الاحزاب من سيبقى منها؟ ومن سيزول؟


27 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم
كنت من القليلين الذين تحملوا مسؤوليات عليا في الدولة وفي واحد من اكبر التنظيمات في البلاد، والذين حذروا مراراً، وقدموا استقالات متكررة من مراكز الدولة او التنظيم، بانه ما لم تصلح الاحزاب من نفسها وتنتقل من عقل المعارضة الى عقل الدولة، فانها ستتعرض لمآلات قاسية ومخاضات صعبة، كما نشهد اليوم في معظم ان لم نقل جميع الاحزاب والحركات العراقية. نشهد اليوم ما يجري داخل واحد من اهم القوى السياسية والتي قدمت تضحيات كبيرة، ونقصد بها “تيار شهيد المحراب”، ولاشك اننا سنشهد ارهاصات وتدافعات مشابهة في العديد من الحركات والاحزاب، كما شهدنا طوال الاعوام الماضية. في 20/1/2011 كتبت الافتتاحية بالعنوان اعلاه ، ارى مفيداً اعادة نشرها، دون اضافة او حذف:
[“قانون الاحزاب سيطرح قريباً. والاحزاب –سواء تسمت بالحزب او التيار او الحركة، الخ- قضية جوهرية في صلب تكوين النظام السياسي، بل من مقوماته. والقوانين التي لا تتوفر اساساتها ستولد ميتة.
الحياة السياسية لا تبنى على مستقلين ليس لانهم اقل شأناً، بل لان الحزبي هو باختصار مستقل سابق.. وان السياسة هي الاجتماع تنظم شؤونه جماعة ومجاميع.
ان تعثر نظامنا اليوم هو من تعثر تنظيماتنا.. والامر يشمل الجميع، وان بدرجات. والقوى السياسية التي قدمت تضحيات كبرى ودافعت عن قضايا الشعب في مراحل العمل السري ما زالت تعيش عقل المعارضة ولا وعيها. الفعال في مكانه المخرب خارجه.
فالدولة بحاجة الى عقلها المفقود. فقبل قانون الاحزاب ومعه، لابد ان تعمل التشكيلات التي تريد البقاء على التحول.. لتحدث تغييراً جذرياً في مفاهيمها واساليبها وتشكيلاتها وقياداتها وعلاقتها بالجمهور وباعمال الدولة والاجتماع.. لتنتقل من تقاليد عمل سري ديدنه خرق القانون والنظام، يخفي نفسه وراء الف حجاب الى عمل مكشوف واضح لا اسرار ولا دفاتر او حسابات خاصة او اسماء حركية.. فالمعارضة السرية بتعريفها الاول في بلد واجه العنف بالعنف المضاد، هي سعي الى تسقيط الخصم وتهديم بنيته والتآمر عليه وتزوير الوثائق وانكار التهم واخفاء الحقيقة او الكذب عليه، وهي مبان ترسخت عن اخلاص وبدون وعي في الممارسات والمفاهيم بل وفي الاخلاقيات.
المعارضة السرية بناءات حديدية معقدة، شكوكة وقلقة، لا تثق الا باعضائها وانصارها.. بناءات، تتطلب قيادة حازمة صلبة تستطيع مقاومة التعذيب والاعتراف، فتحتل مواقعها الخطرة عقوداً تعتاد عليها، لا تتغير عادة الا لموت او اغتيال او اعدام.. بل نادراً ما يطالبها احد بالتنحي لانها مواقع الموت وليس الامتياز.
نقول ان الدولة بحاجة الى عقلها المفقود، لتنمو تقاليد المؤسساتية والكفاءة والشفافية والمحاسبة والتداول والتعامل مع الناس ليس كانصار ومحبين بل كمواطنين على قدم المساواة.. فلقد نقلنا عقليات وممارسات المعارضة الى مواضع الحكم والدولة، وهو ما ولد ويولد كل تلك التناقضات والامور المضحكة المبكية التي نراها امامنا ونعاني منها، وواجبنا اليوم ان نزرع عقل الدولة لنبني التقاليد والممارسات اللائقة بها.
فالاحزاب -وبدون استثناء- بحاجة ليس الى هضم اشياء جديدة اولاً، بل لن يمكنها قبول الجديد ما لم تتخلص من كل ما يعارض عقل الدولة الدستورية والمجتمع المنفتح الصالح.. ذلك ان اردنا النجاح لشعبنا وبلدنا و عدم العودة الى العمل السري والمعارض.”]
عادل عبد المهدي