عْاشُورْاءُ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ (١)


23 مشاهدة

نزار حيدر
معَ بُزوغِ هلالِ شهرِ مُحرَّم الحَرام من كلِّ عامٍ هجريٍّ تستذكر الانسانيَّةُ واحدةً من أَعظم الثَّورات والنَّهَضات التَّاريخيَّة التي تتجدَّد ذِكراها مع مرورِ اللَّيالي والأَيَّام، على الرَّغمِ من كلِّ الجهود والمُحاولات التي بذلتها وتبذلها السُّلطات الظَّالمة لمحوِ آثارِها أَو على الأَقلِّ لتحويلِها الى [ذِكْرى تاريخيَّةٍ] عديمةِ الرُّوح والجوهر، طقوسيَّة لا أَكثر تشبه أَيَّة ذِكْرى أُخرى في التَّاريخ!.
ولقد تعدَّدت الجهود وتنوَّعت المُحاولات وأَبدعت في الوسائل اللَّئيمة والأَدوات الارهابيَّة على مرِّ التَّاريخ وكلُّ ذَلِكَ من أَجْلِ تحقيقِ شعار الأَمويِّين [إِلّا محواً محواً! إِلّا دفناً دفناً] فهل نجحَ الظَّالمون الحاقدون في تحقيقِ مُرادهُم وغايتهُم؟!.
ساعات وسيُثبتُ لَكَ الواقع في هذا العالَم المُترامي الأَطراف بأَنَّهم فشلوا فشلاً ذريعاً! وبدلاً عن ذلك تحقَّقت نبوءَة رسول الله (ص) التي نقلتها عقيلة الهاشميِّين بطلة كربلاء وحامِلة رسالة عاشوراء زينب بِنْت علي بنت فاطِمة عليهِمُ السَّلام إِلى إِبن أَخيها الامام عليِّ بن الحُسين السَّجاد زين العابدين (ع) ليلة الحادي عشر من المحرَّم عندما رأَتهُ قلِقاً جزِعاً هلوعاً؛
لا يجزعنَّك ما ترى فوالله إِنَّ ذلك لعهدٌ من رسول الله (ص) إِلى جدِّكَ وأَبيكَ وعمِّكَ، ولقد أَخذَ الله ميثاقَ أُناسٍ من هذه الأُمَّة لا تعرفهُم فراعنةُ هذه الأَرض، وهُم معروفونَ في أَهل السَّماوات أَنَّهم يجمعونَ هذه الأَعضاء المتفرِّقة فيوارونَها، وهذهِ الجُسوم المضرَّجة وينصُبونَ لهذا الطفِّ علَماً لقبرِ أَبيكَ سيِّد الشُّهداء (ع) لا يُدرسُ أَثرهُ، ولا يعفو رسمهُ، على كرورِ اللَّيالي والأَيَّام، وليجتهِدنَّ أَئِمَّةُ الكُفر وأَشياعَ الضَّلالة في محوهِ وتطميسهِ فلا يزدادُ أَثرهُ إِلّا ظُهوراً وأَمرهُ إِلّا عُلوَّا!.
إِذن؛ هو صراعُ إِرادات، إِرادةٌ [تجتهد] لطمسِ معالِم الحقِّ ورسالتهِ بكلِّ ما أُوتيت من جبروتٍ وقوَّةٍ وأَدوات! تارةً بالقتلِ والمطاردةِ وحمَلات الإعتقال، وأُخرى بالتّضليلِ والتَّشويهِ وقلب الحقائِق، وثالثةً بتقديمِ نماذجَ مزيَّفة يتلهَّى بها النَّاسَ لاشغالهِم عن الحقِّ ورسالتهِ!.
أَمّا الارادةُ الثَّانية فهي التي [تجتهد] كذلك لحفظِ الحقِّ من أَن يُطمس وحماية جوهرهِ من التَّزييف والتَّضليل، كذلك بكلِّ ما أُوتيت من قوَّةٍ في منطقٍ وحكمةٍ وعقليَّةٍ تستند إِلى البُرهانِ النصِّي والدَّليلِ العقلي كما في قولهِ تعالى {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}!.
ولقد رأَينا بأُمِّ أَعينِنا ماذا فعل الطَّاغية الذَّليل صدَّام حسين على مدى ثلاثة عقودٍ كاملةٍ من سلطتهِ البوليسيَّة الشُّمولية القمعيَّة وماذا بذلَ من جهودٍ على مُختلفِ المستويات لمحوِ أَثر عاشُوراء في حياةِ النَّاسِ! حتَّى أَنَّ أَحد أَزلامهُ الأَغبياء من العصابةِ الحاكمةِ وقفَ بُعيدَ إِنتفاضة شعبان الخالدة بين الحرمَين الشَّريفَين في مدينة كربلاء المقدَّسةِ [مرقدُ سيِّدِ الشُّهداء (ع) ومرقدُ أَخيهِ أَبا الفَضْلِ العبَّاس (ع)] وهو يُحدِّث الطَّاغية في بغداد قائِلاً [سيِّدي؛ أَنا الآن أَقفُ بين (الصَّنمَين) لقد محَونا كلَّ شيءٍ] ثم خاطبَ سيِّد الشُّهداء (ع) بالقَولِ [أَنا حسينٌ وأَنت حسينٌ! فلنرى مَن ينتصِر على مَن؟!].
لم يمهلهُ الانتقامِ الالهي ليسمعَ الجَواب من سيِّد الشُّهداء (ع) ويرى النَّتيجة بأُمِّ عينَيهِ! فبعدَ مُدَّةٍ قصيرةٍ قطَّعتهُ كلاب عائلة الطَّاغية إِرَباً إِرَباً ورمَوهُ في المَزبلةِ!.
أَليسَ كلُّ ذَلِكَ تحقيقٌ للقسَمِ الذي أَطلقتهُ العقيلة الهاشميَّة البَطلة والصَّابرة والواثقة زينب (ع) عندما خاطبت الطَّاغية يزيد في مجلسهِ في الشَّام {فكِد كيدَك واسعَ سعيَك وناصِب جَهدَك، فوالله لا تمحُو ذِكرَنا ولا تُميتُ وَحيَنا ولا يَرحضُ عَنكَ عارَها، وهلْ رأيُكَ إِلّا فنَد؟! وأَيَّامُكَ إِلّا عدَد؟! وجَمعُكَ إِلّا بَدَد}؟!.
٢٠ أَيلول ٢٠١٧
لِلتَّواصُل؛
‏E-mail: nazarhaidar1@hotmail. com

نزار حيدر