعضهم أن الممكن تحويلها بقرار إلى نظرية ديمقراطية تماما مثلما يحلم البعض بتحويل رمال الصحراء إلى ذهب لأنها تشبه الذهب في لونه بينما كان البعض الآخر أكثر صدقا و إفصاحا عن نواياه التسلطية عندما أعلن استحالة حكم العرب و المسلمين ديمقراطيا و لا شك أنه يعبر عن حاله و يصف نفسه و لا يصف الإسلام الحقيقي إسلام أهل البيت عليهم السلام بأي حال.
و يبقى أن الإمام علي بن أبي طالب كان يؤسس تأسيسا نظريا مبدأيا بما تحتمله أدوات ذلك العصر الأول التي لم تكن تعرف الآليات الديمقراطية التي استحدثها العالم فيما بعد و لو أتيحت له الفرصة لوضع هذه المبادئ و القواعد في أرض الواقع لما وصل حال المسلمين إلى ما هو عليه الآن من تخبط و ديكتاتورية جرى التأسيس لها باسم الإسلام و الدين و يبقى أيضا أن كل ما يقال عن غيره من احترام لحرية الرأي و مساواة بين الناس هي محض مبالغات لا أساس لها و يكفي كل هؤلاء أن الذين دفعوا الخليفة الثالث عثمان بن عفان لترأس الأمة الإسلامية كانوا عالمين بأنه سيحمل بني معيط على رقاب الناس و بتحذيرات رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم المتتالية من بني أمية و رغبتهم العارمة في التحكم في الرقاب و في الثروات (إذا بلغ بنو العاص ثلاثون رجلا اتخذوا مال الله دولا و عباده خولا و دينه دخلا) و هو ما حدث بعد ذلك بالفعل (راجع كتابنا عن الجمل و فقه الطابور الخامس).
و أخيرا نرى الإمام في وصيته لمالك الأشتر لما ولاه أمر مصر يؤكد له على أهمية التواصل المباشر مع الجماهير المستضعفة من أصحاب المظالم و الشكاوى ممن يلحق بهم الظلم أكثر من غيرهم لضعفهم و اجتراء الأقوياء عليهم و ما يغلب على ظن هؤلاء المستكبرين من أن هؤلاء البسطاء غير قادرين على إيصال صوتهم لصاحب السلطة على عكس المقربين من دوائر السلطة من كبار القوم و من هنا يصبح هذا الاتصال المباشر ضرورة من ضرورات تحقيق العدل في أي نظام سياسي فيقول (و َاجْعلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَواضَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِع، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(عليه و على آله الصلاة و السلام) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِن: “لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِع”. ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ  وَالْعِيَّ وَنَحِّ عَنْكَ الضِّيقَ والأنف، يَبْسُطِ اللهُ عَلَيْكَ بَذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ، وَيُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ، وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً، وَامْنَعْ فِي إِجْمَال وَإِعْذَار).

 

الإمام السجاد و رسالة الحقوق:
الإمام السجاد عليه السلام هو علي بن الحسين زين العابدين الناجي الوحيد من مجزرة كربلاء التي تعرض لها الإمام الحسين و من معه من أهل البيت عليهم السلام و أصحابه الخيار الأطهار الذين ضحوا بأرواحهم دفاعا عن حقوق الأمة و لا شك أن هذه اللمحة تكشف شيئا عن طبيعة الظروف السياسية التي عاشها الإمام ….. هذا من ناحية.
و من ناحية أخر فقد دأب البعض على تكرار مقولة خائبة مفادها أن الإمام السجاد عليه السلام (قد وعى الدرس الذي تلقاه من فشل ثورة الإمام الحسين فآثر الابتعاد عن حقل السياسة) و لجأ إلى الزهد و العبادة و هي مقولة تنم عن جهل بالدين و التاريخ إذ أن أحدا من أئمة أهل البيت عليهم السلام لا يمكن أن يوصف بشيء من هذه الأوصاف و كل ما هنالك هو اختلاف الظروف و من ثم اختلاف الأدوار وفقا لاختلاف هذه الظروف التي عاشها كل إمام من أئمة أهل البيت.
بين أيدينا  (رسالة الحقوق) من كلمات هذا الإمام العظيم التي تكشف لنا عظمة و روعة أهل البيت الذين بهم دون غيرهم يستعطى الهدى و بهم دون سواهم يستجلى العمى و سنتناول في هذه الفقرة ذلك الشق المتعلق بالالتزام السياسي الأخلاقي في مدرسة أهل البيت حيث السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و كل شيء لديهم كوكب يدور في فلك الخلق الإنساني الرفيع و الأهم من هذا هو أن كل هذه الأمور تدور في دائرة الحق و الالتزام لا في دائرة المنة و العطاء و هو تأكيد لما ذكرناه نقلا عن الإمام علي عليه السلام من قاعدة للحقوق المتبادلة و المتوازنة.
يقول عليه السلام  هذه رسالة علي بن الحسين عليه السلام إلى بعض أصحابه:  (إعلم أن الله عز وجل عليك حقوقا محيطة بك في كل حركة تحركتها أو سكنه سكنتها، أو حال حلتها أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها أو آلة تصرفت فيها. فأكبر حقوق الله تعالى عليك ما أوجب عليك لنفسه من حقه الذي هو أصل الحقوق، ثم ما أوجب الله عز وجل عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك، على اختلاف جوارحك، فجعل عز وجل للسانك عليك حقا، ولسمعك عليك حقا، ولبصرك عليك حقا، وليدك عليك حقا، ولرجلك عليك حقا، ولبطنك عليك حقا، ولفرجك عليك حقا ، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال.  ثم جعل عز وجل لأفعالك عليك حقوقا: فجعل لصلاتك عليك حقا، و لصومك عليك حقا، ولصدقتك عليك حقا، ولهديك عليك حقا، ولأفعالك عليك حقوقا.  ثم يخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق عليك فأوجبها عليك حقوق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك. فهذه حقوق يتشعب منها حقوق. فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك: حق سائسك بالسلطان، ثم حق سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك. وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك: حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم فان الجاهل رعية العالم، ثم حق رعيتك بالملك، من الأزواج وما ملكت الإيمان. …… فطوبى لمن أعانه الله على ما أوجب عليه من حقوقه، ووفقه لذلك وسدده. ….. وحق السلطان أن تعلم أنك جعلت له فتنة وأنه مبتلى فيك بما جعل الله عز وجل له عليك من السلطان، وأن عليك أن لا تتعرض لسخطه، فتلقي بيديك إلى التهلكة، وتكون شريكا له فيما يأتي إليك من سوء…… وأما حق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك فيجب أن تعدل فيهم وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر الله عز وجل على ما آتاك من القوة عليهم).
إنها إذا تأكيد لما ذكرناه في بداية هذا الفصل عن حقوق متبادلة معروفة و مكتوبة و مقننة سواء كانت هذه الكتابة دستورا يضمن حقوق الراعي و الرعية أو مناهج أخلاقية تدرس في المدارس و المساجد و الجامعات و المنتديات وصولا لتربية كوادر إسلامية ديمقراطية تؤمن بحقوق الآخرين مثلما تطالب بحقوقها لأن الملك يمكن له أن يدوم مع الكفر و لا يمكن له أن يدوم مع الظلم و الانحراف عن جادة الطريق و (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه).

الإمام السجاد يعطي ابن شهاب الزهري درسا في العلاقة بين الفقيه و السلطان:
المتأمل في ما أوردناه عن وعاظ السلاطين أنهم لا يعرفون معنى الوسطية في العلاقة بين الراعي و الرعية تلك العلاقة التي تتمثل من وجهة نظرهم في إحدى حالتين إما الانصياع التام مقابل إسلام الإمام أو الموت الزؤام حال إعلان كفر هذا الإمام بينما نبه أئمة أهل البيت عليهم السلام أن لكل مقام مقالا و لكل حال حالا فقد لا يكون من الممكن إزالة الطاغية بأي وسيلة من الوسائل بل و يتعين التعامل معه بحكم الأمر الواقع و شتان ما بين شرعية الأمر الواقع المفروضة التي توجب أن يكون هذا التعامل في أضيق الحقوق و تلك الروايات المزعومة التي توجب السمع و الطاعة المطلقة في كل شيء باستثناء الكفر و هو ما يشمل طاعته في الظلم و المعاصي و اضطهاد الصالحين و أكل أموال الناس بالباطل من هنا نسجل تلك الرسالة التي أرسلها الإمام السجاد عليه السلام لمحمد بن شهاب الزهري واعظ البلاط الأموي و هو الذي لعب دورا بالغ الأهمية و الخطورة في إسباغ الشرعية على هذا النظام الإجرامي الدموي و نصها كالآتي:
(كفانا الله و إياك من الفتن و رحمك من النار فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك و طال من عمرك و قامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه و فقهك فيه من دينه و عرفك من سنة نبيه محمد ص فرض لك في كل نعمة أنعم بما عليك و في كل حُجة احتج بها عليك الفرض فما قضى إلا ابتلى شُكرك في ذلك و أبدى فيه فضله عليك فقال “لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد”.
فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها و عن حججه عليك كيف قضيتها و لا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير و لا راضيا منك بالتقصير هيهات هيهات ليس كذلك أخذ الله على العلماء في كتابه إذ قال (لتبيننه للناس و لا تكتمونه) و اعلم أن أدنى ما كتمت و أخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم و سهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت و إجابتك له حين دعيت فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة و أن تُسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك و دنوت ممن لا يرد على أحد حقا و لم ترد باطلا حين أدناك و أحببت من حاد الله أو ليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم و جسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم و سلما على ضلالتهم داعيا إلى غيهم سالكا سبيلهم يدخلون بك الشك على العلماء و يقتادون بك قلوب الجهال إليهم فلم يبلغ أخص وزرائهم و لا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم و اختلاف الخاصة و العامة إليهم فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك و ما أيسر ما عمروا لك فكيف ما خربوا عليك فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك و حاسبها حساب رجل مسئول.
و انظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا و كبيرا فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه “فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى و يقولون سيغفر لنا” إنك لست في دار مقام.

أنت في دار قد آذنت برحيل فما بقاء المرء بعد قرنائه طوبى لمن كان في الدنيا على وجل يا بؤس لمن يموت و تبقى ذنوبه بعده.
احذر فقد نبئت و بادر فقد أُجلت إنك تعامل من لا يجهل و إن الذي يحفظ عليك لا يغفل تجهز فقد دنا منك سفر بعيد و داو ذنبك فقد دخله سقم شديد.
و لا تحسبن أني أردت توبيخك و تعنيفك و تعييرك و لكني أردت أن ينعش الله ما قد فات من رأيك و يرد إليك ما عزب من دينك و ذكرت قول الله تعالى و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك و أقرانك و بقيت بعدهم كقرن أعضب (قرن وحيد مكسور) انظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه أم هل تراهم ذكرت خيرا علموه و علمت شيئا جهلوه بل حظيت بما حل من حالك في صدور العامة و كلفهم بك إذ صاروا يقتدون برأيك و يعملون بأمرك إن أحللت حلوا و إن حرمت حرموا و ليس ذلك عندك و لكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم و غلبة الجهل عليك و عليهم و حب الرئاسة و طلب الدنيا منك و منهم أما ترى ما أنت فيه من الجهل و الغرة و ما الناس فيه من البلاء و الفتنة قد ابتليتهم و فتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت أو يدركوا به مثل الذي أدركت فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه و في بلاء لا يقدر قدره فالله لنا و لك و هو المستعان.
أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم (الثياب البالية) لاصقة بطونهم بظهورهم ليس بينهم و بين الله حجاب و لا تفتنهم الدنيا و لا يفتنون بها رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك و رسوخ علمك و حضور أجلك فكيف يسلم الحدث في سنه الجاهل في علمه المأفون في رأيه المدخول في عقله إنا لله و إنا إليه راجعون على من المعول و عند من المستعتب نشكو إلى الله بثنا و ما نرى فيك و نحتسب عند الله مصيبتنا بك.
فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا و كبيرا و كيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا و كيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا و كيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا ما لك لا تتنبه من نعستك و تستقيل من عثرتك فتقول و الله ما قمت لله واحدا أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا فهذا شكرك من استحملك ما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه “أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا” استحملك كتابه و أستودعك علمه فأضعتها فنحمد الله الذي عاقانا مما ابتلاك به و السلام) الصحيفة السجادية الكاملة
إذا فالذي نعتقده أن هناك مساحة شاسعة و مسافة كبيرة على دعاة الإصلاح أن يقطعوها مذكرين الناس بواجباتهم التي يتعين عليهم القيام بها بدلا من الإلحاح على الناس بالصبر و الخنوع في انتظار أن يقع المحظور و يصبح من الممكن الحكم على هذا الحاكم بارتكاب الكفر البواح و لعمر الله أن لو كان الأمر متعلقا بعقد زواج لما تركوا الزوج يضرب و يظلم لمجرد أنه مسلم في انتظار أن ترى الزوجة المسكينة منه كفرا بواحا ليس لها من الله فيه برهان!!! و لعمر الله إنهم بهذا التنظير الخائب قد وضعوا الأمة في موضع أدنى بكثير من موضع العبد من سيده فما علاقة كل هذا بالإسلام؟؟.
و لا شك أنه كلما ازداد علم الإنسان و معرفته كلما ازداد حجم العبء الملقى على عاتقه و لذا نجد الإمام السجاد عليه السلام يخص الزهري منظر الدولة الأموية بهذه الرسالة و يحمله مسئولية العلم الملقاة على العلماء لأن العلم لا بد أن يكون في خدمة المنهج الرباني المتمثل في إقامة العدل لا في تأسيس دعائم الظلم و الحكم و لا شك أن التحاق الزهري ببلاط النظام الأموي الذي لم يترك محرما لله إلا و هتكه من ظلم و قتل و هتك للأعراض لم يكن يصب في مصلحة الدين بل في مصلحة هذا النظام و تلك سنة ما زالت جارية حيث يجري الاستعانة بهؤلاء و تقديمهم للعامة باعتبارهم عنوان على إسلام النظام و اهتمامه بالعلم من الدين في مقابل ما يغدقه عليهم من عطايا و ما يمنحهم من مزايا  فكان من الواجب على علماء الدين ألا يسارعوا لمنح هذا النظام شرعية لا يستحقها شرعية هو أحوج ما يكون إليها ليتمكن من سوق الجماهير للقيام بخدمته و لو اكتفى هؤلاء العلماء بحرمان تلك النظم من هذه الشرعية و منعهم من نيل فتاواهم مقابل أموالهم لسقطت تلك النظم من تلقاء نفسها ربما من دون أن تحتاج لطلقة رصاص واحدة.
وصية الإمام السجاد للجماهير المؤمنة حول طريقة التعامل مع هذه النظم الجائرة:
إنها وثيقة أخرى بالغة الأهمية تظهر لنا حجم المفارقة بين من لم يكن لهم من هم و لا شاغل من يومها إلا سوق الجماهير لأسواق الماشية الأموية و تحريم أي نوع من الاعتراض على تلك السياسات الجائرة خوفا من الوقوع في المحظور الأكبر من وجهة نظرهم و هو (الفتنة) أي إزعاج بني أمية و تهديد نظامهم الدموي بالزوال إذ لم تكن هناك من وسيلة لمجابهة هؤلاء إلا بقوة السلاح و هو ما فعله شيعة أهل البيت عليهم السلام بعد تلك الطريقة الوحشية التي استخدمها هؤلاء القوم في قمع التحرك الحسيني السلمي بدءا من ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ثم ثورة المختار بن عبيد الله و ثورة زيد بن علي بن الحسين و ابنه يحيى بن زيد.
يقول الإمام السجاد (بسم الله الرحمن الرحيم: كفانا الله و إياكم كيد الظالمين و بغي الحاسدين و بطش الجبارين أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت و أتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا المائلون إليها المفتون بها المقبلون عليها و على حطامها الهامد و هشيمها البائد غدا و احذروا ما حذركم الله منه و ازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها و لا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من أعدها دارا و قرارا بالله إن لكم مما فيهما عليها دليلا من زينتها و تصريف أيامها و تغيير انقلابها و مثلاتها و تلاعبها بأهلها إنها لترفع الخميل و تضع الشريف و تورد النار أقواما ففي هذا معتبر و مختبر و زاجر لمنتبه و إن الأمور الواردة عليكم في كل يوم و ليلة من مظلمات الفتن و حوادث البدع و سنن الجور و بوائق الزمان و هيبة السلطان و وسوسة الشيطان لتدبير القلوب عن نيتها و تذهلها عن موجود الهدى و معرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله عز و جل فليس يعرف تصرف أيامها و تقلب حالاتها و عاقبة ضرر فتنتها إلا من عصمه الله و نهج سبيل الرشد و سلك طريق القصد ثم استعان على ذلك بالزهد فكرر الفكر و اتعظ بالعبر و ازدجر فزهد في عاجل بهجة الدنيا و تجافي عن لذاتها و رغب في دائم نعيم الآخرة و سعى لها سعيها و راقب الموت و شنأ الحياة مع القوم الظالمين فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر و أبصر حوادث الفتن و ضلال البدع و جور الملوك الظلمة فقد لعمري استدبرتم من الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة و الانهماك فيها ما تستدلون به على تجنب الغواة و أهل البدع و البغي و الفساد في الأرض بغير الحق فاستعينوا بالله وارجعوا إلى طاعته و طاعة من هو أولى بالطاعة من طاعة من اتبع و أطيع.
فالحذر الحذر من قبل الندامة و الحسرة و القدوم على الله و الوقوف بين يديه و تالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه و ما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم و ساء مصيرهم و ما العلم بالله و العمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان فمن عرف الله خافه فحثه الخوف على العمل بطاعة الله و إن أرباب العلم و أتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له و رغبوا إليه و قد قال الله (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله و اشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله و اغتنموا أيامها و اسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله فإن ذلك أقل للتبعة و أدنى من العذر و أرجا للنجاة.
فقدموا أمر الله و طاعته و طاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها و لا تقدموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت و فتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله و طاعته و طاعة أولي الأمر منكم و اعلموا أنكم عبيد الله و نحن معكم يحكم علينا و عليكم سيد حاكم غدا و هو موقفكم و مسائلكم فأعدوا الجواب قبل الوقوف و المساءلة و العرض على رب العالمين (يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه).
و اعلموا أن الله لا يصدق كاذبا و لا يكذب صادقا و لا يرد عذر مستحق و لا يعذر غير معذور بل لله الحجة على خلقه بالرسل و الأوصياء بعد الرسل.
فاتقوا الله و استقبلوا من إصلاح أنفسكم و طاعة الله و طاعة من تولّونه فيهما لعل نادما قد ندم على ما قد فرط بالأمس في جنب الله و ضيع من حق الله و استغفروا الله و توبوا إليه فإنه يقبل التوبة و يعفو عن السيئات و يعلم ما تفعلون و إياكم و صحبة العاصين و معونة الظالمين و مجاورة الفاسقين احذروا فتنتهم و تباعدوا من ساحتهم و اعلموا أنه من خالف أولياء الله و دان بغير دين الله و استبد بأمره دون أمر ولي الله في نار تلتهب تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها غلبت عليها شقوتها فهم موتى لا يجدون حر النار فاعتبروا يا أولي الأبصار و احمدوا الله على ما هداكم و اعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته و سيرى الله عملكم ثم إليه تحشرون فانتفعوا بالعظة و تأدبوا بآداب الصالحين).
إنها تعليمات و وصايا لا تترك عذرا لمعتذر و لا حجة لأحد يوم القيامة بأننا لم نجد من نرجع إليه أو نهتدي بهديه أو نتأدب بأدبه إنها تعليمات تشخص الواقع الحقيقي للمسلمين منذ البدايات الأولى لحدوث الانحراف عن المنهج القويم و سقوط الأمة في براثن الطواغيت برغم تحذيرات الأئمة من أهل البيت و جهادهم و تضحياتهم من أجل منع وقوع تلك الكارثة.
إنها وصية توجب تقديم (أمر الله و طاعته و طاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها) و تنهى عن الاستجابة لأوامر الطغاة (و لا تقدموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت و فتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله و طاعته و طاعة أولي الأمر منكم) و كما هو معلوم فإن الطغاة قد استمالوا وعاظ السلاطين لصفهم و اشتروا منهم دينهم في مقابل إقناع هؤلاء المضَللَين أن من شق عصا الطاعة و فارق الجماعة قيد شبر و دعا لمثل ما دعا إليه علي بن الحسين من (تجنب الغواة و أهل البدع و البغي و الفساد في الأرض بغير الحق) فميتته ميتة جاهلية.
ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا.

بين الإسلام و العلمانية:
يدور الجدل هذه الأيام حول الحكومة الإسلامية و قدرتها على تلبية احتياجات الأمة و إقامة العدل و إدارة شئون المسلمين بصورة فاعلة و عن علاقة المسلمين بغيرهم إلى آخر تلك المناظرات و أحيانا المهاترات التي تحفل بها وسائل الإعلام فيزعم العلمانيون أنهم الأقدر و الأجدر على حفظ مصالح البلاد و العباد و اتخاذ موقف منصف و محايد بين كافة الفرقاء و يستدلون على صحة ذلك بأن الإسلاميين حكموا و لم يعدلوا و الواقع أن هذا الكلام لا يخلو من صحة لسببين السبب الأول تنظيري و هو أن ما بين أيدي الناس من أفكار و نظريات منسوبة للإسلام هي مجرد اجتهادات بعضها صحيح و بعضها خاطئ و البعض الآخر أثبتت التجارب عدم صحته أو عدم قابليته للتنفيذ إما لأسباب محلية أو لظروف دولية و هو نفس الاتهام الذي يمكن توجيهه للاجتهادات المطروحة من غير الإسلاميين هذا إذا اعتبرنا ما يطرحونه داخلا في دائرة الاجتهاد من الأساس.
و من هنا يصبح السؤال مشروعا عما إذا كان العلمانيون يمتلكون رصيدا من الأفكار و التجارب السياسية المحايدة القابلة للعمل تحت كل الظروف و الملابسات و في كل البلدان و أن هذه الأفكار تغنينا عن النظر و التأمل و إعمال الفكر و الاجتهاد و الجواب معلوم ألا شيء من هذا يمكن أن يكون موجودا و أن ما فعله هؤلاء عندما أتيحت لهم فرصة الحكم و التحكم هو استيراد قوانين و أفكار من فرنسا أو أمريكا و تطبيقها بحذافيرها كما حدث في تركيا غير المأسوف على خلافتها الضائعة و من هنا فنحن نعتقد أن لا بديل عن إعمال الفكر و الاجتهاد و استخلاص كنوز الفقه و الفكر و التراث و تقديمها للناس و الأهم من هذا أن من الضروري الانتباه لتلك القاعدة التي قررها غمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام في التنظير لأي نظام سياسي و هي وضع القواعد اللازمة لمساءلة الحاكم و محاسبته أيا كانت رتبته أو منزلته التي لا يمكن لها أن تعلو و تزيد على منزلة الإمام المعصوم القائل (فإني في نفسي لست بفوق أن أخطئ.. فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة و لا تتحفظوا من عند البادرة) و المهم أن يوضع من الصياغات القانونية و الدستورية ما يحول دون تحول الحاكم أي حاكم إلى إله مقدس لا يجوز مساءلته و لا محاسبته فضلا عن انه لا يرى نفسه ملزما بتقديم الإيضاحات و الحقائق التي تمكن الناس من محاسبته على التقصير أو الظلم الحادث و من ثم فلا قدسية لطبقة أو فئة حاكمة و لا حظر على طبقة أن تمارس السياسة و المهم أن على من يريد ممارسة السياسة أن يقبل بآليات السياسة من رقابة و محاسبة في مقابل السلطة الممنوحة له من الشعب.

النهي عن الغدر و العدوان
يقول الإمام عليه السلام (إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أوْقَى مِنْهُ وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَان اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً،  وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ، مَا لَهُمْ! قَاتَلَهُمُ اللهُ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ(1) وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْن بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ). خطبة 41 نهج البلاغة
و يقول أيضا (و الله ما معاوية بأدهى مني و لكنه يغدر و يفجر و لولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس و لكن لكل غادر فجرة و لكل فجرة كفرة و لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة و الله ما أُستغفل بالمكيدة و لا أُستغمز بالشديدة). شرح النهج ج2 ص 572.
(بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَاد)ِ.
يقول تعالى (و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين* و اقتلوهم حيث ثقفتموهم و أخرجوهم من حيث أخرجوكم و الفتنة أشد من القتل و لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين* فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم *و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين* الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين) البقرة190- 194.
(و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) الأنفال 58.

إن تلك القضية قضية الوفاء بالعهد و التزام الكلمة و تجنب الغدر و العدوان هي من كبريات القضايا التي ابتلي بها المسلمون المعاصرون حيث تبنت تلك الجماعات المسماة بالإسلامية الاغتيال السياسي كأداة لتحقيق أهدافها و على رأس هؤلاء كانت جماعة الأخوان المسلمين التي أسست تنظيما أُطلق عليه اسم (الجيش الإسلامي) و المهم أن بقية الجماعات التي جاءت بعد تلك (الجماعة الأم) لتضيف المزيد من الكوارث إلى الكارثة الأم و زايدت عليها متبعة نفس النهج وصولا إلى حادثة تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك و التي قدمت نموذجا صارخا لهذا النمط الفكري اللاأخلاقي المنسوب للإسلام زورا و بهتانا.
صحيح أن جماعة الأخوان قد أعلنت نبذها لهذا النمط من الأعمال و لكنها و حسب علمنا و حتى هذه اللحظة لم تقدم اجتهادا فكريا مغايرا يمكن له أن يقنعنا بأن تحولهم نحو اللاعنف هو تحول مبدأي أصيل بقدر ما هو تحول أملته ضغوطات الواقع و عدم وجود قدرة على مواصلة هذا النهج و من ثم فمن الممكن أن (يحمل هذه الأمانة) من يقدر على مواصلة هذا النوع من الأعمال و لو بعد قرن من الزمان و قد ظهر هذا واضحا في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث تبارى الجميع في محاولة إلقاء اللوم على أمريكا و الغرب و اليهود من دون أدنى محاولة لإدانة من ارتكبوا هذا العمل الأخرق و محاولة علاج الجذور الفكرية لهذا السلوك العدواني.
من بين أركان (الجيش الإسلامي الأخواني) كان ذلك المدعو (محمود الصباغ) الذي ألف كتابا نشر في آخر الثمانينات أي أنه صدر بعد نبذهم المزعوم للعنف قدم له مرشد الأخوان السابق مصطفى مشهور (راجيا الله عز و جل أن ينفع به المسلمين!!؟؟) فماذا قال ؟؟.
(و من هذه الآيات البينات نعلم أن الله أحل للمؤمنين قتال المشركين و الذين أوتوا الكتاب من كان منهم لا يؤمن بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرم ما حرم الله و رسوله و لا يدين دين الحق “آيات سورة التوبة” و جعل ذلك فريضة على كل مسلم ” لاحظ أنه لا يفرق بين فرض الكفاية و فرض العين فإراقة الدماء عنده هي الأصل و ليست الاستثناء” فيتعين عليه أن يجيب دعوة الحاكم له للجهاد فإن هزمت جيوش الدولة أصبح قتالهم فرض عين على كل مسلم و مسلمة).
(و يلزمنا أن نوضح أن الإسلام قد استثنى من هذه الأحكام من كان بينهم و بين المسلمين عهد و ميثاق إلى أجله كما استثنى أهل الكتاب المواطنين في الدولة الإسلامية فهؤلاء لهم من رعاية الدولة ما لغيرهم من المسلمين سواء بسواء و لا يشترط كون الكفار و الخارجين على الدين من الذين أوتوا الكتاب قاصرا على جبهة القتال بل يجوز قتلهم فرادى في منازلهم بإذن ولي الأمر ما داموا محاربين للإسلام و المسلمين و قد أمر رسول الله صلى الله عليه و آله  أصحابه بالإجهاز على أكثر من واحد من هؤلاء الأعداء غيلة لما قام الدليل على أنه محارب لله و لرسوله دون أن يكون ذلك في ميدان القتال).
و يكون القاتل في هذه الحالة مجاهدا في سبيل الله تميزه عبارات الجندية الحديثة فتسميه فدائيا لأنه يقوم بعمله وحده بعيدا عن مناصرة الجيش المسلم أما الاسم العسكري الغربي لمثل هذا الجندي فهو كوماندوز.
و من ثم يمكننا تقسيم أعمال المجاهدين في سبيل الله من جنود النظام الخاص و الإخوان المسلمين إلى قسمين رئيسيين:
1- أعمال القتال في سبيل الله و هي المعارك التي قام بها جنود الجيش الإسلامي ضد الصهاينة في ميدان القتال بفلسطين.
2- أعمال الفداء و هي الأعمال التي يقوم بها فرد أو عدد قليل من الأفراد ضد أعداء الله مباغتين لهم دون إعلان أو إنذار و متعرضين في ذلك للفداء بأنفسهم لقلة عددهم وسط جنود العدو في سبيل عقيدتهم و دينهم.
و جدير بالذكر أن التعبير القانوني لمثل هذه الأعمال هو الاغتيالات السياسية  حيث أن القوانين الوضعية لا تستمد نصوصها من الشريعة الإسلامية, و لا تحل شريعة الإسلام إباحة العمل الفدائي بالوصف الذي ذكرناه إلا لتبيح القضاء على أعداء الله من أقصر طريق و لكن الناس بعد أن بعدوا عن شريعة الإسلام و احتكموا إلى القوانين و النظم الوضعية درجوا على الاغتيالات السياسية لدوافع وطنية صرفة قد لا يكون من بينها عداوة المقاتلين للدين بل أسباب أخرى مثل الخلاف في الرأي السياسي أو رغبة التخلص من الحكم الديكتاتوري أو قتل أعداء الوطن بغض النظر عن دينهم أو تحقيق أغراض سياسية).
حقيقة التنظيم الخاص و دوره في دعوة الأخوان المسلمين- محمود الصباغ , طبعة دار الاعتصام عام 1989. ص 233-235. تقديم المرشد العام السابق لجماعة الأخوان المسلمين مصطفى مشهور.
فما هي الآيات التي استند إليها ذلك الجاهل في قراره القاضي بشن الحرب على العالم أجمع مستثنيا من كان بينه و بين المسلمين عهد إلى أجله و أضاف إليهم رعايا الدولة الإسلامية من أهل الكتاب؟؟.
إنها آيات سورة التوبة (براءة من الله و رسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين* فسيحوا في الأرض أربعة أشهر و اعلموا أنكم غير معجزي الله و أن الله مخزي الكافرين* و أذان من الله و رسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين و رسوله فإن تبتم فهو خير لكم و إن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله و بشر الذين كفروا بعذاب أليم* إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا و لم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين* فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) 1-5 ثم قال عز من قائل (كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين). 7 سورة التوبة.
فمن أين جاء هؤلاء بهذا (الأصل) القاضي بالقتال و جعلوا من (السلم) هو الاستثناء و ليس العكس أي أن السلم هو الأصل و القتال هو الاستثناء؟؟.
لنقرأ ما قاله ابن قيم الجوزية في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) حيث يقول: (و لما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها فأمر فيه أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام و أمره فيها بجهاد الكفار و المنافقين و الغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف و السنان و المنافقين بالحجة و اللسان و أمره فيه بالبراءة من عهود الكفار و نبذ عهودهم إليهم و جعل أهل العهد ثلاثة أقسام: قسم أمره بقتاله و هم الذين نقضوا عهدهم و لم يستقيموا له فحاربهم و ظهر عليهم و قسم لهم عهد مؤقت لم ينقضوه و لم يظاهروا عليه فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم و قسم لم يكن لهم عهد و لم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم و هي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر و هي الحرم المذكورة في قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين و هو إنما أجلهم أربعة أشهر ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم فقتل الناقض لعهده و أجل من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعة أشهر و أمره أن يتم للموفي عهده إلى مدته) زاد المعاد ج2 ص 91.
و الواقع أن ما قاله ابن القيم عن هذه القضية لا يختلف كثيرا عما سننقله عن العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان حيث يقول (المراد بالآية القضاء برفع الأمان عن الذين عاهدوهم من المشركين و ليس رفعا جزافيا و إبطالا للعهد من غير سبب يبيح ذلك فإن الله تعالى سيذكر بعد عدة آيات أنهم لا وثوق بعهدهم الذي عاهدوه و قد فسق أكثرهم و لم يراعوا حرمة العهد و نقضوا ميثاقهم و قد أباح تعالى عن ذلك إبطال العهد بالمقابلة نقضا بنقض حيث قال (و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) الأنفال 58 فأباح إبطال العهد عند مخافة الخيانة و لم يرض مع ذلك إلا بإبلاغ النقض إليهم لئلا يؤخذوا على الغفلة فيكون ذلك من الخيانة المحظورة و لو كان إبطال عهدهم من غير سبب مبيح لذلك من قبل المشركين لم يفرق بين من دام على عهده منهم و من لم يدم عليه و قد قال تعالى مستثنيا (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا و لم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين) و لم يرض تعالى بنقض هذا العهد دون أن يضرب لهم أجلا ليفكروا في أمرهم و يرتأوا رأيهم و لا يكونا مأخذوين بالمباغتة و المفاجأة) ص 150-151 ج9 تفسير الميزان.
و الواقع أن الإسلام العظيم لم يبح قتال غير المسلمين هكذا من غير قيد و لا شرط و إنما جعل هذا القتال محكوما بما ورد في الآيات السابقة (قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) و أوجب على المسلمين الحفاظ على عهودهم و عقودهم التي عقدوها مع غيرهم من الأمم (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين) (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) و معلوم أنه لم ينزل من السماء نص إلهي يمنع عقد المعاهدات بين المسلمين و غير المسلمين خاصة إذا كانت هذه المعاهدات تحقق مصلحة مشتركة بين الفريقين و لا تتعارض بشكل أو بآخر مع الضوابط التي تقررها الشريعة الإسلامية السمحاء و لا شك أن النصوص القرآنية و الإجماع كان و ما زال قائما على جواز إبرام المعاهدات بين المسلمين و بين غيرهم من البشر تحقيقا للمصلحة الإنسانية العامة في الأمن و السلام و تبادل المنافع بين البشر على اختلاف مللهم و نحلهم بل و الأهم من هذا هو تبادل الأفكار و التداول في العقائد و الأديان (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤدي الذي أؤتمن أمانته و ليتقي الله ربه) و لا شك أن ائتمان البشر بعضهم لبعض على تجارتهم و أموالهم هو فرع على أمان أعم هو ائتمان بعضهم بعضا على أرواحهم و أعراضهم.
و السؤال الأول من أين جاء هؤلاء بتلك الفكرة القائلة أن الأصل في العلاقة بين المسلمين و غيرهم هو سفك الدماء و القتال و أن آيات السيف قد نسخت ما سبقها من أحكام الجهاد و جعلت من العلاقة التصادمية بين المعسكرين الإسلامي “الذي جرى حصره في إطار الجماعة و المنتمين إليها” و معسكر الكفر “الذي جرى توسيعه ليشمل بقية العالم” هي القاعدة الدائمة و المطلقة و الملاحظ أن أحد هؤلاء و هو سيد قطب قد شن حملة ضارية على الذين يقولون (أن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع) واصفا إياهم (بالمهزومين روحيا و عقليا تحت ضغط الواقع البائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان و يحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا بتخليه عن منهجه و هو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا و تعبيد الناس لله وحده و إخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد بالتخلية بينهم و بين هذه العقيدة بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة أو قهرها حتى تدفع الجزية و تعلن استسلامها و التخلية بين جماهيرها و هذه العقيدة تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها) ص 65- الجهاد في سبيل الله. معالم في الطريق
و الغريب أن الذين يقرءون في القرآن الكريم (و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (إن الله لا يحب الخائنين) لا يستندون إلى كارل ماركس و لا إلى التلمود بكل تأكيد في تحريمهم للعدوان بل يستندون إلى كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ناهيك عن أنه ليس هناك يقين لدى أنصار السيف و لا شيء سوى السيف في أن هذه الآيات قد نَسخت (أو نسفت) كل ما عداها حتى يتمادى سيد قطب في وصف هؤلاء بأنهم من المهزومين أمام الواقع البائس لذراري المسلمين و أنهم لم يعد لديهم من الإسلام إلا العنوان و الأهم من هذا أن هذه الجماعات و قد توالت عليها الهزائم و المصائب و النكبات عادوا ليحتفوا بكل ما ركله سيد قطب من أفكار هذه المرة بسبب الهزيمة الواقعية و ليس مجرد الهزيمة النفسية.
أما السؤال الآخر فهو من أين جاء هؤلاء بإباحة الاغتيالات السياسية و قتل مخالفيهم في الرأي و لو كانوا في بيوتهم إذا لاحظنا ذلك التشديد في النهي عن الغدر و الخيانة (إن الله لا يحب الخائنين) سواء في الداخل الإسلامي الذي أعمل فيه هؤلاء سيوفهم و قنابلهم و لم يتوقفوا عن تلك الممارسات إلا عندما ذاقوا وبال أمرهم أو خارج العالم الإسلامي مع أناس ثابت باليقين القطعي أنهم من المدنيين الأبرياء الذين لا يحملون سلاحا و لا يتواجدون في جبهة للقتال.
لقد كانت آيات سورة التوبة متعلقة أساسا بترتيب الأوضاع في جزيرة العرب عامة و في المسجد الحرام خاصة فعندما نزلت هذه الآيات على رسول الله ص (أرسل أبا بكر ليؤذن الناس بها فلما كان في بعض الطريق جاء جبريل عليه السلام إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بالأمر الإلهي لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل من أهل بيتك و في رواية لا يبلغ عنك إلا علي فدعا رسول الله ص عليا و أمره أن يركب ناقته العضباء و أمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة و يقرأها على الناس بمكة فقال أبو بكر أسخط؟؟ فقال لا إلا أنه أنزل عليه أنه لا يبلغ إلا رجل منك فلما قدم عليّ بن أبي طالب مكة و كان يوم النحر بعد الظهر و هو يوم الحج الأكبر قام ثم قال إني رسول رسول الله إليكم فقرأها عليهم “براءة من الله و رسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر عشرين من ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشرا من شهر ربيع الآخر و قال لا يطوف بالبيت عريان و لا عريانة و لا مشرك بعد هذا العام و من كان له عهد عند رسول الله فمدته إلى هذه الأربعة أشهر). تفسير الميزان نقلا عن العياشي و عن غيره ص 169- 170 فالذي نفهمه من هذه الآيات أنها متعلقة أساسا بقضية بسط السيادة الإسلامية على مركز ثقل الدولة الإسلامية و عاصمتها الدينية و أماكنها المقدسة و صيانة حرمة هذه الأماكن من التدنيس بواسطة الكفار ممن لا يقيمون وزنا و لا اعتبارا لقيم الطهارة أو الآداب الإسلامية و هي أحكام ما تزال سارية حتى الآن فيما يتعلق بهذه الأماكن و قدسيتها و عدم دخول غير المسلمين إليها أكثر من كونها تتعلق بالأحكام النهائية للعلاقة بين العالم الإسلامي و العالم غير الإسلامي و هي علاقة يتحكم فيها الكثير من العوامل من بينها العوامل الواقعية و موازين القوى و الأهم من هذا أن الإسلام جعل من الأصل في العلاقة بين البشر هو السلم و احترام العقود و العهود الإنسانية و لو لم تكن مكتوبة مثل حرمة الأشهر الأربعة (رجب المفرد و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم) و جعل الدعوة إلى سبيل الله (بالحكمة و الموعظة الحسنة) و الجدال بين الناس بالتي هي أحسن و جعل الجهاد حصنا يحفظ به المسلمون وجودهم و استقلالهم و حقهم في اختيار دينهم و عقيدتهم و ليس وسيلة للانتقام و التشفي أو لإخضاع البشر.
يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في عهده لمالك الأشتر (وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّ كَ لله فِيهِ رِضىً، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكِ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ. وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بالأمانة، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عز وجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتَِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ، وَلاَ تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَجْتَرِىءُ عَلَى اللهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ، فَلاَ إِدْغَالَ وَلاَ مُدَالَسَةَ، وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ، وَلاَ تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوزُ فِيهِ الْعِلَلُ، وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ القَوْل بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ، لاَ تَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ). عهد الأشتر ج4 شرح نهج البلاغة

إن هذا الكلام الذي ذكره الإمام و سجله في وصية مكتوبة إلى عامله على مصر مالك الأشتر يجعل من العقود و المواثيق المعقودة بين البشر كل البشر مسلمين كانوا أو غير مسلمين (عهدا مع الله عز و جل) و هو عين ما قاله الله سبحانه في محكم كتابه (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) و يقول سبحانه في سورة البقرة (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و السائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون) آية 177 منبها إلى الأهمية الكونية التي يحظى بها حفظ العهود و التزام القوانين و المواثيق التي ألزم بها المسلمون أنفسهم (فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عز وجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتَِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ، وَلاَ تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ).
إن الوفاء بالعهود هو فريضة كونية عالمية كان ينبغي أن يكون المسلمين هو السابقون إليها من بين الأمم -و قد لزم المشركون ذلك فيما بينهم- فأين نحن الآن من هذا الخلق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر و قد تفاخر هؤلاء الغوغاء بما ارتكبوه متجاهلين الآثار الخطيرة التي أفضى إليها هذا العمل الغادر الذي جعل العالم كله في ريب من التزام المسلمين بعهودهم و مواثيقهم (وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ) و قد استفادوا هم شخصيا من ذلك الأمن الذي أفضاه الله تبارك و تعالى بين العباد برحمته و جعل منه حريما يسكنون إلى منعته و يستفيضون إلى جواره بعدما ضيق الظلم و الطغيان الداخلي عليهم سبل الأمن و الأمان و ألجأهم للفرار بدينهم إلى خارج العالم الإسلامي ثم قاموا هم بتضييق ما تبقى لهم من رحمة و حرمة كانت لهم و لغيرهم من خلال هذه التصرفات الخرقاء المنافية للعقل و لكتاب الله و وصايا رسول الله صلى الله عليه و آله و أئمة الحق من آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم.
نظرة عامة على العلاقة بين الإسلام و العهود و المواثيق:
يفرد العلامة الطباطبائي في تفسيره الرائع فصلا عن (معنى العهد و أقسامه و أحكامه) ننقل منه بعض الأجزاء لأهميتها القصوى حيث يقول “الإنسان شديد الاهتمام بعقد العقود و تمثيل العهود و ما يرتبط بها من اليمين و البيعة و نحو ذلك و العامل الأول في ذلك أن الإنسان لا هم له إلا التحفظ على حياته و الوصول إلى مزاياها و التمتع بالسعادة التي تستعقبها لو جرت على حقيقة مجراها و الإنسان القاطن في أرض أو الساكن في دار لا يتم له سكناه إلا مع الأمن من ممانعة الناس و مزاحمتهم له في سكناه و التصرف فيه بما يصلح له لذلك. و هذا هو الذي هدى الإنسان إلى اعتبار العقد و إبرام العهد فهو يأخذ ما يريده من العمل و يربطه بما يعينه عليه من عمل غيره و يعقدهما بمثل عقد الحبال الذي يفيد اتصال بعض أجزائها ببعض و عدم تخلف بعضها عن بعض و مثله العهد الذي يعهده إليه غيره أن يساعده في ما يريده من الأمر أو أن لا يمانعه في ذلك. و العهود و المواثيق كما تمسها حياة الإنسان الذي هو فرد المجتمع تمسها حياة المجتمع فليس المجتمع إلا المجتمع من أفراد الإنسان فالمجتمع إنسان كبير له من مقاصد الحياة ما للإنسان الصغير و المجتمع في حاجة إلى الأمن و السلام من قبل أجزائه لئلا يتلاشى و يتفرق و إلى الأمن و السلام من قبل رقبائه من سائر المجتمعات. و على هذا جرى دين المجتمعات الإنسانية على ما بأيدينا من تاريخ الأمم فلم يزل و لا يزال المجتمع من المجتمعات الإنسانية في حاجة إلى أن يعاهد غيره في بعض شؤون حياته السياسية و الاقتصادية فلا يصفو الجو للإقدام على شيء من مقاصد الحياة أو التقدم في شيء من مآربها إلا بالأمن و السلام.
و الإسلام بما أنه مهتم بإصلاح حياة الناس العامة كاهتمامه بإصلاح حياة الفرد الخاصة قنن كليات ما يرجع إلي شئون الحياة الاجتماعية كالجهاد و الدفاع و مقاتلة أهل البغي و النكث و الصلح و السلم و العهود و المواثيق و غير ذلك و قد اعتبر الإسلام العهد اعتبارا تاما و أحكمه إحكاما و اعتبر نقضه من طرف أهله من أكبر الإثم إلا أن ينفضه العاهد الآخر فيقابل بالمثل فإن الله سبحانه أمر بالوفاء بالعهود و المواثيق و ذم نقضها ذما بالغا في آيات كثيرة جدا (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة 1 و قال (و الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه و يقطعون ما أمر الله به أن يوصل و يفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة و لهم سوء الدار) الرعد 25 و قال (و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) الإسراء 34.
و لم يبح نقض العهود و المواثيق إلا فيما يبيحه حق العدل و هو أن ينقض المعاهد المقابل نقضا بالبغي و العتو أو لا يؤمن نقضه لسقوطه عن درجة الاعتبار و هذا مما لا اعتراض فيه لمعترض و لا لوم للائم قال تعالى (و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) الأنفال 58 فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانة و لم يرض بالنقض من عير إخبارهم به و اغتيالهم و هم غافلون دون أن قال (فانبذ إليهم على سواء) فأوجب أن يخبروهم بالنقض المتقابل احترازا من رذيلة الخيانة.
و أما النقض الابتدائي من غير نقض من العدو المعاهد فلا مجوز له في هذا الدين الحنيف أصلا و إن كان الوفاء مما يفوت على المسلمين بعض منافعهم و يجلب إليهم بعض الضرر و هم على قدرة من حفظ منافعهم  بالبأس و القوة أو أمكنهم الاعتذار ببعض ما تصور لهم الحجة ظاهرا و تصرف عنهم اللوم فإن مدار الأمر على الحق و الحق لا يستعقب شرا و لا ضرا” تفسير الميزان ج9 ص 192-195.
و العجيب أن من قاموا بهذه الأعمال و يحاولون إلى الآن التشريع لها لا يملكون من الأصل ولاية على المجتمع من أي نوع كان سواء كانوا من جماعة الأخوان أو الجماعات المسلحة التي جاءت في أعقابها تنافسها و تزايد عليها وصولا إلى تنظيم القاعدة و قائده سيئ الذكر أسامة بن لادن و من الذي منحهم صلاحية تحديد الخائن و الشريف و المحافظ على عهده و النابذ لعهده سواء في معاركهم مع الداخل المسلم أو الخارج غير المسلم الذي أمطروه بطائراتهم المشئومة و قوادها الأكثر شؤما أي أن الكارثة متعددة الطوابق استيلاء بغير الحق على قيادة المجتمع و التصرف في الشأن العام من غير ضابط و لا رابط و لا شرعية و أخيرا العدوان و الغدر و الخيانة (فبئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد).

الآثار العملية لانحراف المسلمين عن منهج أهل البيت عليهم السلام بقيادة علي بن أبي طالب:
يتساءل المسلمون في براءة يحسدهم الأطفال عليها عن سبب تخلفهم و تقدم الآخرين و لا مانع لدى بعض هؤلاء أن يحدثك عشرات الساعات عن الحضارة الإسلامية و عن أهم مبادئها و عن احترامها لحرية الرأي و حقوق الآخر و ديمقراطية الإسلام ثم ينهض في صمت ليحرض السلطة على مصادرة كتب أهل البيت عليهم السلام التي تتحدث عنهم و عن جهادهم من أجل رفعة هذه الأمة باعتبار أن هذه الكتب (تهدد وحدة المسلمين العقائدية التي حافظ عليها الأمويون و أحفادهم من الوهابيين و الأهم من هذا أنها تهدد فرصة نجاحه في مسابقة من سيربح المليون!!) و فات كل هؤلاء أن تلك الأحاديث النظرية و الوقائع و القصص التي تروى بعيدة عن سياقها التاريخي لا يمكن لها أن تبني حضارة من أي نوع عدا الأفلام السينمائية و المسلسلات الرمضانية بالطبع التي نجحنا من خلالها في الصعود إلى القمر فالذي يبني الحضارة هو التجربة العملية و الكفاح في أرض الواقع و الانتصار لقوى الخير و التقدم و الأهم من هذا أن مجتمعا أو أمة تفتقد إلى الصدق و الأمانة و تكون الكلمة العليا فيها للمنافقين و المرتزقة و الجهلة بكل تأكيد الذين يأكلون على كل الموائد و الذين لا هم لهم إلا تبرير ما ارتكبه الآباء و الأجداد و الأحفاد و أحفاد الأحفاد من جرائم هي أمة ساقطة إلى الجحيم مهما تحدث أساتذة الحضارة عن الحضارة.
فالأمة التي ما زالت تقدس من أسس لثقافة الخيانة و الغدر و من قال فيه إمام الحق علي بن أبى طالب (إنه ليغدر و يفجر و لكل غادر فجرة و لكل فجرة كفرة و لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة) و تنتحل له الأعذار تلو الأعذار بل و تحاول جهد أيمانها أن تطفئ النور الإلهي الذي قدمه علي بن أبي طالب لهذه الأمة هي أمة محكوم عليها بالخيبة و الفشل ما لم ترجع أو تتوب إلى نهج الوضوح و الاستقامة و الوفاء بالعهد. و اسألوا كتب التاريخ عن السبب وراء استدراج طلحة و الزبير من المدينة إلى البصرة و عن تلك الرسالة التي بعث بها ابن آكلة الأكباد إليهما يمنيهما بالخلافة و يقول لهما فيها دونكم البصرة و قد ضمنت لكما الشام.
اسألوا كتب التاريخ عن محاولة استدراج قيس بن سعد بن عبادة للدخول في معسكره مقابل أن يعطيه خراج مصر.
و اسألوا هذه الكتب عن العقد الذي كتب بين ابن آكلة الأكباد و وزيره الأول ابن النابغة و الذي أعطاه فيها مصر طعمة له و لأبنائه من بعده فكان ما كان من مؤامرة التحكيم بكل ما تحتويه من استهزاء و استهانة بكتاب الله عز و وجل الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين عباده فيما اختلفوا فيه لا ليكون لعبة و مطية يتخذها بنو أمية هزوا ليتوصلوا من خلاله إلى السلطة و المجد.
اسألوا كتب التاريخ عن خطبة الافتتاح التي ألقاها ابن آكلة الأكباد في النخيلة في مستهل حكمه المشئوم عندما قال ألا إن كل عهد أعطيته للحسن بن علي قد وضعته تحت قدمي هاتين لا أفي بها ثم قال و الله ما قاتلتكم لتصلوا أو لتصموا أو لتزكوا و إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم و قد أعطاني الله ذلك و أنتم كارهون.
فأي أمة هذه التي رضيت بكل هذا الذل و عشقت كل هذا الغش و التزييف و الخداع حتى أصبح يجري في دمائها و مسام عروقها.
اسألوا كتب التاريخ عن الغارات التي شنها ذئاب بني أمية و قطاع الطرق من العاملين تحت إمرة ابن آكلة الأكباد على المدنيين الأبرياء قتلا و سرقة و ترويعا للآمنين من أمثال الضحاك بن قيس الفهري و غيره من الأوباش المنحطين ثم تأملوا في تاريخنا المعاصر الذي يعيد إنتاج هذه النماذج الشائهة و المنحطة كل حين.
ماذا لو أن الإمام فعل شيئا مما فعله هؤلاء المنحطين؟؟ أي شيء كان يبقى من الدين و المبادئ الإنسانية إذا و أي شيء كان يمكن لنا أن نحتج به على ورثة هذا النهج.
الجواب معلوم أن الإمام لم يكن مجرد طالب دنيا و رئاسة على نسق هؤلاء الساقطين و أحفادهم بل كان إماما للحق مهمته الأولى و الرئيسة هو التفريق بين الحق و الباطل في الإطار العملي بعدما قضى رسول الله عمره في تبليغ الناس بحقيقة هذا الدين.

الفكر السياسي العربي و نموذج البطل الزعيم:
يذكر لنا التاريخ شعار أعداء الإمامة و أسباب التفافهم حول ابن آكلة الأكباد (ليس حبا في معاوية بل بغضا في علي) ذلك الشعار الذي دفع الكثير من الناس للالتفاف حول نموذج البطل القائد العظيم الذي لا يبالي و لا يهتم كثيرا بالقيم الأخلاقية و الإنسانية في مسيرته (الظافرة) نحو الفتح و لا بكم سحق من الجماجم لا يهم!!  أي فتح أو انتصار يمكن لهذا النماذج المنحطة البائسة أن تفلح في تحقيقه المهم أنه (ليس حبا في معاوية أو صلاح الدين أو الحجاج أو عمرو بن العاص بل بغضا في علي بن أبي طالب و شيعته) و من قبل جاء إخوان لوط يقولون (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)و هم لم يكن لهم من جرم إلا عدم مجاراتهم لهؤلاء الشواذ المنحرفين في انحرافهم عن الفطرة الطبيعية التي توجب الالتفاف حول الأطهار و الاقتداء بهم و ذبل الروح و المهج دفاعا عنهم و لا نرى فارقا كبيرا بين الشأنين. و الغريب أننا لم نر يوما أحدا من هؤلاء المفكرين و الكتاب و هو يحاول تقديم نموذج الإمام علي عليه السلام للناس باعتباره قيادة فذة جمعت بين المثل الأعلى للأخلاق و المثل الأعلى للجهاد و التضحية و الإقدام في سبيل الله و العلم الرباني المتكامل بل نراهم يحنون كما تحن العبيد و الإماء لاستعادة يوسف بن أيوب التكريتي أو صدام بن أبيه التكريتي و قد قمنا بالرد على واحد من هؤلاء المفكرين و هو الدكتور/ محمد عمارة عندما طالب بعودة صلاح الدين الأيوبي و شحذ الهمم و الطاقات لتحقيق هذا الهدف و قد نشرنا هذا المقال في جريدة القاهرة (و هناك نموذج رابع يطرحه الدكتور محمد عمارة و بعض المنتمين إلى التيار الإسلامي ذلك النموذج الذي يرى أن حل المشاكل و المعضلات التي يعاني منها المسلمون و تحرير القدس منوط باستنساخ نموذج صلاح الدين الأيوبي من جديد مناشدا إياه العودة و الظهور محررا للقدس حيث يقول (وإذا كانت ذاكرة الأمة قد ظلت واعية بمكانة القدس في هذا الصراع التاريخي المتعدد المراحل و الحلقات مكانة الرمز و المقصد والمفتاح حتى جاء فحررها صلاح الدين الأيوبي فإن مهمة ثقافتنا الوطنية و القومية و الإسلامية المعاصرة هي إبقاء ذاكرة الأمة على وعيها الكامل بمكانة القدس الشريف  و ذلك حتى يطلع الفجر الجديد بالناصر: صلاح الدين الجديد). و نحن بالتأكيد لا نختلف مع الدكتور عمارة حول مكانة القدس و لا أهمية استمرار الحشد الثقافي و الفكري من أجل تحريرها مهما طالت السنين إلا أن خلافنا ينصب معه حول العبارة الأخيرة من مقالته تلك العبارة التي تقول حتى يطلع الفجر الجديد بصلاح الدين الجديد. و الواقع أننا كنا نتوقع من الدكتور عمارة أن يخرج علينا باقتراح أفضل من هذا الكلام الذي يخاطب به البسطاء ممن تلقوا ثقافتهم و معارفهم من أفلام يوسف شاهين و ليس من مصادر التاريخ الأصلية رغم أنها تغنت بحمده و مجده لأنه قضى على الخلافة الفاطمية و أعاد الخطبة العباسية و التي تعطينا فكرة لا بأس بها عن الصورة الحقيقية ليوسف بن أيوب نجم العسكريتاريا المملوكية الصاعدة آنئذ و التي نجحت في بسط هيمنتها الكاملة على جوانب الحياة الفكرية و الدينية و السياسية في عالمنا الإسلامي من يومها و حتى نجح محمد علي باشا في تقليص نفوذهم إثر مذبحة المماليك الشهيرة و هي المذبحة التي قللت من نفوذهم و لكنها لم تقض عليه بصورة نهائية ربما حتى زمن قريب. تلك العسكريتاريا التي يعتبرها الدكتور عمارة نموذجا و مثالا ينبغي حشد ثقافتنا الوطنية و القومية وراءها و ياله من حشد و يالها من ثقافة!!. هل حقا أنكم جادون في تلك الرغبة و ذلك الاقتراح أم أن المسألة لا تعدو مجرد وسيلة من وسائل بث الحماس في نفوس الجماهير و دفعها نحو الكفاح و النضال ربما و ربما و حتى لا يأخذ البعض ذلك الاقتراح على محمل الجد نعرض عليهم بعض صفحات من تاريخ صلاح الدين القديم قبل أن يبدءوا مشروع الاستنساخ و تقع الفأس في الرأس. و أعدكم أنني سأختار بعض النماذج التي لا مجال للطعن فيها و لا الاستئناف. تعرفون تلك القصة المشهورة عن إرسال صلاح الدين (يوسف بن أيوب) إلى مصر صحبة عمه أسد الدين شيركوة من قبل ولي النعم نور الدين محمود الكائن في دمشق و لن نخوض في كيفية استيلائه على السلطة في مصر فليس هذا مكانه. المهم أن السيد صلاح الدين بعد أن استقر له الأمر في مصر عام 574 مات سيده نور الدين و ترك مكانه ابنا صغيرا سمي بالملك الصالح فكان أن تقدم ناحية بلاد الشام لضمها إلى سلطته المباشرة (و هذا هو مفهوم الوحدة الذي يتحدثون عنه) لتبدأ مرحلة من حروب الإخضاع استمرت قرابة العشرين عاما قبل المواجهة مع الصليبيين في موقعة حطين ……  قرر الرجل الاستيلاء على الموصل و فيها سادة الأمس و حلفاؤه من آل نور الدين محمود فلما وصل إلى (بلد) “أرسل أتابك عز الدين والدته إلى صلاح الدين و معها ابنة عمه نور الدين محمود و غيرهما من النساء و جماعة من أعيان الدولة يطلبون منه المصالحة ظنا من أتابك عز الدين أنه لا يمكن أن يردهن و معهن ابنة مخدومه و ولي نعمته نور الدين فلما وصلن إليه استشار أصحابه في الأمر فأشار أكثرهم بالقبول و رفض أحدهم قائلا (مثل الموصل لا يترك لامرأة) فأخذ برأيه و رفض القبول منهن و قرر مواصلة المسير إلى الموصل و بذل العامة نفوسهم غيظا و حنقا لرده النساء فرأى صلاح الدين ما لم يكن يحسبه و ندم على رده النساء ندامة الكسعى حيث فاته الذكر و ملك البلاد و حضر عند صلاح الدين من أشار عليه بقطع دجلة عن الموصل إلى ناحية نينوى و قال إن دجلة إذا نقلت عن الموصل عطش أهلها فملكناها بغير قتال فصدقه صلاح الدين فعزم على ذلك ثم تبين له استحالة تنفيذ هذا المشروع فعدل عنه ثم رحل عن الموصل) الكامل لابن الأثير ج 10- 132. و نحن نقترح على الدكتور عمارة و التيار الإسلامي العدول عن مشروع استنساخ صلاح الدين مثلما عدل هو عن مشروع تعديل مجرى دجلة الذي نجح فيه صدام حسين بعد ذلك عندما نجح في تجفيف الأهوار و القذافي عندما أنشأ النهر العظيم. يبدو أن الأستاذ لا يصدقنا و سيقول لنا هذه مصادر مشكوكة و واقعة واحدة لا تكفي للحكم على الرجل و مشروع استنساخه. لا بأس فلنحكي له ما صنع الرجل في مكتبة القاهرة في أعقاب استيلائه على السلطة عام 574 للهجرة و ما احتوته من تراث ديني و فكري و تاريخي عظيم قال أبو شامة المقدسي المؤرخ الأيوبي (و من جملة ما باعوه خزانة الكتب و كانت من عجائب الدنيا فلم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من تلك الدار التي بالقاهرة في القصر و من عجائبها أنه كان بها ألف و مائتان نسخة من تاريخ الطبري و يقال أنها كانت تحتوي على ألفى ألف و ستمائة ألف كتاب و كان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة و حصل للقاضي الفاضل قدر منها كبير حيث شغف بحبها و ذلك أنه دخل إليها “قبل الانقضاض عليها!!” و اعتبرها فكل كتاب صلح له قطع جلده و رماه في البركة على أنها مخرومات ثم جمعها بعد ذلك و منها حصل ما حصل من الكتب) أبو شامة في كتاب الروضتين ص 507.(قال العماد و أخذت ذخائر القصر و من جملتها الكتب فإني أخذت منها جملة في سنة 572 و كانت خزائنها مشتملة على قريب 120 ألف مجلدة مؤيدة من العهد القديم و فيها بالخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي و اقتطعه التعدي و كانت كالميراث مع أمناء الأيتام يتصرف فيها بشره الانتهاب و الالتهام و نقلت منها ثمانية أحمال إلى الشام و تقاسم الخواص بدور القصر و قصوره و شرع كل من سكن في تخريب معموره  ….ووو ثم يقول المؤرخ و عفى الآثار القديمة و استأنف السنن الكريمة و الله أكبر و جاء الحق و زهق الباطل!!!). هل نكتفي أم نزيد؟؟ لا أعتقد أنه من المفيد أن نسترسل في الحديث عن تلك الآلام و الأوجاع و يكفي أن مصر الآن  تناشد دول العالم أن يساهم في إعادة تأسيس مكتبة الإسكندرية التي سبقت مكتبة القصر الفاطمي في الضياع بينما يتجاهل كتابنا و مؤرخونا تلك الواقعة الكارثة التي تسببت في ضياع مليوني و ستمائة ألف كتاب حمل منها ثمانية أحمال إلى الشام و انتهبت كما انتهب مال الأيتام و مع ذلك ما زال البعض مصرا على استنساخ الحقبة الأيوبية بعجرها و بجرها. لماذا لا يترك هؤلاء السادة الطابق مستورا و يقومون بالبحث عن نموذج أفضل و لو قليلا فلعلهم يجدون هذا النموذج أو فليقدموا لنا تلك النماذج المطلقة التي تصلح أن تكون نموذجا و مثلا أعلى بدلا من الإصرار على استنساخ الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. لماذا لا يحاول هؤلاء السادة التطلع نحو الأمام إذ لم يعد من الممكن استنساخ الحقبة الأيوبية المملوكية في الوقت الذي حملت فيه الشعوب الناهضة مسئولية الدفاع عن نفسها و الأهم من هذا حكم نفسها بنفسها و هو ما يسمى (بالديمقراطية!!) بدلا من استيراد هؤلاء العبيد من بلاد الترك و الكرد و الديلم ليملكوا و يحكموا و يقتلوا  تلك الآفة التي أنشبت أظفارها في العالم الإسلامي فأهلكته و دمرته. و يبقى السؤال الهام هل يريد الدكتور عمارة استنساخ المشروع المملوكي كله أم أنه يريد صلاح الدين وحده و لا شيء سوى صلاح الدين؟؟؟).
إذا فقد تربت العقلية العربية و الإسلامية على تقديس هذه النماذج القيادية الانتهازية التي تقتل و تسجن معارضيها في الرأي و تدس إليهم السم في العسل كما تعود ابن آكلة الأكباد أو تضربهم بالأسلحة الكيماوية فتقتل منهم الآلاف في لحظات و يصمت الصامتون حتى لا يعكروا صفو التكريتي أثناء قيامه بأعماله المقدسة أو يلقي بمياه الصرف الصحي في مياه الشرب ليتخلص من الشيعة بالموت البطيء ثم يدفنهم في مقابر جماعية و يعلن في نفس اليوم عن جوائز المربد في الشعر و الأدب ليذهب إليه صاحب كل لسان فاقد للدين و الشرف و الأدب ليهلل و يسبح و يتحدث عن البطل القومي العظيم قاهر الفرس و المغول القدامى و الجدد و عندما تحدث الكارثة و تحل الهزائم و النكبات يتم فتح ملف الحديث عن الخيانات و المؤامرات و فات كل هؤلاء الأوباش أن أم الخيانات و المؤامرات أن يحكم العالم الإسلامي من قبل هذا الصنف من (القيادات) و أن تطمس الحقيقة العلوية المضيئة و ما يمكن أن تقدمه لهذه الأمة و للعالم أجمع من نماذج يمكن لها أن تحقق العدل و الاستقرار و الاستقلال المفقود على يد هذا الصنف من الغوغائيين و أزلامهم المرتزقة الذين لا يستحون.
و قد حدثني أحد العارفين ببواطن الأمور أن وفدا سياسيا من أكراد العراق التقى برئيس وزراء عربي قبيل الهجوم الأمريكي على طاغية بغداد عام 2003 للميلاد فحدثهم عن أن لا أحد من العرب سيبكي لزوال النظام الصدامي و لكن المشكلة كل المشكلة هو ما سيحدث بعد هذا من استلام الشيعة في العراق لزمام السلطة ففوجئ السيد رئيس الوزراء بهمهمات و ضحكات من قبل الوفد العراقي فتساءل عن السبب فجاءه الرد أن من بين الوفد الكردي العراقي المكون من خمسة أشخاص يوجد اثنان من الشيعة الأكراد فكان الصمت المخجل. أما الأدهى و الأمر فهو ما أصبح قصة مشهورة عندما ثار العراقيون في أعقاب هزيمة ذلك الصدام أمام الأمريكان عام 1991 للميلاد بعد غزوته الفاشلة للكويت و كاد نظامه الإجرامي أن يسقط بالفعل بعد أن فقد السيطرة على أغلب محافظات العراق فتحرك السادة الملوك و الرؤساء للضغط على واشنطن للحيلولة دون نجاح انتفاضة الشعب العراقي و سقوط الديكتاتور و مجيء حكومة تمثل غالبية الشعب العراقي سيكون للشيعة فيها كلمة مسموعة بكل تأكيد و هكذا الأخلاق و إلا فلا!!.

الزهد في الدنيا (المنية و لا الدنية)
• لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه على شريعة الفرات بصفين ومنعوهم الماء خطب الإمام عليه السلام أصحابه قائلا (قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّة، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ)
• .
أَيُّهَا النَّاسُ انْظُرُوا إِلى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا، الصَّادِفِينَ عَنْهَا; فَإِنَّهَا وَاللهِ عَمَّا قَلِيل تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآمن، لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مَنْهَا فَأَدْبَرَ، وَلاَ يُدْرَى مَا هُوَ آت مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ. سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ، وَجَلَدُ الرِّجَالِ فَيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا. رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدٌّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخرة عَمَّا قَلَيل لَمْ يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُود مُنْقَض، وَكُلُّ مُتَوَقَّع آت، وَكُلُّ آت قَرِيبٌ دَان.
• و يقول عليه السلام في وصف رسول الله (قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَّرَهَا، وَأَهْوَنَ بَهَا وَهَوَّنَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ تعالى زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً، وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهَ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً أوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاما)ً.
•  و يقول عليه السلام (أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرِةٌ، حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بالآمال، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ، لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا، وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا، غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ. أَلاَ إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً، وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَاد ُاللهِ الأخيار، وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لاَ يَبْقَى، بِكَثِير مِنَ الآخرة لا َيَفْنَى.
حب الدنيا رأس كل خطيئة حيث يقول الله تبارك و تعالى (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) الحديد 20.
و يقول عز من قائل (و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فًأصبح هشيما تذروه الرياح و كان الله على كل شيء مقتدرا) الكهف 45.

إن حب الدنيا و الركون إليها هي سبب رئيسي من أسباب الانحراف عن جادة الصراط و اللهاث وراء مطامع الدنيا من المناصب الزائلة و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث تلك المغانم و المطامع التي تدفع الناس إلى بيع دينهم و التخلص من ضمائرهم و تنفيذ كل ما يُملى عليهم مهما أدى هذا إلى وقوع الظلم على عباد الله و صدق الإمام حين قال لاَ يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إلاَّ مَنْ لاَ يُصَانِعُ، وَلاَ يُضَارِعُ، وَلاَ يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ.
و هكذا فإن بريق الدنيا و حب الجاه و السلطان كفيل بتحويل الإنسان إلى حيوان مفترس يجيد فن الافتراس و القنص و لا يبالي بما ارتكبت يداه من جرائم و (لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها و لهم آذان لا يسمعون بها و لهم أعين لا يبصرون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) الأعراف 179 و قد روي عن أئمة أهل البيت (أن الزهد بين كلمتين من كتاب الله لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم) و هكذا ربى الإمام أتباعه و تلاميذه فضلا عن أبنائه (لا تبغيا الدنيا و إن بغتكما).

رجال المرحلة القادمة و الفتح الآتي:
بين يدي الآن كتاب كتب في سبعينات القرن الماضي يسمى (جند الله ثقافة و أخلاقا) من تأليف الكاتب الإخواني السوري (سعيد حوى), كان هذا الكتاب من بين ما قرأنا في مرحلة تفتح الوعي على المشروع الإسلامي في إطاره العام ثم في إطاره الإخواني بعد ذلك.
الكتاب يتحدث عن أخلاقيات من يعتبرهم سعيد حوى حزب الله الذي سيواجه حزب الشيطان و ينتصر عليه و هم بالتأكيد (جماعة الإخوان المسلمين) من وجهة نظر الكاتب الراحل الذي مات هو نفسه بعد ذلك مطرودا من هذه الجماعة بعد أن ألف العديد من الكتب التي تدعو لهذه الجماعة و تقدمها للناس في الإطار سالف الذكر و يبقى أن هناك مفارقة نرى من الضروري أن  نذكرها و هي هل يمكن لشخص غير إمام الأمة أن ينفيك من حزب الله في إطاره الأخلاقي و العقائدي الكبير؟؟ الجواب هو لا بكل تأكيد و من هنا فإن حديثنا عن ثقافة (حزب الله) لا تعني بالضرورة أي هيكل حزبي أو تنظيمي على ظهر الأرض الآن أو قبل الآن و إنما تعني القواعد العامة التي تمتد لتشمل كل مسلم موال لإمام الحق من آل محمد.
حاول السيد (سعيد حوى) أن يضع قاعدة أخلاقية تنظيرية لحزب الله في إطاره الإخواني بناء على قاعدة تفسيره التكفيري لآيات سورة المائدة 54-56 ذلك التفسير الذي يفترض أن الردة هنا بمعنى الكفر والخروج النهائي من حظيرة الدين و ليس مجرد الانحراف عن الصواب و عن نهج الولاية ذلك الانحراف الذي أدخل المسلمين في تيه لا يختلف عن تيه بني إسرائيل فهكذا تعلمنا من إمامنا إمام الحق علي بن أبي طالب الذي واجه كل تلك الفرق المنحرفة بسبب انحرافها و ما ارتكبته من جرائم للقتل و سفك للدماء و تفريق لكلمة المسلمين لا بوصفهم من الكفار الذين يجري عليهم ما جرى على كفار قريش أو الوثنيين.
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم* إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون* و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) المائدة54-56. و الواقع أن هذه الآيات يدور تفسيرها حول آية الولاية … إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون أي يؤتون الزكاة حال ركوعهم و هي خاصة في علي بن أبي طالب تصدق بخاتمه و هو راكع و هو ما رواه أغلب المفسرين (الكشاف- ذخائر العقبى- ينابيع المودة- الدر المنثور- الجصاص- كنز العمال- نور الأبصار الخ) خاصة أن البحث يدور حول قاعدة للولاء و البراء تشطر المسلمين إلى شطرين (فريقا هدى و فريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله و يحسبون أنهم مهتدون) الأعراف 30 و قد تحدثنا عن هذه القضية تحت عنوان الولاية و ذكرنا أن هؤلاء السادة يعتقدون أن (العلماء العاملين) هم من ينبغي الرجوع إليهم في تحديد من ينبغي البراء منه و الولاء له و من المعلوم أيضا أن كل فريق من الفرق المتناحرة على ساحتنا الإسلامية قد قام باعتماد عدد من العلماء يفتون لصالحه بما يريد و يهوى و من المعلوم أيضا أن هؤلاء (العلماء العاملين في بلاط الشيطان و بني أمية و آل سعود) قد جعلوا همهم الأوحد ونقمتهم الكبرى على كل من تشيع لعي بن أبي طالب و أهل البيت هكذا بموجب مجموعة من الفتاوى القراقوشية التي ظنها همج الأمة و رعاعها دينا و ما هي من عند الله و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون.
و الطريف أن هذا المنظر الإخواني يقول في كتابه (فالمسلم الذي يعطي ولاءه للشيوعيين بجامع العقيدة الشيوعية و العمل المشترك لم يعد مسلما و المسلم الذي يعطي ولاءه للقوميين على كفرهم بجامع مصلحة القوم المتوهمة لم يعد مسلما) ص 173 الكتاب المذكور و بالطبع فإن الكاتب قد كتب هذا الكلام قبل أن يُمد سماط المؤتمر القومي الإسلامي في بيروت و يحضره الوجوه و العلية من الفريقين ليتبادلوا أنخاب الحب و قصائد الغزل في أهمية العمل المشترك بين القوميين و الإخوان المسلمين!. أما الأكثر طرافة من كل هذا فهو ما ذكره (الفقيه الكبير) من أن من تشبه بالكافرين فهو منهم (كأولئك الذين يقلدون شوارب ستالين أو شوارب الممثلين أو يقلدون الخنافس فمن فعل هذا كان نوعا من الولاء لأهله و هو بالتالي نفاق) ص 185.
أي أن شارب ستالين يمكن أن يذهب بك إلى الجحيم أما أن تقاتل علي بن أبي طالب فلا عليك إنما هو اجتهاد مطلوب لك عليه أجر واحد أي أن بكل رأس تقطعها حسنة و في كل كبد رطبة تحرقها من شيعة علي أجر يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!!!.
إذا فالولاء و البراء الذي نعتقد بوجوبه على كل مسلم يدور حول قوله صلى الله عليه و آله و سلم (من كنت مولاه فعلي مولاه والى الله من والاه و عادى الله من عاداه و نصر الله من نصره و خذل الله من خذله و أدار معه الحق حيث دار) و أن ولاية علي و أهل البيت هي الواردة في آيات سورة المائدة و ما عليك ممن يفسرون القرآن بأهوائهم.
إلا أن الإمام ينقل الولاية من إطارها العام لأهل البيت إلى إطارها العملي المتمثل في الولاء لإمام العصر و الزمان أرواحنا لمقدمه الفداء فينبه كوادر الفتح الأكبر القادم حتما (فورب السماء و الأرض إنه لحق مثلما أنكم تنظرون) إلى ضرورة الارتباط بإمام الأمة فيقول (وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الاَْوَّلِ (أي أن الهجرة لم تنقطع بمعناها العام و إن انقطعت بمعناها المكاني) حيث ينبغي على كل مؤمن متجرد لرضى الله عز و جل عاملا لما بعد هذه الدنيا أن يهاجر لله و لرسوله و لإمام الحق و أن ينقطع لنصرته مَا كَانَ لله تعالى فِي أَهْلِ الأرض حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الأمة وَمُعْلِنِهَا، (يبقى الإمام إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله و بيناته طالما بقيت هناك ضرورة لبقاء الأمة) لاَ يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَد إلاَّ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ في الأرض، فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ، وَلاَ يَقَعُ اسْمُ الاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَوَعَاهَا قَلْبُه)ُ. إن هذه الكلمات العلوية المضيئة تلقي عبئا ثقيلا على كل من عرف الحجة أو إمام الزمان (لأن من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) و هي الرواية الأصلية و ليست تلك المحرفة التي أفتى بها عبد الله بن عمر عندما ذهب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي نائب عبد الملك بن مروان هادم الكعبة مبايعا له لأنه (من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) و هكذا فإن معرفة إمام الزمان و الارتباط به و الدوران في فلكه و الانتظار لأمره تخرج صاحبها من دائرة التخبط و الاستضعاف إلى دائرة المسئولية الكاملة عن القبول بمجمل الأوضاع الظالمة التي يعيشها المسلمون بما فيها تلك الأوضاع الفكرية و العقائدية التي تحول بين الناس و بين معرفة الحجة و التعرف إلى مدرسة أهل البيت العقائدية و الفكرية و العبادية و تجعل منهم مستضعفين من الناحية السياسية و الاجتماعية و تجعل من الضروري السعي لإسقاط تلك الحواجز و العوائق التي تجعل الناس في مرمى نيران التضليل و التزييف على كل الأصعدة.
أما عن كلمات الإمام التي حفظها ثم نقلها تلميذه كُمَيْل بن زياد فتكشف عن خريطة للوعي و عن تقسيمات لمواقف البشر إزاء القضايا الفكرية و الاجتماعية و المالية تبدو بالغة الأهمية لدى وضع أي برنامج عمل سياسي أو فكري يتطلب تصنيف الناس و من ثم تكليفهم حسب وعيهم و قدراتهم الذهنية و السياسية حيث قال  (أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فأخرجني إلى الجبّان فلمّا أصحر (أي صار في الصحراء) تنفّس الصّعَدَاء، ثمّ قال:
يَا كُمَيْل بْن زِيَاد، إِنَّ هذهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا  فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلاَثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاة، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِق يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيح، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يلجئوا إِلَى رُكْن وَثِيق (إن هذه التقسيمة العامة إلى عالم رباني يبتغي وجه الله بعلمه و عمله و متعلم على سبيل نجاة و ليس بعالم أي مجرد مستهلك للعلم من دون أن تكون لديه القدرة على إنتاجه و أخيرا تلك الجماهير التي تتحرك من خلال تلك المفاتيح المركبة في آذانها و التي يتحتم أيضا التوجه إليها بالخطاب الإعلامي قبل العقائدي و عدم تركها فريسة لقوى التضليل)  يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ: الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإنفاق، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ.
يَا كُمَيْل بْن زِيَاد، مَعْرِفَةُ الَعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الإنسان الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الأحدوثة بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

يَا كُمَيْل بْن زِياد، هَلَكَ خُزَّانُ الأموال وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعَُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ: أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ،أَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ.
هَا إِنَّ ها هُنَا لَعِلْماً جَمّاً (وَأَشَارَ إِلى صَدره) لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً !و هنا تحدث نقلة في كلام الإمام إلى تقرير ما يعانيه يومها على أرض الواقع من عدم وجود ما يكفي من الكوادر المؤهلة لتحمل الأعباء الجسام الملقاة على عاتقها و من ثم تخفيف العبء عنه و أن ما هو متاح منها يدخل إما في إطار من وصفه (بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُون عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمَ اللهِ عَلَى عِبادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ) و هذا هو الصنف الأول المتوفر في أغلب الحركات الفكرية و السياسية العاملة في الساحة مما لا يعنيهم إلا حب الظهور و الرياسة و التوسل بالانتماء لتلك الحركة أو ذاك للحصول على وجاهة اجتماعية أو سياسية كما الصنف الثاني المنقاد لحملة الحق من دون فعالية أو قدرة على الإبداع و الابتكار و هو فضلا عن هذا مزعزع الأساس و الكيان لا قدرة له على مواجهة التحديات الفكرية الشاقة التي تزيغ فيها الأبصار و تبلغ القلوب الحناجر (أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لأوَّلِ عَارِض مِنْ شُبْهَة). أَلاَ لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ! أما الصنف الثالث (أَوْ مَنْهُوماً بِالَّلذَّةِ، سَلِسَ الْقِيَادِ للشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالاِْدِّخَارِ لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْء، أَقْرَبُ شَيْء شَبَهاً بِهِمَا الأنعام السَّائِمَةُ كَذلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ) فهو أيضا معلوم ممن لا يعنيهم إلا تحصيل الشهوات و الملذات ممن لا يعرفون معنى الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة على حقيقتها.
و هنا يعرب الإمام عن تطلعه لطلائع الفتح القادم بقيادة إمام العصر و الزمان المهدي المنتظر (اللَّهُمَّ بَلَى! لاَ تَخْلُو الأرض مِنْ قَائِم لله بِحُجَّة، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أوْ خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ).
و أنصاره و حزبه الموصوفون (وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولئِكَ؟ أُولئِكَ ـ وَاللَّهِ ـ الأقلون عَدَداً، و الأعظمون قَدْراً، يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَان أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْـمَحَلِّ الأعلى، أُولئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ)!
إذا فالإمام عليه السلام يرى و يخبر أن لا نهضة للأمة من كبوتها إلا من خلال هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات و من بينها ألا تقف بينهم و بين العلم و المعرفة قيود أو حدود إلا الحق المبين و لا يمكن أن يكون هؤلاء ممن قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون و من عجب أنه بينما يصف الإمام خاصة أوليائه و أتباعه بأنهم ممن هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة و باشروا روح اليقين نرى ذلك المُنظر الأخواني المتهالك يوصي ضحاياه بقراءة التاريخ من خلال المصادر الآتية (تهذيب سيرة ابن هشام أو نور اليقين و نفضل قراءة فقه السيرة للدكتور البوطي- حياة الصحابة- العواصم من القواصم) ثم يقترح كتابة تاريخ مختصر للأمة الإسلامية من يومها إلى يومنا هذا لا يتجاوز الألف صفحة. ص 142 من هذا المصدر.
و إذا كان الإمام يمدح من هجم بهم العلم على الحقيقة نرى هؤلاء يهجمون على العلم سعيا لإطفاء كل بصيرة ثم يزيد طينه بلة باقتراحه وضع التاريخ الإسلامي كله في ألف صفحة و هو ما يحقق تقديم هذا التاريخ في صورته الشائهة المطلوبة التي تتجنب فضح مجرمي بني أمية و من جاء بعدهم إلى قيام الساعة و هو ما يبدو واضحا من تجاهله لأمهات الكتب مثل تاريخ الطبري و صفين لنصر بن مزاحم و السقيفة للجواهري و ما قدمه البلاذري و ابن عبد البر الأندلسي مما لا يروق لمزاج من يرون في أنفسهم حزب الله الفالحون المفلحون و كيف يمكن أن يقوم حزب الله على قوائم الجهل و التخلف و طمس الحقائق.

قيادات البؤس و الضلال
إن واقع المسلمين البائس يشهد على الدور الأكثر بؤسا الذي لعبه هذا الصنف من المنظرين الذين جعلوا من همهم الأوحد هو الهجوم و التهجم على ما يعرفون و ما لا يعرفون من دون أن تكون لديهم أية رغبة في مراجعة أخطاء الحاضر أو الماضي و تلمس أسبابها و العجيب أن هؤلاء يجدون دائما الفرصة سانحة و يجدون مددا لا ينضب من ذلك الصنف الجماهيري المذكور (همج رعاع أتباع كل ناعق) ممن يلتفون حول هذه القيادات متجاهلين تحذيرات الإمام من هؤلاء و كل من هو على شاكلتهم الذي حذر و نبه و وجه لأهمية الأخذ من مدرسة أهل البيت عليهم السلام (أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاح وَاعِظ مُتَّعِظ، وَامْتَاحُوا (أي اشربوا) مِنْ صَفْوِ عَيْن قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ (و هم أئمة أهل البيت بلا ريب).
ثم يحذر الإمام من هؤلاء المُنظرين الجهلة ممن يكفرون الناس بسبب شارب ستالين أو بسبب تحالفاتهم السياسية و يشبههم بناقل الردى أي الموت على ظهره من موضع إلى موضع لرأي يحدثه محاولا الجمع بين المتفرقات و التقريب بين المستحيلات الفكرية و الثقافية اعتمادا على هذا الكنز الذي لا ينضب من تلك الجماهير الجاهلة أتباع كل ناعق!! و التي تمتلك أمتنا رصيدا وافرا منهم ينافس احتياطات النفط العربي صنعته أجهزة الإعلام الأموية و قادة مثل شرحبيل بن السمط فيقول (عِبَادَ اللهِ، لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلاَ تَنْقَادُوا لأهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُف هَار، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضَع، لِرَأْي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْي، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ، وَيُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَبُ! فَاللهَ اللهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي شَجْوَكُمْ، وَلاَ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ. إِنَّهُ لَيسَ عَلَى الإمام إِلاَّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ: الإبلاغ فَي الْمَوْعِظَةِ، وَالاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، والإحياء لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا. فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بَأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَانْهَوْا عَنْ المُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بالنَّهْي بَعْدَ التَّنَاهِي!) إنه العلم أيها السادة هو الملجأ و الملاذ و لا بديل عن محو أمية الأمة الدينية و السياسية و التاريخية بدلا من تركها لتستفحل أو مضاعفتها على يد فقهاء مثل صاحب فتوى شارب ستالين و أعضاء منتدى الحوار الإسلامي القومي الذي يحاول أن يقرب ما لا يمكن له أن يتقارب أو يلصق ما لا يمكن له أن يتلاصق حبا للزعامة و جريا وراء عشق الظهور.
إن هذا المعنى يتسلسل في كلمات الإمام (نور على نور) إذ أن حب الظهور بمظهر التقي النقي الورع الطاهر عماد الدين و ركن اليقين و الرغبة العارمة في التصدي لقيادة المسلمين و الإفتاء في الشأن العام من دون بينة و لا برهان هو الذي قاد المسلمين المعاصرين لعديد المصائب و الكوارث كقادة هذه الجماعات المسماة بالإسلامية الذين ارتكبوا ما ارتكبوا من أعمال لم تؤد بهم أو بالمجتمع المسلم إلا إلى المزيد و المزيد من البعد عن الإصلاح المنشود شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج ثم عادوا بعد سنين لينقضوا ما أبرموا و ليغيروا أفكارهم من دون أن يحاولوا تغيير منطلقاتهم الأساسية الخاطئة التي أخذتهم بعيدا عن منهج أهل البيت و قيادتهم السياسية التاريخية ذات الخبرة الواسعة و هذا هو عين ما حذر منه الإمام علي بن أبي طالب عندما وصف زماننا الذي نعيش فيه بقوله (وَذلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مٌؤْمِن نُوَمَة، إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ، وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى، وَأَعْلاَمُ السُّرَى، لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ، وَلاَ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، سَيَأْتي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الإسلام، كَمَا يُكْفَأُ الإناء بِمَا فِيهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيكُمْ، وَقَدْ قَالِ جَلَّ مِنْ قَائِل: (إِنَّ فِي ذلِكَ لآيات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ).
إنهم إذا الأخفياء الأتقياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا و إذا حضروا لم يعرفوا فأحد لا يأبه لهم كونهم ليسوا من عشاق الظهور و ليسوا بالمساييح الذين يرتادون مجالس الكبار و العظماء عظماء الدنيا و لا الذين يكثرون من اللغو و إطلاق التصريحات بصورة متواصلة فيما يعرفون و ما لا يعرفون يميلون مع كل ريح و يتحركون في اتجاه الكاميرات و لا شك أن إنسانا لا يعنيه و لا يهمه إلا الحقيقة لن يجري وراء الدنيا و زينتها (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الأموال و الأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) سورة الحديد20 و لن تجري الدنيا وراءه و ما أحراه أن يتمثل نصيحة الإمام (يا أيها الناس لا تستوحشوا من طريق الحق لقلة السائرين فيه فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير و جوعها طويل) و كأني أسمع صوت الإمام يعلو محذرا و منبها من هذا الصنف البشع من قادة الهزائم و النكبات الذين فاقوا العالم أجمع في فن الاعتذار و الذين لا يكفون عن الإفتاء بعلم أو بجهل:
وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّال وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّل، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حبالِ غُرُور، وَقَوْلِ زُور، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَان، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَان، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فيَصُدَّ عَنْهُ، فَذلِكَ مَيِّتُ الأحياء!  فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ و أَنَّى تُؤْفَكُونَ! والأعلام قَائِمَةٌ، وَالآيَاتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ؟ بَلْ كَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ؟ وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ! فأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ القُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ. أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ(صلى الله عليه وآله): «إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّت، وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَال»، فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ، فَإنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيَما تُنْكِرُونَ، وَاعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ ـ وَأَنَا هُوَ ـ أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الأكبر! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأصغر! وَرَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الإيمان، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ المَعْرُوفَ مِنْ قَوْلي وَفِعْلي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الأخلاق مِنْ نَفْسِي؟ فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيَما لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ.
لقد تكلمنا بما فيه الكفاية عن تلك الظاهر المرضية التي عانت منها أمتنا بسبب هؤلاء الذين لا يكفون عن دس أنوفهم في الكبير الصغير زاعمين أنهم الراسخون في العلم دون آل محمد حسدا أن رفعهم الله و وضع أعداءهم (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكا عظيما) النساء 54
ضرورة بث الأمل و التبشير بنصر الله القادم
روى أحمد بن حنبل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا أهل البيت يملأها عدلا كما ملئت ظلما و جورا). المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة. (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطئ لسمه اسمي يملأ الأرض عدلا بعدما ملئت ظلما و جورا). (المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا). (المهدي من عترتي من ولد فاطمة). (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا و إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء شديدا و تطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود يسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا كما ملئت ظلما و جورا فمن أدركهم منكم فليأتهم و لو حبوا على الثلج). (يخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب في إيلياء). النهاية لابن كثير 49-55. إن تلك الأخبار المتواترة عن رسول الله ص و عن أهل البيت عليهم السلام بحتمية ظهور المهدي ليملأ الأرض عدلا بعدما ملئت ظلما و جورا تبدو بالغة الأهمية في تكوين الكادر الرسالي المسلم و صياغة شخصيته و ضبط سلوكه حيث لا تكون لديه أطماع أو هلوسات كتلك التي دفعت الكثيرين من قادة تلك الجماعات لادعاء الإمامة أو تقمص دور الخليفة أو أمير المؤمنين مثل ابن لادن و ابن عمر و قادة الجماعات الإسلامية المختلفة الذين يظنون أن بإمكانهم صعود القمر لولا بعض المضايقات من هنا أو هناك أضف إلى ذلك أن الارتباط بالوعد الإلهي الحق يمنح صاحبه قوة إرادة و عزيمة لا تلين (و من أصدق من الله حديثا) كتلك التي استند إليها أولوا العزم من الرسل (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل و لا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) الأحقاف 35 فالوعد الإلهي صادق و قادم لا ريب فيه قل انتظروا إنا منتظرون.

تعلموا القرآن
وَتَعَلَّمُوا الْقرْآن [فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ] فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ. وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ، بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ، وَهُوَ عَنْدَ اللهِ أَلْوَمُ  وَاعْلَمُوا أَنَّ هذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لاَ يَغُشُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لاَ يُضِلُّ، وَالُْمحَدِّثُ الَّذِي لاَ يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَة أَوْ نُقْصَان: زِيَادَة فِي هُدىً، أَوْ نُقْصَان مِنْ عَمىً.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَد بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَة، وَلاَ لأحَد قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنىً; فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأوَائِكُمْ، فَإنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ، وَالْغَيُّ وَالضَّلاَلُ، فَاسْأَلُوا اللهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إلَى اللهِ بِمِثْلِهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْه، فَإنَّهُ يُنَادِي مُنَاد يَوْمَ الْقِيَامةِ: أَلاَ إنَّ كُلَّ حَارِث مُبْتَلىً فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ، غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرآنِ; فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلى رِّبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، و َاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ.
الكافي: قال  أبو عبد الله عليه السلام : كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه : اعلموا أن القرآن هدى  النهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة.
الكافي: عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معاشر قراء  القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه فإني مسؤول وإنكم مسؤولون  إني مسؤول عن تبليغ الرسالة وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله  وسنتي .
الكافي: عن حفص قال : سمعت موسى بن جعفر عليهما السلام يقول : لرجل أتحب البقاء  في الدنيا ؟ فقال : نعم ، فقال: ولم؟ قال: لقراءة قل هو الله أحد ، فسكت عنه فقال  له بعد ساعة : يا حفص من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في  قبره ليرفع الله به من درجته فإن درجات الجنة على قدر آيات القرآن يقال له :  اقرأ وارق ، فيقرأ ثم يرقى . قال حفص : فما رأيت أحدا أشد خوفا على نفسه  من موسى بن جعفر عليهما السلام ، ولا أرجأ الناس منه وكانت قراء ته حزنا ، فإذا قرأ فكأنه  يخاطب إنسانا .
الكافي: عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو  يكون في تعليمه .
الكافي: عن يعقوب الأحمر قال: قلت لأبى عبد الله عليه السلام : إن علي دينا كثيرا وقد دخلني ما جعل القرآن يتفلت مني  فقال أبو عبد الله عليه السلام : القرآن القرآن ، إن الآية من القرآن والسورة  لتجيء ، يوم القيامة حتى تصعد ألف درجة يعني في الجنة فتقول : لو حفظتني  لبلغت بك ههنا.
تواترت الأخبار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام و التي تحض شيعتهم على تعلم القرآن و ليس مجرد قراءته و التغني به لإنه كتاب الله المجيد الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) و لأن (هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم و يبشر المؤمنين الذين يعلمون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا) فهو كما وصفه أمير المؤمنين (شِفَاءُ الصُّدُورِ) وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِ القرآنِ (كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ) و لأن هذا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لاَ يَغُشُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لاَ يُضِلُّ، وَالُْمحَدِّثُ الَّذِي لاَ يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَة أَوْ نُقْصَان: زِيَادَة فِي هُدىً، أَوْ نُقْصَان مِنْ عَمىً. من هنا كانت وصايا بقية الأئمة لشيعتهم تؤكد نفس المعنى و تحث المؤمنين على الاحتفاظ بألسنتهم رطبة بالقرآن لأن تعلمه كفيل برفع صاحبه درجات عند الله و تمنحه المزيد من النور و الجاه في الدنيا كما في الآخرة.

الإمام علي و إقامة العدل:
أَلاَ وَإنَّ الظُّلْمَ ثَلاَثَةٌ: فَظُلْمٌ لاَ يُغْفَرُ،وَظُلْمٌ لاَ يُتْرَكُ، وظُلْمٌ مَغْفُورٌ لاَ يُطْلَبُ:
فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً. الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِالْمُدَى وَلاَ ضَرْباً بِالسِّيَاطِ وَلكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذلِكَ مَعَهُ.
عهد الأشتر

لم يكن من الممكن أن نتحدث عن أخلاقيات السياسة من دون أن نسجل تلك الوثيقة الرائعة التي خطها قلم الإمام و عقله و التي قل نظيرها في التاريخ الفكري الإنساني حريصين على أن نقول للعالم أجمع هذه وثائقنا و هذا هو تاريخ الإسلام الفكري الناصع رغم الجهد الأموي الدائب و المتواصل من يومها إلى يومنا هذا لتشويه كل ما هو ناصع و نظيف و لهذا العهد قصة رواها شارح نهج البلاغة عبد الحميد بن أبي الحديد قال: (أن عليا كتب إلى محمد بن أبي بكر رضوان الله عليه عندما كان عاملا من قبله على مصر كتابا و كان محمد ينظر في هذا الكتاب و يتأدب بأدبه فلما ظهر عليه عمرو بن العاص و قتله أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب و يتعجب منه فقال الوليد بن عقبة و هو عند معاوية و قد رأى إعجابه به مر بهذه الأحاديث أن تحرق فقال معاوية مه لا رأي لك فقال الوليد أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها قال معاوية ويحك أتأمرني أن أحرق علما مثل هذا و الله ما سمعت بعلم هو أجمع منه و لا أحكم!! فقال الوليد إن كنت تعجب من علمه و قضائه فعلام تقاتله فقال لولا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه ثم سكت هنيهة ثم نظر إلى جلسائه فقال إنا لا نقول أن هذه من كتب علي بن أبي طالب و لكن نقول هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها و نأخذ منها قال فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي اظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب عليه السلام و كلامه) ثم قال ابن أبي الحديد (الأليق أن يكون الكتاب الذي كان مع معاوية ينظر فيه و يعجب منه و يفتي به و يقضي بقضاياه و أحكامه هو عهد علي عليه السلام إلى الأشتر فإنه نسيج وحده و منه تعلم الناس الآداب و القضايا و الأحكام و السياسة و هذا العهد صار إلى معاوية لما سم الأشتر و مات قبل وصوله إلى مصر فكان ينظر فيه و يعجب منه و حقيق مثله أن يقتنى في خزائن الملوك) شرح نهج البلاغة ج3 ص 28.

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
(هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌ أَميِرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الاَْشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ: جِبْايةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا).
تتحدث الفقرة الأولى عن التكليفات الرئيسية للوالي.
أولا الهدف المالي.
ثانيا حماية حدود البلاد و حفظ الأمن.
ثالثا رفع المستوى الثقافي و الأخلاقي و الاجتماعي و العلمي للبشر (التنمية البشرية).
رابعا: التنمية الاقتصادية و العمرانية.
(أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ، جَلَّ اسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ، وَيَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلاَّ مَا رَحِمَ اللهُ).
تتحدث الفقرة الثانية عن الوسائل العامة التي تكفل تحقيق ما سبق ذكره من أهداف و التي يتحتم أن تدور في إطار تقوى الله عز و جل و كبح جماح النفس الإنسانية عن الظلم و العدوان. (ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالكُ، أَنِّي قدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَد قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْل وَجَوْر، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ في مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاَةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ،إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ.فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الإنصاف مِنْهَا فَيَما أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ).
و يلفت الإمام نظر الولاة إلى أن التاريخ يشهد للدول بما لها و ما عليها و أن هذه الشهادة يصعب تزييفها خاصة بعد انقضاء ذلك العهد و اختفاء رجاله و لا يبقى لصاحب الذكرى و كلنا ذلك الرجل إلا ما يجري له على ألسنة الصالحين من عباده و لو بعد مئات السنين.
(وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ،يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الَعَمْدِ وَالْخَطأَ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِي الأمر عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلاَكَ بِهِمْ. وَلاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ فَإِنَّهْ لاَ يَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلاَ تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْو، وَلاَ تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَة، وَلاَ تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَة وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً وَلاَ تَقُولَنَّ: إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَة لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ).
كلما تأملت في كلمات الإمام و قارنت بينها و بين سلوكيات جبابرة العصر و كل عصر تعجبت من بقاء تلك الدول كل هذا الوقت من دون أن تنزل بها صاعقة ساحقة ماحقة لواحة للبشر لا تبقي و لا تذر بسبب ذلك السلوك العنجهي و كأن لسان حالهم يحاكي النمروذ في تكبره و استبداده و كل منهم يظن أن ماله أخلده في السلطة و ما أبشع طريقة تعاملهم مع الشعوب المغلوبة على أمرها و قد كشر كل واحد منهم عن أنيابه كالسبع الضارية التي تريد أن تلتهم كل من يقف في طريقها متناسين أن البشر كل البشر إما نظير لك في الخُلق أي الدين أو نظير لك في الخَلق فهو إنسان مثلك من لحم و دم و أن التدبير الإلهي جعل إنسانا حاكما و آخر محكوما فكيف بمن ينتهكون حقوق الإنسان و يستعذبون القيام بدور الجلاد الذي يضرب و يعذب و يستمتع بسماع صرخات المظلومين و فات كل هؤلاء أن العدوان على العباد هو بمثابة إعلان حرب على الله).
الإمام عي و أبهة الحكم الزائفة
(وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مَنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدرُِ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ،يَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ!
إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّار، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَال).
يحذر الإمام علي بن أبي طالب الولاة من الانبهار بهيبة الحكم الزائفة و من الركون إلى قصائد المدح المزورة و قد روي أصحاب التاريخ أن الإمام علي عليه السلام عندما تحرك ناحية الشام لقيه دهاقين الأنبار أي شيوخ القبائل في منطقة الأنبار بالعراق فترجّلوا له (أي نزلوا من ظهور خيولهم) واشتدّوا بين يديه: فقال مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟ فقالوا: خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا. فقال(عليه السلام): وَاللهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهذَا أُمَرَاؤُكُمْ! وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِكْمْ [فِي دُنْيَاكُمْ،] وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ، وَمَا أخْسرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَة مَعَهَا الأمان مِنَ النَّارِ!. و هكذا فإن الإمام يحذر من مساماة الله في عظمته لأن الله لا يحب كل مختال فخور يمشي كالطاووس (و لا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور).
و قد روى ابن جرير الطبري (أن الإمام علي مر في الكوفة بعد انتهاء واقعة صفين و قد سمع رنين النساء على الشهداء و القتلى و هو راكب فمشى رجل معه فقال له الإمام ارجع و وقف ثم قال له ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي و مذلة للمؤمن) ج 5 ص 62.
وقال(عليه السلام) وقد مدحه قوم في وجهه: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا لاَ يَعْلَمُونَ.
العدل و المساواة:
(أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْبا حَتَّى يَنْزعَ وَيَتُوبَ. وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم، فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.
وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الأمور إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ، وَأَكْرَهَ للإنصاف، وَأَسْأَلَ بالإلحاف، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الإعطاء، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ، وَإِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ للأعداء، الْعَامَّةُ مِنَ الأمة، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ.
العدل الذي يعطي لكل ذي حق حقه.. العدل الذي أمرنا به الله عز و جل (إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى) (أوفوا الكيل و لا تكونوا من المخسرين و زنوا بالقسطاس المستقيم و لا تبخسوا الناس أشياءها و لا تعثوا في الأرض مفسدين) (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) إنه العدل الذي يبدأ بإنصاف الحاكم للناس من نفسه بنفسه و من خاصته و أبنائه و أسرته و خاصته و حزبه الحاكم الذين تعودوا على السلب و النهب و الاستئثار من قديم الأزل… إنصاف الناس لا بتركهم للضياع في محاكم التيه و الضياع و إن نظاما يستمرئ تلك الممارسات التمييزية الجائرة و يحتال على أحكام القضاء و يستمرئ الإغداق على الأشباه و حرمان أصحاب الطاقات و الكفاءات و دعس الكادحين تحت الأقدام هو نظام في حالة حرب مع الله عز و جل ما لم يتوب أو يرجع و من كان حربا على الله عز و جل فلا يلومن إلا نفسه…. العدل يعني إرضاء الجماهير الكادحة و إن سخط المترفون الذين لا يشبعون فهؤلاء الكادحين هم الذين يدفعون ثمن بناء الأمم من عرقهم و دمائهم بينما يسكن الآخرون في القصور الفارهة.
إنها ليست شيوعية لا ترى إلا الكادحين و لكنها رؤية إسلامية ترى الجميع و ترتب الأولويات و تضع كل شيء في موضعه.
النظام الأمني و مجتمع الحرية:
(وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ، فإنَّ في النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا، فَلاَ تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا، فَإنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، وَاللهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللهُ مِنْكَ ما تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ. أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْد، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْر، وَتَغَابَ عَنْ كلِّ مَا لاَ يَضِحُ لَكَ، وَلاَ تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاع، فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ).
طالما تحدثنا عن نظام الطاغية صدام حسين كنموذج للظلم و الطغيان و هو الذي أعدم أناسا أطلقوا مزحة على شخصه (المقدس) إلا أن كلام الإمام يبدو أبعد من مجرد منح الناس حقهم في انتقاد نظام الحكم فهو يذهب إلى تقديس الحرية الشخصية طالما بقيت بعيدة عن الفجور و المجاهرة و الإعلان و لأن المجتمع الإسلامي ليس بالضرورة مجتمع الملائكة و لا القديسين فاستر العورة ما استطعت و لا تتمادى في فضح كل ما يوصله إليك النمامون الذين يسعون في إلحاق الأذى بالناس فإن الساعي غاش و إن ارتدى ثياب الناصحين الأمناء و تغابى عن تصديق كل ما ينقل إليك فإن من أفضل خصال الكريم تغابيه عما يعلم من أخطاء الناس و هفواتهم و قد فعل الإمام هذا عندما جاءته الأخبار عن تحرك الخوارج و نصحه البعض بإلقاء القبض عليهم فرفض ذلك و قال إذا نملأ سجوننا منهم!!.

اختيار المستشارين و الوزراء
وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الْفَقْر، وَلاَ جَبَاناً يُضعِّفُكَ عَنِ الأمور، وَلاَ حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ.
شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ للأشرار قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآثام، فَلاَ يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَة فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأَْثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ و َنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلاَ آثِماً عَلَى إِثْمِهِ، أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً، فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلاَتِكَ، ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيَما يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللهُ لأوليائه، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ.
حزب الحكومة و كبار رجال الدولة !!:
وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُم(أي عودهم)  عَلَى أَلاَّ يُطْرُوكَ وَلاَ يُبَجِّحُوكَ (يمدحوك) بِبَاطِل لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الإطراء تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ.
وَلاَ يَكُونَنَّ الْـمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَة سَوَاء، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لأهْلِ الإحسان فِي الإحسان و تَدْرِيباً لأهْلِ الإساءة عَلَى الإساءة، وَأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ.
لقد تحدثت الفقرتان السابقتان عن الضوابط الواجب اتباعها في اختيار رجال الدولة و كوادر الإدارة و شروط الصلاح الواجبة فيهم فالكفاءة الإدارية لا بد أن تقترن بالخلق الصالح و الخلق الصالح ليس مجرد سلوك كهنوتي و تمسح بالدين و علامة صلاة تعلو الجباه بل هي صدع بالحق و إخلاص في المشورة و استقامة على الطريق و لذا فمن العجب أن يكون رجال كل العصور هم قادة و وزراء كل الدهور فرجال الملكية صاروا هم رجال الثورة و رؤجال الاشتراكية اصبحوا هم رجال الانفتاح الاقتصادي و رجالات القمع أصبحوا هم رعاة الديمقراطية و هذا ما نراه في بلدان العالم العاشر التي نعيش فيها و لكل مقام مقال و لكل زمان دولة و رجال إلا أنه من الضروري أن نذكر و نستذكر أن (شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ للأشرار قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآثام، فَلاَ يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَة فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأَْثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ و َنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلاَ آثِماً عَلَى إِثْمِهِ) و إلى الله المشتكى و لا حول و لا قوة غلا بالله العلي العظيم.
قواعد عامة:
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ وَال بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لهُ قِبَلَهُم، فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجَتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَبا طَوِيلاً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاَؤُكَ عِنْدَه.
وَلاَ تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الأمة، وَاجْتَمَعتْ بِهَا الألفة وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ،لاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيء مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الأجر بِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا.
الاهتمام بالعلم و العلماء
وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الَعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَة الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ.
ما أحوج الأمة إلى هؤلاء العلماء و الحكماء وإلى خبراتهم و تجاربهم لأنهم كنز ليس من ذهب و لا من فضة بل من العقل و الحكمة و العلم و التجربة و هو ما يعمل به العالم المتحضر الذي يغدق على هؤلاء العلماء ثم يأخذ منهم عصارة فكرهم و رحيق عقلهم الذي لا يقدر بمال إنهم يشكلون منهم ما يسمى (بخزانة الأفكار Think Tank) أما في عالمنا الإسلامي البائس فليس أمام هؤلاء إلا ممارسة النفاق  أو احتراف البغاء السياسي أو الرحيل و الهجرة إلى العالم المتحضر الذي يفتح ذراعيه لهم أو البقاء في بلدانهم و الموت كمدا و الرضا بدراهم معدودة بينما تمنح الملايين للساقطات و البغايا و المتخلفين عقليا و مهرجي السلطة.

الاهتمام برعاية الطبقات الاجتماعية المختلفة
صراع أم تكامل طبقي:
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلاَّ بِبَعْض، وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض: فَمِنْهَا جُنُود اللهِ ومِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنهَا عُمَّالُ الإنصاف وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللهُ سَهْمَه، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ(صلى الله عليه وآله)عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.
من الملاحظ هنا أن الإمام علي بن أبي طالب يضع هذا التقسيم العملي الذي يوجب تحرك عامله بموجبه لا لترسيخ هيمنة طبقة على أخرى و الملاحظ أيضا أنه لم يقل له أن المجتمع ينقسم بصورة طائفية أو دينية أو سياسية إلى فريقين حزب السلطة و حزب المعارضة و قد تقدم قوله الناس صنفان إما نظير لك في الخلق أو نظير لك في الدين و لعل المتأمل يلاحظ أنه سلام الله عليه لم يستخدم تقسيما يقوم على الاختلاف بل تقسيم على (التماثل) تارة بينك و بين غير المسلم في أصل الإنسانية و تارة أخرى بينك و بين المسلم في الدين كما في أصل الإنسانية و إذا كان هذا هو موقف الإمام فقد جاء ابن آكلة الأكباد بعد هذا ليوصي عماله بإبعاد شيعة علي و ترك الاستماع لهم و من ثم ليؤسس للتقسيم الطائفي للأمة الإسلامية إلى يومنا هذا ألا لعنة الله على الظالمين.
أقسام المجتمع:
فَالْجُنُودُ، بِإِذْنِ اللهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلاَةِ، وعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الأمن، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ.
ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ فِي جِهَادِ عَدُوِهِمْ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما أصْلَحهُم وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِم.
ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفَيْن (الجنود و أهل الجزية و الخراج)ِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ، وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الأمور و َعَوَامِّهَا.
وَلاَ قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيَما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ممّا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ.
ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُم وَمَعُونَتُهُمْ. وَفِي اللهِ لِكُلّ سَعَةٌ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ. وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذلِكَ إِلاَّ بِالاِْهْتَِمامِ وَالاسْتِعَانَةِ بِاللهِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيَما خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ.
و كما قلنا فإن الإمام يطرح فكرة تكامل هذه الطبقات المنتجة وصولا إلى تحقيق المجتمع لأهدافه الكلية التي ذكرها الإمام في صدر الوثيقة و هي جباية الخراج و حماية حدود البلاد و حفظ الأمن و رفع المستوى الثقافي و الأخلاقي و الاجتماعي و العلمي للبشر (التنمية البشرية) كما التنمية الاقتصادية و العمرانية و يضاف إلى هذه الأهداف القيام بواجب الضمان الاجتماعي من منطلق أخلاقي عقائدي (و الذين في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم).
تعيين القيادات العسكرية و الأمنية
الشروط
فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لله وَلِرَسُولِهِ و لإمامك،وَأَنْقَاهُمْ جَيْبا، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْما مِمَّنْ يُبْطِىءُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الأقوياء، وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ. ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَ الأَحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّماحَةِ، فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ، وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ.
الحقوق
ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ. وَلاَ تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطيِفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ. وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ و يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ. وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاَةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ، وَإِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلاَّ بَسَلاَمَةِ صُدُورِهِمْ وَلاَ تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاّ بِحِيطَتِهِم عَلَى وُلاَةِ أُمُورِهِمْ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ.
فَأفْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلى ذَوُو الْبَلاَءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللهُ. ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امرئ مِنْهُمْ مَا أَبْلى، وَلاَ تَضُمَّنَّ بَلاَءَ امرئ إِلَى غَيْرِهِ وَلاَ تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلاَئِهِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امرئ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلاَ ضَعَةُ امرئ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بلائه مَا كَانَ عَظيِماً. وَارْدُدْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الأمور، فَقَدْ قَالَ اللهُ سبحانه لِقَوْم أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)، فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ: الأخذ بِمُحْكَمِ كِتَابِه وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ: الأخذ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ.

النظام القضائي
ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الأمور، وَلاَ تُمَحِّكُهُ الْخُصُوم وَلاَ يَتَمادَى فِي الزَّلَّة وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ، وَلاَ تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع،وَلاَ يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْم دُونَ أَقصَاهُ أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّما بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأمور، و َأَصْرَمَهُم عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إطْرَاءٌ وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ أُولئِكَ قَلِيلٌ. ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ،وأفسح لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزيِلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لاَ يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذلَكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ.
فَانْظُرْ فِي ذلِكَ نَظَراً بِلِيغاً، فَإِنَّ هذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الأشرار، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا.
رجال الإدارة (العمال)
ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَارا وَلاَ تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةً فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَة.
وَتوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الإسلام الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاَقاً، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الأمور نَظَراً. ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرزاق، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاَحِ أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ. ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُون مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لأمورهم حَدْوَةٌ لَهُم عَلَى اسْتِعْمَالِ الأمانة، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظْ مِنَ الأعوان، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَة اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِدا فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ.
يكرر الإمام وصيته في إعطاء القضاة و رجال الإدارة ما يفي باحتياجاتهم المالية و المعاشية ما يستغنون به عن مجرد التفكير في الحصول على رشوة من المتقاضين أو أصحاب الحاجات المترددين على الدوائر الحكومية أي قاعدة الأجر العادل في مقابل العمل ثم قاعدة الثواب و العقاب لمن يستحق هذا أو ذاك.
أهل الخراج (المنتجون)
وَتفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صلاَحِهِ وَصلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ، لاََنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ.
وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لاَِنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً.
فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْب أَوْ بَالَّة، أَوْ إِحَالَةَ أَرْض اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِما تَرْجُو أَنْ يصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ وَلاَ يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلاَيَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ، بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ، وَالثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فِي رِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأمور مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الأرض مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا،إِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإشراف أَنْفُسِ الْوُلاَةِ عَلَى الْجَمْعِ وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ.
إن هذا الكلام مما لا يحتاج إلى تفسير و لكنه يحتاج إلى نظم حاكمة ذات ضمير يقظ لا تلجأ إلى سياسات الجمع و الجباية من خلال ما يطلقون عليه بالإصلاح الاقتصادي و إنما تعتمد إقامة الثقة المتبادلة مع جموع الأمة و محاولة استنهاض طاقاتها من أجل إقامة مجتمع منتج يلبي حاجات أهله و يقدم الدعم اللازم لاقتصاد الأمة و من ثم ما يحتاجه نظام الحكم لتمويل نفقات الدفاع و الأمن أما تلك النظم التي تستمرئ ملاحقة المنتجين و إرهاقهم بالمطالبات الضريبية المتنوعة فهي نظم سائرة نحو الخراب الحتمي ولأن (مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ أي الضرائب بِغَيْرِ عِمَارَة (أي إنتاج و نمو اقتصادي متواصل) فقد أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً و من المعلوم أن حركة الاقتصاد الداخلي يعتمد على توفر السيولة النقدية في الأسواق و لدى المنتجين الذين يجدون المستهلكين الذين يشترون هذا المنتج و هو العكس المطلق لما نتهجه البعض من سياسة جمع كل ما يمكن جمعه من أموال من الناس لتمويل آلة النظام و إخراب آلة الاقتصاد.
ديوان الرئاسة و السكرتارية
ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحِ الأخلاق مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ، فيجترئ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَة عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوابِ عَنْكَ، وَفِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلاَ يُضعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفسِهِ فِي الأمور، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بَقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.
ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِم وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، لَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ والأمانة شَيْءٌ، وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وَلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لأحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بالأمانة وَجْهاً، فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لله وَلِمَنْ وَلِيتَ أَمْرَه وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْه أُلْزِمْتَهُ.
التجارة الداخلية و الخارجية
ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً الْمُقِيمِ مِنْهُمْ، وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَباعِدِ وَالْمَطَارِحِ، فِي بَرِّكَ و َبَحْرِكَ، و َسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لاَ يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا وَلاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لاَ تُخَافُ بَائِقَتُهُ وَصُلْحٌ لاَ تُخْشَى غَائِلَتُهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلاَدِكَ.
يقول الإمام عليه السلام في موضع آخر (التاجر مخاطر) مخاطر بماله حيث يشتري على أمل الربح و قد لا يحققه و قد تفسد بضاعته فلا تصل إلى حيث ينبغي أن تصل و قد تغرق سفينته أو تهلك دابته أو تصطدم تلك السيارة المحملة ببضائعه و لهذا ينبغي الحفاظ على أمنهم و أمانهم و رعايتهم فإن ازدهار الحركة التجارية من دون أدنى شك هي عنوان على استقرار المجتمع و ما ينعم به من سلم و فرص للتطور و النماء.
منع الاحتكار و محاربة الغلاء
وَاعْلَمْ ـ مَعَ ذلِكَ ـ أَنَّ فِي كَثِير مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً، وَشُحّا قَبِيحاً، وَاحْتِكَارا لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّة لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاَةِ، فَامْنَعْ مِنَ الاْحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) مَنَعَ مِنْهُ. وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحا بِمَوَازِينِ عَدْل وَأَسْعَار لاَ تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ وَعَاقِبْ فِي غَيْرِ إِسْرَاف.
لا شك أن آفة الاحتكار من أجل جني المزيد من الأرباح و مص مزيد من الدماء هي آفة لا يمكن أن تمارس أو تزدهر إلا برعاية و تغافل من السلطة الحاكمة في أي بلد و لا شك أن الاحتكار من أجل مضاعفة الأرباح هو إضرار بالجماهير الكادحة و هو سلوك جشع و بشع يتنافى مع قيم الدين و مبادئه و ليس من اللائق التساهل معه فمن قارف الاحتكار فلا بد من معاقبته عقابا لا يرقى إلى حد تدميره أو القضاء عليه بل تفرض عليه من العقوبات ما يرده إلى العدل و الصواب.
الضمان الاجتماعي و رعاية حقوق الفقراء
ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِين وَالْـمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى فإِنَّ فِي هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعا وَمُعْتَرّاً، وَاحْفَظْ لله مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسمْاً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسماً مِنْ غَلاَّتِ صَوَافِي الإسلام فِي كُلِّ بَلَد، فإِنَّ للأقصى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي للأدنى، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ، فَلاَ يَشْغَلنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ التَّافِهَ لإحكامك الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ.
فَلاَ تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُم وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُم وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ، فَفَرِّغْ لأولئك ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُع، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بَالإعْذَارِ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِنَّ هؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الإنصاف مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيهِ. وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنّ مِمَّنْ لاَ حِيلَةَ لَهُ، وَلاَ يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيلٌ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَام طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ.
وَاجْعلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَواضَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِع فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِن “لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِع”. ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ وَنَحِّ عَنْكَ الضِّيقَ و الأنف يَبْسُطِ اللهُ عَلَيْكَ بَذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ وَيُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ، وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وَامْنَعْ فِي إِجْمَال وَ إِعْذَار!.
إنه الضمان الاجتماعي الذي ينبغي أن يغطي من يحتاج إليه سواء من المساكين العاجزين عن العمل و الكسب أو أهل اليتم ممن فقدوا عائلهم أو المسنين أو من المعوقين و أصحاب الاحتياجات الخاصة ممن لا يقدرون أو توقفوا عن العمل ناهيك عن الأرامل فَإِنَّ هؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الإنصاف مِنْ غَيْرِهِمْ و الأهم من هذا هو التعامل مع هؤلاء باحترام و إعطائهم الفرصة لنقل شكايتهم و إيصال مظلمتهم و حمايتهم ممن يسيئون معاملتهم أو يأكلون حقوقهم ظلما حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَعْتِع عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه و آله “لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَعْتِع”. و أن ينحي الحاكم عن نفسه الضيق و الأنف فكلنا يمكن أن نكون ذلك الإنسان الضعيف العاجز و المحتاج أو أن كلنا ذلك الرجل إن لم يكن اليوم فغدا.
عقد الاجتماعات الدورية مع أجهزة الإدارة:
ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ، وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ عِنْدَ وَرُودِهَا عَلَيْكَ مِمَّا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ.
الجدية في العمل لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد
وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْم عَمَلَهُ، فإِنَّ لِكُلِّ يَوْم مَا فِيهِ، وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ تعالى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ، وَأَجْزَلَ تِلْكَ الأقسام، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لله إِذَا صَلَحَتْ فيهَا النِّيَّةُ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ.
يقرر الإمام ضرورة وضع خطط و برامج زمنية لإنجاز مصالح البلاد و العباد و عدم التواكل و ترك الأمور تسيرها الظروف و المقادير و لا شك أن هذا لا ينفك عن أهمية قراءة المستقبل الذي يختلف عن قراءة الطالع و الغيب فإن لكل يوم من الحاضر و المستقبل ما فيه من الاحتياجات التي لا بد من تلبيتها و إياك و الاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى أي الحمقى و المغفلين و هكذا فقد سبقنا العالم بينما ما زلنا نحن نمارس سياسة الإرجاء و التسويف.
ضرورة اهتمام الحاكم بأداء الفرائض
وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ لله بِهِ دِينَكَ: إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتي هِيَ لَهُ خَاصَّةً، فَأَعْطِ اللهَ مِن بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ كَاملاً غَيْرَ مَثْلُوم وَلاَ مَنْقُوص، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ.
إن الحاكم أو القائد فضلا عن كونه عبدا من عباد الله عليه أن يطلب العون من سيده و مولاه فهو أيضا قدوة للناس و عليه أن يقدم لهم النموذج العبادي الأخلاقي حتى لا يستهين الناس بأداء الفرائض.
الصلاة عماد الدين
وَإِذَا قُمْتَ فِي صلاَتِكَ لِلنَّاسِ، فَلاَ تَكُونَنَّ مُنَفّرِاً وَلاَ مُضَيِّعا فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ. وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الَيمنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ “صَلِّ بِهِمْ كَصَلاَةِ أَضْعَفِهِمْ، وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً”.
إنها إحدى المشكلات التي تواجهها تلك المجتمعات الإسلامية المبتلاة بالتدين الشكلي المنقوص ذلك التدين القائم على المبالغة في غير موضع المبالغة للتغطية على النقائص و السوءات الكبرى أو تلك الناجمة عن الجهل و التمسك بالقشور مثل إطالة الصلاة بل و تحويل الصلاة التي هي صلة بين العبد و ربه إلى مهرجان للأصوات على طريقة (سمعنا صوتك) و ساحة لإبراز الجوانب الجمالية على حساب الخشوع و الإخبات لله رب العالمين و صدق الإمام علي حين قال (لا يقل مع التقوى عمل و كيف يقل ما يتقبل).
أهمية وجود قنوات للاتصال المباشر مع الجماهير:
وَأَمَّا بَعْدَ هذا، فَلاَ تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاَةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ، وَقِلَّةُ عِلْم بالأمور، وَالاِْحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دوُنَهُ فَيَصْغُرُ عِندَهُمْ الْكَبِيرُ، وَيَعْظَمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لاَ يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الأمور، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنَِ: إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْل كَرِيم تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلَىً بِالْمَنعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مـما لاَ مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَة، أَوْ طَلَبِ إِنْصاف فِي مُعَامَلَة.
إن الاتصال المباشر بين الحاكم و المحكومين ضرورة هامة فهو يتيح للحاكم فرصة الاطلاع على الحقيقة التي قد تحجبها الأجهزة المكلفة بتوصيل الحقائق إليه و عندما يعجز الناس عن توصيل شكاياتهم لمن يقدر على النظر فيها و إجابة مطالبهم تحدث القطيعة التي يرتد أثرها على الجميع و مهما قام الحاكم بتلبية ما يحتاجه الناس فإنه لا يعطي أحدا من جيبه و لا من ماله الخاص بل يعطيهم مما جعل الله مخولا فيه.
لا للواسطة و المحسوبية و الاستئثار بما الناس فيه أسوة
ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً، فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَتَطَاوُلٌ، وَقِلَّةُ إِنْصَاف فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الأحوال، وَلاَ تُقْطِعَنَّ لأحَد مِنْ حَاشِيتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعةً، وَلاَ يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَة، تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ، فِي شِرْب أَوْ عَمَل مُشْتَرَك، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ. وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ خَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ. وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ وَاعْدِلْ عَنكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ، وَ إِعْذَاراً تَبْلُغُ فِيه حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ.
يقرر الإمام قاعدة المساواة  في الحق العام و هو الذي لم يتردد في تطبيق هذه القاعدة على الجميع بلا استثناء منذ اللحظة الأولى لولايته حينما وجد كما من هائلا من الاختلال في توزيع الثروة و من التفاوت الطبقي حيث افتتح الإمام عهده بتلك الكلمات (إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أيما وال ولي الأمر من بعدي أقيم على حد الصراط و نشرت الملائكة صحيفته فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله و إن كان جائرا انتفض به الصراط حتى تتزايل مفاصله ثم يهوي إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه و حر وجهه ثم التفت عليه السلام يمينا و شمالا فقال ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار و فجروا الأنهار و ركبوا الخيول الفارهة و اتخذوا الوصائف الرققة فصار عليهم عارا و شنارا إذا منعتهم ما كانوا يخوضون فيه و أصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون فينقمون ذلك و يقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ألا و أيما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول الله (ص) يرى الفضل له على من سواه لصحبته فإن الفضل النير غدا عند الله و ثوابه و أجره على الله و أيما رجل استجاب لله و للرسول و صدق بملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده فأنتم عباد الله و المال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد و للمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء و أفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا و ثوابا و ما عند الله خير للأبرار) و كان أن ساوى الإمام بين الناس في الأعطيات بين من يرون أنفسهم سادة المجتمع و قادة الأمة و بين بسطاء المسلمين و عامتهم.
لم تقتصر تلك السياسة على الأباعد بل لقد طبقها على أقرب المقربين إليه رحما فها هو يحكي قصته مع أخيه عقيل بن أبي طالب عندما جاء يطلب قدرا من المال من بيت مال المسلمين فوق راتبه المعتاد فيقول عليه السلام (وَاللهِ لاََنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي الأغلال مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْء مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْس يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا؟! وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أمْلَقَ حَتَّى اسْتماحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الألوان، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمَعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَف مِنْ أَلَمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَار سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أَتَئِنُّ مِنَ الأذى وَلاَ أَئِنُّ مِنْ لَظىً؟!) لقد كانت الدنيا بين يديه عليه السلام و كان بوسعه أن يفعل بها مثلما فعل بنو أمية فيعطي من يشاء منها و لكن هيهات هيهات فالله تبارك و تعالى سيسأل الخلائق يوم القيامة كما أن من حق الناس أن تسأل من أين لك هذا و اسألوا حكام المسلمين عن الطريقة التي بها يمنحون و يمنعون و إنا لله و إنا إليه راجعون. ثم يقرر حق الجماهير في أن تسأل الحاكم من أين لك هذا و يوجب عليه أن يرد على ما قد يوجه إليه باتهامات بالظلم و المحاباة لا أن يسوق المعترضين إلى ساحات المحاكم مطالبا لهم بإثبات التهمة و إلا ألقي بهم في السجون كما اعتاد الكثير من حكامنا المبجلين الذين لا يعرفون الفارق بين المال العام و المال الخاص و يغترفون منه باليمين و الشمال.
نعم لعلاقات السلام و رعاية العهود و المواثيق
وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّ كَ لله فِيهِ رِضىً، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكِ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ.
وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالاَْمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عز وجلّ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتَِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ وَلاَ تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لاَ يجترئ عَلَى اللهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ،يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ، فَلاَ إِدْغَالَ وَلاَ مُدَالَسَةَ، وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ، وَلاَ تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوزُ فِيهِ الْعِلَلُ وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ القَوْل بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْر لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيق تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَيْرٌ مِنْ غَدْر تَخَافُ تَبِعَتَهُ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طَلِبَةٌ لاَ تَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ.
و قد تحدثنا في هذا الموضوع مطولا في باب الوفاء بالعهود.
إياك و سفك الدماء (حقوق الإنسان)
إِيَّاكَ وَالدَّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَة، وَلاَ أَعْظَمَ لِتَبِعَة، وَلاَ أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَة، وَانْقِطَاعِ مُدَّة، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مبتدئ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فِيَما تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامةِ، فَلاَ تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَم حَرَام، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزيِلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلاَ عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلاَ عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمدِ، لاَِنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ، وَإِنِ ابْتُلِيتَ بخطأ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ [أَوْ سَيْفُكَ] أَوْ يَدُكَ بِعُقُوبَة، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً، فَلاَ تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول حَقَّهُمْ.
يضع الإمام قاعدة حرمة الدماء فإن سفك الدماء بغير حق أدعى للنقمة و أحرى بزوال النعمة و انقطاع مدة الدولة مهما بدا من تطاول الأيام و قد ابتلي المسلمون بهذا الداء الخطير داء الاستخفاف بدماء الأبرياء و التاريخ القديم و المعاصر شاهد على ما نقول بدءا مما سمي بحروب الردة نهاية بما فعلته جماعة الطالبان و قائدها أمير المؤمنين المزيف الملا عمر (ألم تر كيف فعل ربك بعاد* إرم ذات العماد* التي لم يخلق مثلها في البلاد* و ثمود الذين جابوا الصخر بالواد* و فرعون ذي الأوتاد* الذين طغوا في البلاد* فأكثروا فيها الفساد* فصب عليهم ربك سوط عذاب* إن ربك لبالمرصاد) الفجر 6-14 و يقرر الإمام أن القتل العمد أو الاغتيال السياسي الذي تلجأ إليه بعض النظم الفاشلة و المنحطة أو الحركات السياسية الأكثر انحطاطا التي ذكرناها سابقا فيه قود البدن أي النفس بالنفس أما قتل الخطأ الذي قد يحدث عند قيام السلطة بأداء مهامها الشرعية ففيه الدية مما ينبغي على كل مسئول أمني في بلد يفترض أنه إسلامي أن يعرفه بصورة واضحة لا لبس فيها و لا تأويل و قد قال سبحانه (و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)الإسراء 33.

إياك و الاستعلاء و المن
وَإِيَّاكَ والإعجاب بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الإطراء فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ، لِـيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْـمُحْسِنِينَ. وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ أَوِ التَّزَيُّدَ فِيَما كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الإحسان وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْد َاللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللهُ سبحانه: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ).
إنها آفة الغرور و النفاق و المدح الكاذب الذي احترفه المنافقون و المطبلون ذلك الداء الذي يقتل الحكام و يدفعهم إلى الاعتقاد بأنهم في مصاف الآلهة ذلك الداء الذي إذا ما استمكن دفع الحاكم الإله للاعتقاد بأنه يرزق شعبا من الحمقى و المغفلين هو أحكم و أعقل و أنبغ من فيه و أنه حفظه الله (!!) أنقذ هؤلاء الحمقى الذين تدهورت أحوالهم المعاشية في ظل سياساته (الحكيمة دائما) من المجاعة و يزداد الأمر سوءا عندما ينظر الحاكم المستبد إلى هؤلاء البشر من برجه السماوي العاجي فيقدم الوعود الانتخابية و يخلف و لا يكف عن التزييف و الكذب و المشكلة أن ذلك الإله المسكين لا يحتاج إلى وعود انتخابية و لا أي نوع من الوعود إذ ليس هناك انتخابات من الأساس و الباقي معلوم لا يحتاج إلى كتب و إنما يحتاج إما إلى قراءة التاريخ أو مطالعة الصحف!!.
و لك أن تقارن بين نصائح الإمام باحترام العهد و حفظ الوعد و نصائح ميكيافيللي في كتابه الأمير «وهكذا فمن الخير أن تتظاهر بالرحمة وحفظ الوعود والشعور الإنساني النبيل والإخلاص والتدين، وان تكون فعلا متصف بها، ولكن عليك أن تعد نفسك، عندما تقتضي الضرورة، لتكون متصفا بعكسها . ويجب أن يفهم أن الأمير ولاسيما الأمير الجديد، لا يستطيع أن يتمسك بجميع هذه الأمور التي تبدوا خيرة في الناس، إذ انه سيجد نفسه مضطرا للحفاظ على دولته، لان يعمل خلافا للإخلاص للعهود، وللرأفة والإنسانية والدين»
وتتسم أفكار ميكيافيلي التي قدمها للملوك والرؤساء والأمراء بسلوك تعويضي خطر. فالرغبة في الاستعلاء والانتقام هما مسلكان عرفا بهما الملوك والأمراء والرؤساء منذ ما قبل ميكافيلي بقرون عديدة، للتظاهر أمام الناس بالعظمة والجبروت، وهو الأمر الذي يجعل الناس يحجمون عن فكرة التغيير أو التنمية السياسية. وجاء ميكافيلي ليظهر حقيقة العرش ومن عليه، وربما أضفى شرعية ومبررا لسلوك النظام السياسي الدكتاتوري. كريم المحروس مجلة النبأ 36-5-1420 هـجرية.

الحزم و إحكام التدبير
إيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بالأمور قَبْلَ أَوَانِهَا، أَوِ التَّسَاقُطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا، أَوِ الَّلجَاجَةَ فِيهَا إِذا تَنَكَّرَتْ أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إذَا اسْتَوْضَحَتْ، فَضَعْ كُلَّ أَمْر مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَل مَوْقِعَهُ. وَإيَّاكَ وَالاْسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ وَالتَّغَابِي عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ، وَعَمَّا قَلَيل تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الأمور، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ، امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ وَسَوْرَةَ حَدِّكَ وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاْخْتِيَارَ، وَلَنْ تَحْكُمْ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ.
لا شك أن الرحمة و العدالة التي حض الإمام عليها لا تنافي إطلاقا استخدام الحزم مع المفسدين و المجرمين و لكنه الحزم الذي ينتصف للمظلوم من الظالم و ليس استخدام البطش و القوة الحمقاء التي يعرفها كل من عاش في ظل تلك النظم المستبدة الخرقاء المعتدة بقوة هي في الأساس ممنوحة لها من هذا الشعب الذي يعاني و يقاسي الأمرين من قسوة تلك الأجهزة المطالبة بالعدل و الحزم لا أكثر و لا أقل.
الاعتبار بتجارب الأمم
وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ: مِنْ حُكُومَة عَادِلَة، أَوْ سُنَّة فَاضِلَة، أَوْ أَثَر عَنْ نَبِيِّنَا (صلى الله عليه وآله) أَو ْفَرِيضَة فِي كِتَابِ اللهِ، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عهْدِي هذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ، لِكَيْلاَ تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا، فَلَنْ يَعْصِمَ مِنَ السُّوءِ وَلاَ يُوَفِّقَ لِلْخَيْرِ إلاَّ اللهُ تَعَالى.
إن وصية الإمام تدين أولئك الذين يتجاهلون أخذ الدروس و العبر من الأحداث التي مرت بها أمتنا و يطالبون بإهالة التراب على ما يسمونه بالخصومات التاريخية و يقولون تلك أمة قد خلت فأي أمة قد خلت فهل أمة الإسلام قد خلت و المهم أن قراءة التاريخ و استخلاص العبر منه في نظر هؤلاء هي نوع من إثارة الفتن بل و قد امتد الحظر إلى علوم العقيدة حيث كتب الشيخ القرضاوي في كتابه المسمى (بأولويات الحركة الإسلامية يقول) في ص93 (أهيلوا التراب على المشكلات التاريخية التي شغلت الفكر الإسلامي في وقت من الأوقات و بددت طاقته في غير طائل مشكلة الذات و الصفات هل هي عين الذات أو غيرها أو هي لا عين و لا غير لأن الفكر الواقعي الذي ننشده فكر يهتم بالبناء و العمل لا بالمراء و الجدل في مشكلات تاريخية أو نظرية بحتة) و كأن استخلاص الدروس و العبر من أخطاء السابقين هو خطأ ينبغي لنا أن نتنزه عنا و كأن معرفة السبب الذي قاد الأمة للوقوع في براثن الاستبداد و الخضوع للاحتلال الأجنبي الأمريكي كلما ظنت الأمة أنها نالت استقلالها هو تضييع للوقت ينبغي على السادة البراجماتيين المسلمين الجدد أن يترفعوا عنه و الواقع أن أمة لا تعرف و لا تريد أن تعرف لماذا نزلت بها كل هذه الكوارث هي أمة غافلة و ضالة و تائهة.
الصلاة الصلاة الزكاة الزكاة
وَقَدْ كَانَ فِيَما عَهدَ إليَّ رَسُولُهُ(عليه السلام) فِي وَصَايَاهُ: “تَحضيضاً عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ”، فَبِذَلِكَ أَخْتِمُ لَكَ مَا عَهِدَ، وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ العَظِيمِ.
الختام
وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَة، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فيهِ رِضَاهُ مِنَ الإقامة عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ، وَجَمِيلِ الأثر فِي الْبَلاَدِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ، إِنَّا إِلَيْهِ رَاغِبُونَ، وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ كثيراً.

عندما سقط الفارس:
ماذا يجري في عالمنا المتخلف عن ركب الحضارة و الإنسانية عندما يقتل أحد الملوك و الرؤساء أو حتى يموت حتف أنفه أو حتى يطلق الرصاص على وزير سابق؟؟.
معلوم أن هستيريا الانتقام الجماعي تتملك القابضين على زمام السلطة من أجل بث الرعب في نفوس كل من تسول له نفسه مجرد التفكير في اقتسام كعكة السلطة و ما أدراك ما كعكة السلطة لتبدأ عمليات الاعتقال الجماعي و الإرهاب الجماعي بدءا من المتهمين بارتكاب الفعلة و أقاربهم حتى الدرجة العاشرة أو من جرى الإمساك به متلبسا بشرب زجاجة مرطبات أو يأكل قطعة من الحلوى  ليأخذ الجميع العبرة مما لحق بهم و ليستمروا في الدعاء بطول البقاء للزعيم الأوحد و اللهج بالثناء على القادم الجديد الأمجد الذي لا يدري أحد من هو حرصا على حفظ الاستقرار و الاستمرار في مرحلة انتقال السلطة و الحيلولة دون وقوع أي حادث يعكر الأمن!!.
فماذا حدث عندما طُعن الإمام من ذلك الكلب العقور المسمى بعبد الرحمن بن ملجم؟؟.
هل أمر الإمام باعتقال كل قبيلته أو قتل كل من علم أو حلم و لم يبلغ بمضمون حلمه؟؟
لم يحدث شيء من هذا بل كانت الوصية واضحة  بل و موجهة إلى كل بني عبد المطلب حتى لا يتحول الأمر إلى ثأر قبلي بين قبيلتين فقد جاء الإسلام ليقضي على القبلية و يوحد الأمة في إطار من التكافؤ الإنساني حاكما بأن النفس بالنفس و ليست القبيلة بالقبيلة و لا البطن بالبطن و اقرءوا ما قاله إمام الحق و الخير علي بن أبي طالب لولديه سيدي شباب أهل الجنة الحسن و الحسين:
1- أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ، وَأنْ لاَ تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْء مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا.
2- وَقُولاَ بِالْحَقِّ، وَاعْمَلاَ للأجر، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً.
3- أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا  صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ  وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: “صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ الصِّيَامِ”.
4- اللهَ اللهَ فِي الاَْيْتَامِ، فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ (أي يعطى يوما و يمنع يوما) وَلاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ.
5- وَاللهَ اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ.
6- وَاللهَ اللهَ فِي الْقُرْآنِ، لاَ يَسْبِقْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ.
7- وَاللهَ اللهَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ.
8- وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لاَ تُخْلُوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا.
9- وَاللهَ اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.
10- وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ و َالتَّبَاذُلِ (بذل المال في سبيل الله) وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ.
11- لاَ تَتْرُكُوا الأمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ.
ثمّ قال:
يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
أَلاَ لاَ تَقْتُلُنَّ بِي إِلاَّ قَاتِلِي.
انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هذِهِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَة، وَلاَ يُمَثَّلُ بِالرَّجُلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: “إِيَّاكُمْ و َالْمُثْلَةَ وَلَوْ بَالْكَلْبِ الْعَقُورِ”.
هل حقا أمر الإمام بإحراق (الزنادقة) كما يزعم البخاري؟؟.

روى محمد بن إسماعيل البخاري قال (حدثنا ‏ ‏أبو النعمان محمد بن الفضل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد بن زيد ‏ ‏عن ‏ ‏أيوب ‏ ‏عن ‏ ‏عكرمة ‏ ‏قال ‏‏أتي ‏ ‏علي ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم لقول رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من بدل دينه فاقتلوه).
تلك الرواية الغريبة التي تناقض بصورة تامة وصيته سلام الله عليه بقتل قاتله ضربة بضربة و نهيه سلام الله عليه عن المثلة و لو بالكلب العقور و الأدهى من ذلك كله أنها تناقض ما هو ثابت عن سيرته في التعامل مع المنشقين عليه فقد روى ابن جرير الطبري أنه قال (إن جائيا جاءني مرة ‏فقال لي في أصحابك رجال قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم فقلت إني لا أخذ بالتهمة و لا أعاقب على الظن و لا أقاتل إلا من خالفني و ناصبني و أظهر لي العداوة و لست مقاتله حتى أدعوه و أعذر إليه فإن تاب و رجع إلينا قبلنا منه و هو أخونا و إن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا عليه الله و ناجزناه فكف عني ما شاء الله ثم جاءني مرة أخرى فقال لي قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب الراسبي و زيد بن حصين إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقاتلهما أو توبقهما فلا تفارقهما من حبسك أبدا فقلت إني مستشيرك فيهما فماذا تأمرني به قال فإني آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما فعلمت أنه لا ورِع و لا عاقل فقلت و الله ما أظنك ورعا و لا عاقلا نافعا و الله لقد كان ينبغي لك لو أردتُ قتلهم أن تقول اتق الله لم تستحل قتلهم و لم يقتلوا أحدا و لم ينابذوك و لم يخرجوا من طاعتك) تاريخ الطبري ج5 ص 131.
و قد تكرر نفس هذا المشهد مع آخرين أشاروا بشن حملة اعتقالات على بعض قادة الخوارج فقال عليه السلام (إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملأنا سجننا منهم و لا أراه- يعني الوثوب على الناس و الحبس و العقوبة- حتى يظهروا لنا الخلاف) الطبري ج5 ص 115.
و الواقع أن هذه الرواية و رواتها و خاصة عكرمة مولى ابن عباس الذي تواترت الأخبار (انظر المعارف لابن قتيبة) بأنه كان يذهب مذهب الخوارج و يكثر من الكذب على ابن عباس ما يجعلنا نعرض عن هذا النوع من الروايات المختلقة التي تريد أن تظهر الإمام عليه السلام في صورة جبار لا يختلف عن النمروز الذي وضع إبراهيم عليه السلام في النار و تجعل من ابن عباس الذي كان تلميذا مخلصا للإمام في موقع الناقد الرافض لمثل هذا التصرف الوحشي القاسي الذي يقول لو كنت أنا مكانه لفعلت كذا و كذا أو لم أفعل كذا و كذا و حاشا لابن عباس أن يقول مثل هذا الكلام ناهيك عن أن هؤلاء المفسرين حاولوا أن يزجوا في القصة بعبد الله بن سبأ تلك الأسطورة التي لا أصل لها و التي تكشف عن الغرض الأصلي وراء تأليف تلك القصة ألا و هو الطعن على الإمام و على شيعة أهل البيت عليهم السلام و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تنويه هام:
نود أن نعرب عن اعتذارنا مقدما لكل من تشابه سلوكهم السياسي مع ما قمنا بنقده من تصرفات همجية في هذا الكتاب إذ أن الأمر لا يعدو كونه مجرد تشابه غير مقصود!!!!.