هل سنتعلم حكمة الحوار وحكمة الاعتذار ؟

الوسوم:
11 مشاهدة

د . ماجد اسد

السؤال الذي شغل، ومازال يشغل الضمير العام، هو السؤال الذي أدى بالحضارات القديمة إلى صناعة ذاكرتها، وعلاماتها الثقافية، والذي يعاد، عبر الأجيال:

ـ ما الذي سنتركه لأحفادنا، من علامات حضارية، وليس العكس..؟

هذا العكس، هو المثير للقلق، حقا ً، لأننا عندما نعيد قراءة ماضينا، نمتلك وفرة من العلامات المعرفية، والعلمية، والثقافية: اللغة/ العجلة/ صهر المعادن/ الشرائع/ المدرسة/ الري/ القوانين/ الفلك/ الطب …الخ

وكلها علامات بناء، وجهد مشترك، وحصيلة تفكير، وخبرة، وتأمل، وصبر..، فقد أنجز علماء الآثار الأجانب، ومن ثم العراقيين، خلال القرنين الماضين، بحثهم في إخراج الكنوز، من باطن الأرض، وقدموها للعالم. كنوز في غاية الأهمية، وفي مقدمتها ان حضارات وادي الرافدين، لم تكتسب هذا المعنى العظيم، إلا لأنها لخصت الإجابات الحضارية التي سمحت للشعب ان يبدع تاريخه، وينجز مخترعاته التي مازالت تمتلك أهميتها …، والتي مازالت جديرة بالقراءة .

فبعد ان وضع أسلافنا أقدم أبجدية للكتابة، في بلاد سومر، انتقلت البشرية إلى عصر الحضارة. ذلك لأن هؤلاء القوم، أجدادنا، لم يعيشوا لحاضرهم فحسب، بل عاشوا من اجل مستقبل بلادهم، ومستقبل أحفادهم، ومن اجل البشرية جمعاء.

فكل اثر صنعوه، كان يعد رائدا ً في مجاله، ومكتشفا ً جديدا ً، لم تصنعه إلا العبقرية العراقية: من المعرفة إلى حقوق الإنسان، ومن العناية بالبيئة إلى حقوق المرأة، والطفل، ومن الفلك إلى الزراعة، ومن المدرسة إلى الفنون، والآداب …الخ

فهل باستطاعة أجيالنا، اليوم، ان تتعلم هذا الدرس، وتعرف كيف يتحول العمل إلى أداة للتقدم، وردم الفجوات، ووضع حد للإسراف في الخلافات، والتباهي بالعنف، والتطرف، والتبذير…، والعودة إلى التفكير في السؤال:

ـ ماذا سنترك لأحفادنا، من أمثلة مستمدة من قوانين الحياة، ولصالحها، وليس العكس..؟

هل سيفكر كل مسؤول، وكل مواطن، وكل من يتنفس هواء الوطن، إن كان في الداخل أو في المنافي، وإن كان مع الحكومة أو ضدها….، بالسؤال الذي وجدنا إجاباته تامة لدى أسلافنا، وأجدادنا، وسمح لهم ان يتركوا لنا آلاف العلامات الحضارية، والمعرفية، والثقافية، والجمالية…؟

هل سنتعلم حكمة الحوار، وحكمة الاعتذار، وحكمة الغفران، وحكمة إعادة قراءة الواقع، بتعقيداته كاملة، والتباساته المتشعبة، كي لا ندع الحياة تهرب وتضيع وتختفي منا…، لأن ما من شعب استطاع ان يبني مصيره، حاضره، ومستقبله، من غير الاستعانة بدروس الماضي، وكي نقول الأجيال القادمة: هذه هي علاماتنا.

د . ماجد اسد