الجرأة تعترض .. في الذكرى المؤلمة لتهديم قبّة الإمام الرضا (عليه السلام)

الوسوم:
13 مشاهدة

علي حسين الخباز
صرخت بوجهها غاضباً:ـ ما اقبحك ايتها الجرأة الوقحة، وأنت تثبين عند كل موطن جرح، وأهلك الظلمة قساة يعيثون بالقداسة خرابا، فهم الذين تطاولوا على مراقد الأئمة من أهل بيت الرسالة (صلوات الله وسلامه عليهم)، تارة في طوس، وتارة في كربلاء، وتارة في سامراء.. ما الذي يريدون؟ ما لهم وقبة الرضا وهم الاغراب عن البلاد؟ والى أي خفوت يسعون أهلك اللئام؟ وبعد الذي حدث هل لك لسان وتتحدثين به كما تعبر الأشياء عن نفسها؟ صرخت الجرأة معترضة ورأيت في فضاء عيونها الدمع وارتعاشة غضب تهز كيانها، هؤلاء ليسوا أولادي، لا أعرفهم وأنا منهم بريئة الى يوم الدين، هؤلاء أبناء التهور والتكبر والطغيان هؤلاء أبناء الخفوت نفسه، لو كانوا ابنائي ما خافوا من مراقد خير تبعث النور والإيمان. الجرأة يا صديقي هي خطوات صدق هي الوثوب، وأما تهديم قبة مولاي الرضا كان جريمة لا تغتفر، سجل بها الروس أسوأ تواريخهم.. وسأحدثك عن التفاصيل: مع إطلالة شهر محرم الحرام عام 1330هـ أرسلت الإمبراطورية الروسية جيشاً يضمّ سلاح المدفعية، تتقدمهم جوقة عسكرية إلى مدينة مشهد، وذلك بحجة حماية رعاياها من الفوضى وأعمال السلب والنهب التي عمت مدن البلاد، وخاصة مدينة مشهد إثر تفاقم الصراع بين الثوار والملكيين أثناء الحركة الدستورية. وكانت الإمبراطورية الروسية آنذاك تتمتع بنفوذ قوي في إيران خصوصاً هذه المدينة، حيث استقر جيش الإمبراطورية في أطراف مرقد الإمام الرضا (عليه السلام)، وبالنسبة للأوضاع الأمنية فقد ساءت كثيراً إلى درجة لم تكن تمر ليلة واحدة دون وقوع حوادث سلب ونهب للبيوت والمحلات التجارية. وفي إحدى الليالي، تعرض محل أحد الرعايا الروس للنهب، فاتخذها القنصل الروسي في مشهد ذريعة وأوعز إلى قواته بالانتشار في المدينة، وأن تستقر المدافع والرشاشات على أسطح المباني القريبة للمرقد الشريف، وبالتحديد المباني المواجهة للقبة الذهبية لثامن الحجج (عليه السلام)، لحماية رعاياهم على حد زعمهم. وقد روع ذلك المشهد السكان الآمنين وبث في قلوبهم الرعب، كما وزع الجيش إعلانات طالب فيها بنزع أسلحة الأشرار وتفريقهم، وإلا فإنه سيطلق النار عليهم وستفرقهم بالقوة، ومن جهة أخرى كان هناك بعض الأفراد ممن كانوا يتظاهرون بالعداء للروس، لكنهم في السر عملاء لهم، يقللون من شأن تلك التهديدات. واستمر ضغط الروس حتى أجبروا حاكم خراسان على إعلان استقالته، وذلك خلال برقية أرسلها إلى السلطات المركزية في طهران، فمهد ذلك الطريق لهم للاستيلاء على زمام الأمور في المدينة، وسارعوا إلى إمهال الثوار ثلاثة أيام لتسليم أنفسهم وأسلحتهم، وإلا سيكون مصيرهم القصف بالمدافع، وكان مقرهم في مسجد كوهرشاد وغرف الصحن الطاهر. أصدر القائد أوامره بضرب المرقد الشريف، وكان ذلك عصر يوم العاشر من ربيع الثاني من عام 1330هـ وكانت الحصيلة كالآتي: 17قذيفة مدفع وعشرات أخرى اصابت المرقد الشريف. انتهاك الحرمة: بعد ذلك دخل الروس الحرم الشريف، وقد حوصر فيه عدد من الناس ممن لم يستطيعوا الفرار فلاذوا بالروضة المطهرة، وأوصدوا الأبواب من الداخل، لكن هذا لم يمنع هؤلاء الجلادين من توجيه نيران أسلحتهم إلى النافذة الفولاذية لرواق دار السيادة حيث كان يقف خلفها الناس وقد تشابكت أيديهم مع شباك الضريح الشريف، وكانوا خليطاً من الصغار والكبار يستغيثون ويصرخون بالبكاء حتى فاضت أرواحهم الطاهرة، وضرجت دماؤهم الزكية عند الضريح وما حوله. في الأثناء حمل سادن الروضة المقدسة السيد مرتضى قليخان عصا ربط في أعلاها راية بيضاء علامة على الاستسلام وطلب الأمان، وأخرج هذه العصا من وراء فتحة الباب، فاستجاب الروس ومنحوه الأمان، ولم تكد تمضي نصف ساعة حتى دنس الجنود الروس بخيولهم الحرم الشريف، هذا الحرم الذي لم يكن المؤمن ليجرؤ على دخوله إلا وهو طاهر وعلى وضوء كان يقف على بابه حاني الرأس يعلوه الخشوع والاحترام لصاحب المقام يستأذنه بالدخول في حين دخله هؤلاء الكفار، وقد نزعوا عنهم كل وازع من حياء أو أدب، ودنسوا حرمته، وحملوا من بقي من النساء والرجال أسرى. كما أخرجوا طلبة العلوم الدينية من غرفهم، واستمر ذلك حتى انقضاء خمس ساعات من الليل، وجمعوهم في زاوية من الصحن العتيق محاذية لباب دار الضيافة وقد بلغ عددهم حوالي ألف شخص، وكان ذلك في ليلة الحادي عشر من ربيع الثاني المصادف لليوم الحادي عشر من السنة الفارسية الجديدة. وكانت السماء تمطر بغزارة شديدة، وقد بقي الأسرى تحت المطر والبرد والجوع حتى الصباح إلى جانب ضريح غريب الغرباء عدد من قتل منهم حوالى 70 شخصاً، وقد أخرجوا من الحرم وأطراف الصحن، وصفوا في الصحن العتيق بجانب مدرسة ميرزا جعفر والإيوان العباسي، ولم يسمحوا بتسليم جثثهم إلى ذويهم حتى اليوم الثاني عشر، حيث دفنوا في مقبرة المقتل (جنة الرضوان حالياً). على أي حال، إن الذين تلطخت أيديهم بهذا العمل الشنيع نالوا جزاءهم فيما بعد، فكان مصير هذا الإمبراطور الذي أساء الأدب وانتهك حرمة الحرم الطاهر لثامن الحجج علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، ذاق طعم الذل والمهانة وقتل شر قتلة هو والأسرة المالكة، وأبيدوا عن بكرة أبيهم، ولم يبق له أي أثر.

علي حسين الخباز