كل الطرق تؤدي الى روما؟ أم الى كربلاء؟

الوسوم:
11 مشاهدة

رضوان ناصر العسكري
كل الطرق تؤدي الى روما؛ وهو مثل روماني قديم، جاء إن مدينة روما قبل أن تصبح عاصمة للإمبراطورية الرومانية أرادت أن تبني دولة قوية وتتزعمها، فقامت بفتح البلاد المجاورة لها، وربطها بطريق مرصوف يصل في نهايته إلى روما، لتبقي تلك المدن تحت سيطرتها من خلال تلك الطرق، وهناك رأي آخر يقول: إن كل الطرق ستؤدى بك في النهاية إلى الكنيسة الأم، وهي رمز الديانة المسيحية، وبالتالي تصبح مركزاَ لمسحيي العالم.

كربلاء اليوم اصبحت رمزاً دينياً للمسلمين بالعموم، وللشيعة بالخصوص، وعاصمة لكل من يبحث عن الحرية والتضحية والايثار، فهناك الكثير من لا يعرف شيء عن كربلاء، من الناحية الدينية, والعلاقة الروحية بينها وبين الشيعة, وعن ماهية كربلاء، من ناحية موقعها, مساحتها, عدد سكانها, والطرق المؤدية لها.
إن المكانة التي حظيت بها كربلاء من الناحية الدينية، هي بسبب ما تحتضنه من الجثمان الطاهرة لذرية رسول الله مُحَمَدٌ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَم، فالجريمة البشعة التي قام بها بنو أمية عليهم اللعنة، بقتل الحسين واخوته وابنائه وأنصاره وبنو عمومته وسلب وسبي عياله باسم الاسلام من قبل مدعيه ولدت اثر عميق في نفوس الاحرار، فأصبحت واقعة كربلاء منطلقاً للثورات ضد الظلم والطغيان الذي خيّمَ على بلاد المسلمين.
تعتبر العلاقة بين الفرد والدين علاقة روحية، بعيدة عن الماديات الملموسة التي لا تحتاج الى استشعار مادي، فالعلاقة الروحية مع الدين، لا يمكن ان تُجَسد بتجسيدات مادية، كرسم لوحة فنية, أو كتابة مدونة على صحيفة ورقية, أو صناعة منحوتة فنية من قطعة حجرية, أو ما شاكل من التجسيدات المادية، فهي عبارة عن حركات وسكنات تعبيرية توحي لمكنونها, وتصرفات سلوكية تعبر عن تلك الروحي المكنونة داخل الذات، يتحسسها العقل الباطني، لأنه هو الوحيد الذي يمكنه ان يصور تلك المشاعر والعواطف المتوهجة داخل الذات البشرية، ويظهرها من خلال تصرفاته وأخلاقياته، لتوحي عما موجود بداخله اتجاه ما يعتقد ويؤمن به.

كربلاء التي تقع في وسط العراق تقريباً، بمساحة تقدر بـ (52856)كم2 قادرة على استيعاب هذه الملايين، إِنها ليست مجرد ارقام، إنها واقع حقيقي لأعداد حقيقية، يمكنها ان تمثل سكان لسبع دول عربية مجتمعة كـ (الكويت وقطر والبحرين وموريتانيا، وعمان, وفلسطين, ولبنان)، فعندما تنظر للطرقات المؤدية الى كربلاء من خلال صورة جوية في الليل، تشاهدها كعين في قمة جبل ينبعث منها ماء الذهب، الذي يسيل بإتجاه الأودية المحيطة به، فعلاً إنها صورة مذهلة تبعث الدهشة والعجب لدى المتطلع.

136 دولة شاركت في هذا الكرنفال، من كل اقطار العالم، (آسيا, أفريقيا, أوربا, الأمريكيتين, استراليا)، فمنهم من اتخذ الطرق الجوية سبيلاً له، وآخرون اتخذوا الطرق البرية سبيلاً آخر، حركة جوية وبرية قلّ نظيرها في العالم، عشرات الملايين السائرين بكافة الأعمار ومن كلا الجنسين، ولأيام عديدة يواصلون الليل بالنهار، سيول من البشر تنوعت جنسياتهم وقومياتهم ودياناتهم حتى الوانهم ولباسهم، متجهون صوب كربلاء الحسين، يسيرون بلا شعور, غير آبهين بالمأكل والمشرب ولا حتى السكن، يتسلوهم العراقيون لخدمتهم، عندما تنظر لأصحاب المواكب تصاب بالعجب! يستأنسون بتلبية مطالب الزوار وتوفير احتياجاتهم! ينفقون كل ما يملكون من أجلهم، تراهم وعيالهم وأطفالهم يسهرون الليل ليوصلوه بالنهار بلا كلل ولا ملل! وعندما تسألهم عن سبب ذلك تجد الإجابة اعجب من الذي يقدموه! فيقولون نحن خدّام الحسين!.

عندما تشاهد موكب لنظراء السلام، يتقدمه قِسّ وخلفه جمع من القساوسة والمسحيين حاملين صلبانهم, أو مجموعة موظفين لشركة صينية يبنون موكباً على طريق الزائرين, أو مندى يعلق على بابه لافتة خطت عليها جملة من الكلمات النبيلة ترحب بزوار الحسين، أو تشاهد نعش للعالمة المستشرقة الفرنسية (ماري بيير فالكمان) المكنات (بمريم ابو الذهب) وهو يشيع بين الزائرين، بعدما قضت نحبها في هذه الايام المباركة، أو عندما يبادرك طفلك بالسؤال عن بعض الأعلام، التي ترفرف بين رايات المواكب، وبيارغ السائرين لأي دولة تلك يا أبتي؟ فتجيبه هذا لفرنسا وهذا لأستراليا وهذا لهولندا وذاك للدنمارك وآخر لا تعرفه لمن، وهو يجر كمك ويسألك عن غيره وغيره وغيره، حينها تدرك جيداً أن الحسين شيء كبير، اكبر مما نتصور، باستطاعته ان يحوي العالم بأسره، كما يمكنه ان يأسر قلوب كل من يريد معرفته والتقرب منه.

انعكس المسير وأصبحت كل الطرق تؤدي الى كربلاء؟ لا الى روما؟ إذاً من منهنَّ أقوى رابطة روحية مع من يقصدها؟ إذاً لمن أضحى الخلود؟ للكنيسة؟ أم للحسين؟، من هو الحسين؟ ماذا فعل لهؤلاء لكي يخدموه بهذه الصورة وهذا الشكل؟ على ماذا سيحصلون في النهاية؟ كيف سيعوضون ما أنفقوه في هذا العام؟ ليكون رصيداً لهم في العام القادم؟ أسئلة محيرة! وإجابات أكثر حيرة! لا يمكن التكهن بها ومعرفة اسبابها وإدراكها، إلا من عاش فيها وتحسس لذتها ونشوتها.

خلاصة القول إِنْ الحسين لم يكن للشيعة أو للمسلمين فقط، وإنما للعالم اجمع، وإن كل الطرق تؤدي الى كربلاء، وإن العراقيين أهلاً لهذا الكرم, ونبراساً للتضحية والفداء، وإن روما كانت عاصمة لديانة معينة، وكربلاء عاصمة لجميع العواصم, وقبلة لأحرار العالم.
رضوان ناصر العسكري