لقاء الاولياء

الوسوم:
7 مشاهدة

مصطفى محمد الاسدي
في احد الأيام تشرفتُ بزيارةِ المرجع الاعلى «السيد السيستاني» ” دام ظله ” وحين الطريق بعد العودة ومرارة الفراق لم أهدأ حتى كتبت كل ما حدث في سطورٍ إنتهت بمقال ” لقاء الاولياء ”

ليسَ كأي لقاء من عالمٍ آخر عالمٍ يخلو من الشوائبِ طالما كانت سماءهُ باهيةُ الصفاء كُنا ننتظرُ تحت جسراً حديدي في إحدى المناطق في المدينة التي كنتُ أسكنُ فيها ننتظر قدومَ مركبة كأني بعمري أفنيتهُ في أنتظارها، طالت الدقائق في حرِ الصيف الحارق لم تختفي تلكَ الابتسامة وضحكات خفيفه مُرهقة بشوق القاء … الى أن جاءت مُسرعه لتقف عند نقطةِ البداية بداية الرحلة بداية عشق رافقنا طول الدهر ، ركبنا حينها فرحين مُبتسمين ونسينا وقع الألم الذي حل بنا وهوان الدنيا ومصائبها كُنا نحمل كل هذا في طياتِ الروح في مدلهمات لغة العيون بدأت المركبة بالتحرك وأنطلقت تدريجياً بسرعه لم نعتد عليها من قبل، ربما كان الشوق الى ذاك البهي ذاك الصفاء ربما كان لهذا الشوق أثراً في سرعةِ المركبة ، حتى بدأنا نعبرُ المسافات بصمتٍ لم نعتد عليه قبل ركوبها صمتًا كان بداخلهِ الكثيرُ من العبارات والكلام والتأمل الخالص لنورِ وجه العالم، كان أشبهُ بالوضوء وضوء لعبادة النظر في وجهِ العالم ، وأي عالم؟؟…

قطعنا نصف المسافة وبدأ النصفُ الآخر يتلاشى حتى أوشكنا على مشارف تلك المدينة، مدينة الانبياء و الأولياء مدينة النجف الاشرف… توجهنا بلهفةٍ عمياء لم يسبق لي أن وصفتها مُسبقاً بدأت وجهتنا الاولى لِلقاءِ الإمام المُبجل «علي بن أبي طالب عليه السلام»، وبعد إنتهاء الزيارة جاءَ موعد لقاء الاولياء لقاءُ الطريق لقاء المسافة لقاء البعد لقاء لم يسبق له لقاء، كانَ الناس يسطفون، المئات منهم يأنون بأنينِ الصمت يدوي في ثنايا قلوبهم المُشتاقه وكأني بهم أسمعُ صوتٌ يُنادي جئناك يا بن الزهراء جئناك يا ريحانة القلوب جئناك ندوي شوقاً طال كل الدروب، شوقي كان يفوق الواقفين، هناك وبين مسافات القُلوب كان مكاني فارغاً لم يقف به أحداً كأنهُ فارغاً لسبعة وعشرين عاماً مُنذَ ولادتي ، تحركتُ بِخطواتٍ ووقعُ أقدامٍ ودقات قلب لم يسبق لها مثيل إلى أن جاء موعدي حان وقت القاء، لقاء الاولياء.

بدأتُ بتسليم كُلَ قطعة حديدية احملها خاتمي وساعتي ومحفظة صغيره أحمل بها بعض الذكريات ولو طلبوا كل جسدي لسلمته وتدخل روحي، كان التوجه في مكان الفرع الصغير والذي نسميه (دربونة) بدأت ملامح الانسان وثنايا الروح تختلف عندي سلمتُ ما أملك وتقدمت بخطواتٍ لم أحسس بها ابداً كان قلبي من يمشي شوقا حتى توقفت عند عتبة بابه، بابٌ خَشبيٌ قديم كأني رأيته سابقاً في أحدى بيوت الأيتام والفقراء! أبدًا لم أشاهد مثلهُ سابقاً في منازل ومقرات الاحزاب التي كانت تترأس السلطه في العراق، دُفع الباب قليلًا وبدأ ينجلي النور من خلفه حتى قالها من كان يحرسُ الباب تفضلوا بالدخول، لم ادرك من كان بجانبي وحتى من سمح لنا بالدخول تحركت اقدامي نحو الباب وبدأت بالدخول حتى رفعتُ رأسي وإذا بالسيد «محمد رضا» نجلُ حبيب القلوب وأنيسُ النفوس، أدليت التحيه عليه مطأطأً برأسي ومُتباركًا بحفو استقباله.

من أنا ومن نحنُ عامة الناس حتى ندخل منازل الاولياء والعلماء في زمانٍ سُدت فيه كل الابواب في زمانٍ كان فيه المسؤول عن قوت الشعب يقطنُ قصورًا لا تُكاد ان تحصيها العيون المجرده في زمانٍ كان فيه زعيم طائفة سكانها طول العالم وعرضه يسكنُ في منزل مساحتهُ السبعين مترا فقط وليست له بل مؤجرة، أي زماناً هذا وأي مكاناً انا فيه؟؟ ابنَ هذا الكيانُ العظيم وهذا الانسان الزاهد يستقبلُ عامةِ الناس عند عتبةِ الباب وبكلُ سمو وتواضع واستقبال وحفاوه وأخلاق وكرم يستقبل يومياً ما يُقارب التسعة مائة شخص من العراق وكل انحاء العالم، أبديتُ له فرحتي وسعادتي برؤيته وتوجهتُ مع باقي الناس إلى داخل منزل المرجع الاعلى.

كان منزلاً صغيراً ذو أرضية قديمة وجدران عادية جدًا إلى درجة لم أراها حتى في منزلنا وانا على يقين تام حتى في منازل الناس الوافدين إلى سماحتهِ حتى من كان منهم فقيرًا كان يحسس بأنه في منزلهِ، مُشابه كثيرًا لمنازل الفقراء والبسطاء والمتواضعين للعيش في ظل حياة هذه الطبقة الفقيرة من المجتمع، دخلنا إلى غرفة صغيرة لننتظر وقتنا للدخول إلى الغرفة المجاورة حيث كان النور يجلس وحسب تسلسل يمشي به الناس داخل الغرفه إلى ان وصلت عند باب الغرفة الثانية لمكانه دام ظله، خَطوت أولى الخطوات ولم أحسس بها ابدًا فقط أحسست بأولى خطوات عيني كانت تسرق النظر من بين أكتاف الناس مُتلهفه بشوقِ الأولياء حتى وقعت أولى النظرات وأوقعت بداخلي شغف القاء ، يتحرك الناس وتقترب الرؤى شيئًا فشيئًا ولم تبق سوى خطوات وأكون بينَ يديه في هذه الاثناء لم انتبه ان الدموع كانت تنهار.

لا أبالغ ابدًا بل وحتى من كانوا واقفين بجانبي كان شعورهم لا يختلف عن ما شعرت وايضًا من يقرأ كلماتي وقد حضر في هذا المكان يومًا ما، يعي تماما ما أقول ، انها الخطوة الأخيرة خطوتها ومددت يدي ليديه الشريفتين يدين بلونِ الجنة بلونِ الفُقراء واليتامى بلونِ العراق بلونِ الحسرة والشوق الذي كان يملئ قلوبنا آنذاك، حاولت أن اقبلها لكنهُ امتنع لم أطل النظر في عينيه حتى بدأت بالابتعاد ليحل محلي متلهف آخر.

كان من أسوء ما ممرت به في حياتي لحظات الإبتعاد وبيني وبين نفس احاول إقناع عيناي التي لم تُفارق نور وجهه إلى الآن أحاول اقناعها بأني سأعاود زيارتهُ ألفَ مرةٍ ومرة حتى ترتوي، كل الحجج والأساليب حاولت أن أقنع بها العيون والقلب ولم أفلح لساعتي هذه اتشوق لرؤياك سيدي كل ما إشتقت لمولانا «الحجة بن الحسن عليه السلام» كل ما إشتقت لإمام زماننا سأتي اليك بلهفتي الأولى وأحاول ان اطفىء واهدأ من شوق رؤياي ، طال البعد وبعد اللقاء وطالت المسافة حتى رجعت الى منزلي وبقي قلبي في ذلك المكان…

مصطفى محمد الاسدي